اتجه نظام الحكم فى الإسلام على عهد أبى جعفر المنصور فى مستهل الخلافة العباسية إلى صورة الملكية المطلقة، بعد الصورة الأولية "الأبوية" التى كانت على عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، وبعد المحاولة المخفقة التى بذلها الأمويون فى دمشق، خصوصاً ابتداءً من حكم الوليد، لايجاد نظام إسلامى على غرار نظام الدولة البيزنطية، تلك الجارة التى لم يكن بد من التأثر بها: أولا بحكم الجوار، وثانياً بسبب التراث الإدارى والتشريعى الذى خلفته وهى تولى هاربة أمام الجحافل العربية الإسلامية الظافرة فى البلاد التى كانت تبسط من قبل سلطانها عليها. وكان أمام أبى جعفر المنصور ومن خلفه من الخلفاء حتى عصر المأمون نموذجان بارزان للملكية المطلقة على أنقاضهما قامت الدولة الإسلامية، وهما: النظام البيزنطى، والنظام الساسانى والإيرانى عامة.
أحد أبرز أساتذة الفلسفة العرب في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجا، إذ شملت أعماله أكثر من 150 كتابا تتوزع ما بين تحقيق وترجمة وتأليف، ويعتبره بعض المهتمين بالفلسفة من العرب أول فيلسوف وجودي مصري، وذلك لشده تأثره ببعض الوجوديين الأوروبيين وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر. أنهى شهادته الابتدائية في 1929 من مدرسة فارسكور ثم شهادته في الكفاءة عام 1932 من المدرسة السعيدية في الجيزة. وفي عام 1934 أنهى دراسة البكالوريا (صورة شهادة البكالوريا)، حيث حصل على الترتيب الثاني على مستوى مصر، من مدرسة السعيدية، وهي مدرسة إشتهر بأنها لأبناء الأثرياء والوجهاء. إلتحق بعدها بجامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم الفلسفة، سنة 1934، وتم إبتعاثه إلى ألمانيا والنمسا أثناء دراسته، وعاد عام 1937 إلى القاهرة، ليحصل في مايو 1938 على الليسانس الممتازة من قسم الفلسفة. بعد إنهائه الدراسة تم تعينه في الجامعة كمعيد ولينهي بعد ذلك دراسة الماجستير ثم الدكتوراه عام 1944 من جامعة القاهرة، والتي كانت تسمى جامعة الملك فؤاد في ذلك الوقت. عنوان رسالة الدكتوراة الخاصة به كان: "الزمن الوجودي" التي علق عليها طه حسين أثناء مناقشته لها في 29 مايو 1944 قائلا: "أشاهد فيلسوفا مصريا للمرة الأولى". وناقش بها بدوي مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية والزمان الوجودي. [عدل] عمله الجامعي عين بعد حصوله على الدكتوراه مدرسا بقسم الفلسفة بكلية الاداب جامعة فؤاد في ابريل 1945 ثم صار أستاذا مساعدا في نفس القسم والكلية في يوليو سنة 1949. ترك جامعة القاهرة (فؤاد) في 19 سبتمبر 1950، ليقوم بإنشاء قسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة عين شمس، جامعة إبراهيم باشا سابقا، وفي يناير 1959 أصبح أستاذ كرسى. عمل مستشارا ثقافيا ومدير البعثة التعليمية في بيرن في سويسرا مارس 1956 - نوفمبر 1958 غادر إلى فرنسا 1962 بعد أن جردت ثورة 23 يوليو عائلته من أملاكها. وكان قد عمل كأستاذ زائر في العديد من الجامعات، (1947-1949) في الجامعات اللبنانية، (فبراير 1967 - مايو 1967) في معهد الدراسات الاسلامية في كلية الاداب، السوربون، بجامعة باريس، (1967 - 1973) في بالجامعة الليبية في بنغازى، ليبيا، (1973-1974) في كلية "الالهيات والعلوم الاسلامية" بجامعة طهران، طهران و(سبتمبر سنة 1974-1982) أستاذا للفلسفة المعاصرة والمنطق والاخلاق والتصوف في كلية الاداب، جامعة الكويت، الكويت. أستقر في نهاية الأمر في باريس
اسم الكتاب طويل!، ومتشابك!، ومعقد!، فالأصول!، وما أدراك ببواطن الأصول!، واليونانية!، وما أدراك ما الحضارة اليونانية!، والنظريات السياسية!، ونعوذ بالله من عالم السياسة!، وفي الإسلام!، إذن فقد اكتملت الدائرة
لا أدري حتى الآن لمَ هذا العنوان صراحة، وإن كنت لم اقرأ الكتاب لأجل جاذبية العنوان، ولم انتبه له، وإنما كان الانتباه لاسم المحقق، عبد الرحمن بدوي، فهذا الكتاب والعنوان الضخم ما هو إلا تحقيق لكتابيْن من كتب القرون الوسطى الإسلامية، منسوبيْن زورًا لاثنين من أعلام الفلسفة اليونانية، من أجل غرض وحيد، لأنه كان ثمة فريقين، أحدهما يتعصب للحضارة الفارسية، والآخر لليونانية!، ولهذا ..
قد عمدوا – من أجل هذا – إلى ترجمة آثارها إلى العربية كلما وجدوها، كما اضطروا أحيانًا إلى اختراع الكتب ونسبتها إلى مَن يتوهمون من أبناء الفرس أو أبناء يونان إبرازًا لفضلهم وتمجيدًا لهم، ومن هنا أخرجوا إلى الناس طائفة هائلة من المؤلفات المنحولة، نسبوها إلى أشخاص بارزين في التاريخ القومي للفرس أو اليونان
كما يقول المحقق، إذن!، هذا هو كل ما وراء العنوان الكبير!، فالكتاب المحقق الأول اسمه:
كتاب العهود اليونانية المستخرجة من رموز كتاب السياسة لأفلاطن وما انضاف إليه
تأليف أحمد بن يوسف بن إبراهيم رحمة الله عليه
والآخر: كتاب السياسة في تدبير الرياسة المعروف بـ«سر الأسرار» الذي ألفه الفيسلوف الفاضل أرسطاطاليس لتلميذه الملك المعظم الإسكندر بن فيلبس المعروف بذي القرنين
ترجمة: يوحنا بن البطريق
وفي مقدمة الكتاب يقول المحقق، أن كلا الكتابين أصلا منحولين على أرسطو وأفلاطون معًا، وإنه لا يدري الحكاية وراء أصلهما تمامًا، وإنما كلها افتراضات، فالكتاب الأول الذي ينسبه مؤلفه إلى أفلاطون، يقول عبد الرحمن بدوي، فيه أنه لا أحد يعرف أصلا يونانيًا لهذا الكتاب، ثم أن واضعه قال فيه إن لأفلاطون ابن وزير!، وهذا خطأ تاريخي فاحش!، ثم إن المحقق يستغرب حتى أن يكون لهذا الكتاب العربي أصل يوناني ولو منحول، لأن الكتاب اسمه " كتاب العهود اليونانية المستخرجة من رموز كتاب السياسة لأفلاطن"، وهذا – كما يقول – يستغرب أن صدوره عن مؤلف يوناني، لأن نَص كتاب السياسة لأفلاطون أشهر مِن أن يَدَّعِيَ عليه هذه الدعوة يونانيٌّ يكتب باليونانية، لأن كتاب السياسة لأفلاطون "حاجة!"، وما جاء في الكتاب العربي القديم الذي يقول أنه مستخرج منه: حاجة أخرى
بينما الكتاب الثاني، سر الأسرار، فقال أنه على رغم شهرته في الغرب والشرق على سواء، إلا أنه منحول أيضًا على أرسطو، ولا يعلم أحد ما مصدر هذا الكتاب الأصلي!، إلا أنهم قالوا أن أجزاء منه نسبت إلى طبيب يوناني يسمى ديوقلس، وجزء آخر لعالم اسمه أفليمون، وأنه كان صغير الحجم ثم تضخم، وأشياء أخرى من هذا القبيل
ومازالت القضية مقيدة ضد مجهول
.
.
الكتاب الأول (العهود اليونانية) هو ثلاثة عهود، الأول من ملك موقن بقرب الرحيل، إلى ابنه الملك من بعده، فيوصيه بالمملكة وينصحه بأساليب إدارتها، فيقول له فيما يقول:
اعلم أن بهاء المملكة بحسن حراسة محالّها، وأمن سُبُلها، وتسهيل أقوات الرعية بها، وتجديد ما يتعامل به الناس فيها، وأن من فضلك على من تقدمك من الملوك أن تكون هذه في أيامك أفضل مما كانت في أيامهم، ..، وجاء في الحكمة: يا أيها المتملّك الصغير على البلد الحقير في الزمان القصير!، اجتهد في حراسة رعيتك من الخوف والقحط، فبهما يظهر نقصك عندهم ويزول محلك منهم
والعهد الثاني من وزير سابق عجوز إلى ابنه الذي يرجو أن يخلفه في سلك الوزارة، فيسدي إلى نصائحه الغالية التي تعلمها خلال حياته، فيقول له فيما يقول فيما معناه:
إذا رقاك الملك مرتبةً فلا تتلقها بالرفع من شأنها وعدم استحقاقك لها، لإن هذا وإن كان ظاهره التواضع، والتواضع حسن، فإنه قد يشعره أنك نلت ما لا تستحق، بل اشكر له فضله، وأظهر قدرتك على الاضطلاع بهذه المرتبة وأعبائها
والعهد الثالث، عهد رجل من أهل اليسار من العامة إلى ولده، استشعر – أيضًا – دنو الحين، فأوصى ولده بهذه الوصية، فقال يوصيه فيما قال:
واعلم، يا بني!، انه ما أتلف أصولَ الأموال مثلُ الإغراق في طلب الربح، ومقارعة الرجل أهلَ طبقته ومن هو أعلى منه، وتشبُّه في زيّه بمَن يزيد عليه في الجدة والقدرة، واستهانته بمَن قصر عنه من أهل الشرّة، وإغفال الشكر على المواهب، فتنكبّ كل هذا تسلم من هذه الأخطار
والكتاب الثاني (سر الأسرار)، فهي وصايا منحولة، قالوا أن المعلّم أرسطو كتبها إلى تلميذه الإسكندر، عندما – أيضًا- استعلت به السن، فرغب أن يكتب إليه كتابًا يقوم مقامه عند الإسكندر، وينوب عنه في جميع أموره، قال فيه فيما قال:
يا إسكندر!، العقل رأس التدبير وهو صلاح النفس ومرآة العيوب وبه تذلك المكروهات وتعز المحبوبات، وهو رأس الممدوحات، وأصل المفاخر
.
يا إسكندر!، أي ملك أخدمَ مُلكَه دينه فهو مستحق الرياسة، وأي ملك جعل دينه خادمًا لملكه، فهو مستخفٌ بناموسه، ومن استخف بالناموس قتله الناموس
.
يا إسكندر، طاعة السلطان لا تكون إلا بأربعة أوجه، وهي الديانة والمحبة والرغبة والرهبة، واحسم علل الناس كلهم وارفع الظلم عنهم، ولا تحوجهم إلى القول، فإن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت أن تفعل، فاجهدْ أن لا تقول تسلمْ من أن تفعل، واعلم أن الهيبة بهجة المملكة
.
يا إسكندر!، إياك والغدر!، فإنه من أخلاق الصبية السفهاء، وعاقبته وخيمة، وهو وإن ظفرَ بيسير، فإنه يحرم الكثير، وكذلك تحفّظ من نكث أيمانك وخَتْرِ عهودك، فإنها شُعبة قوية شديدة في النفاق ونقص في المروءة وهدم لكثير من ديانتك التي قدمت تحذيرك من الاستخفاف بشيءٍ منها
.
يا إسكندر!، إنَّ الحمَّام من أعجب ما في العالم وأغرب ما وصفته حكماء الأرض ودبّرته لراحة الجسم، ونقاء البدن، وتحليل الأعضاء وفتح مسام الجسم وإظهار البخارات والفضلات ونقاء الجلد من بقايا الآلام والأمراض
يريد أن يقول يعني: يا إسكندر!، استحم
وبعد،،
يقول عبد الرحمن بدوي، في خاتمة مقدمة هذا الكتاب، بعد أن عرض لبعض نصائح الكتابيْن:
إلى آخر هذه العبارات الرائعة التي تكشف عما لقيه الناس من استبداد ملوكهم وحكامهم، فكان هذا الصوت أروع تعبير عن رغبة الشعوب ودعوتها الحارة المُلحّة إلى العدل
وقال:
وبالجملة، ففي الكتابين أفكار سياسة عصرية إلى أقصى حد، ولو قدر لولاة أمور المسلمين أن يراعوها حق رعايتها لما انهارت دولة الإسلام انهيارًا لم تنهض منه إلى اليوم
ونحن نُرجِّي أن يكون في تدبر المعاني العالية التي يتضمنها هذان الأثران النفيسان ما يحفزّنا نحن العرب والمصريين بخاصة إلى أن ننشيء دولة الغد العربية الواحدة الشامخة