أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحِظ
إن الجاحظ ولا شك هو أعظَمُ من قرأتُ له كتاباً إلي الآن , هُناك من يدعوه بالساخِرِ و من دعاه بذلك فقد أخطأ خطأ جسيماً , أما الجاحِظُ فهو المُعلم أو كما كتب هو عن الجَدِ و الهزل فهو لا يضعُ الهزل في مواضعِ إلا لعلمه ان العقل ملول مولعٌ بتركِ المروءة و السعي وراء كل ما هو طريف و قد يتقيأ الجَد إن لم يجرعهُ في كأسٍ من الهزل , فما زال الجاحِظُ يقاني الجد بالهزل حتي خَرجَ لنا بمذهبهِ هذا و قد قرأتُ لهُ اول ما قرأت كتابه البيان و التبيين و علمتُ من مذهبه هذا في غير موضعٍ منها بيت قد اورده :
لَم يَخلُقِ اللهُ مسجوناً تُسائِلهُ ما بالُ سَجنِكَ إلا قالَ مظلوم
وقد ابتَعِدُ هاهُنا عن بعضِ طُرف الجاخِظ مراعاة لمن يقرأنهُ من النساء وقد نقل عنهُن قول طفيل الغنوي :
إن النساءَ كأشجارٍ نبتن معاً مِنها المُرارُ و بعضُ المُرِ مأكول
إن النساءَ متي ينُهين عن خُلقٍ فإنـــهُ واجبٌ لا بُدَ مفعُولُ
لا ينثنينَ لِرُشدٍ إن صُرِفنَ لهُ و هُــــنَ بعدُ ملاويمٌ مخاذيلُ
وهاهُنا اكتُب عن اهم كُتبه في رأيي كتابُ الحيوان وقد اعتبرهُ اول من خط علي ورقٍ بشئٍ من الروحِ العلمية الصادِقة و بروح المُعلم فبدأ حديثه عن ما يعتري الانسان بعد الخصاء و لم يُرد الجاحظ ان يضع الأسباب و انما يعرِض ما خبره بالتجربة و الفحص في عالم الحيوان الذي عَجِبتُ أول الأمرِ انهُ لا يستثني الإنسان منهُ و ان من حوله لم يعتبروا ذلكَ مِنه زندقة او كفراً فتراهُ يدرسُ الإنسان علي انه حيوان كغيره من سائر الحيوان ثم يقر بأن اقربُ الكائناتِ شبهاً بالحيوان هي القردة ولا شك لكنه يفاضل بين الانسان و ما دونه من القردةِ بعقلانية ولا يُنكِرُ كون وعي الانسان هي الهبة المميزة له فتراه يقول : وما الإنسان دون اللسان إلا صورةٌ ممثلة او بهيمةٌ مهملة
ثُمَ عَجبتُ له حين سبق العِلمَ الحديث بأن اقر بتَخلُق الاشياء من الطينِ و الماء فقد كتب
(وقد أنكر ناس من العوام وأشباهُ العوام ان يكون شئ من الخلق بغير ذكرٍ او انثي و هذا جَهلٌ بشأن العالم وبأقسامِ الحيوان )
وقد ضربَ مثلاً شعرياً مجازياً يشرحُ به ان لا ضير لقضية الخَلق في تَخلُق الاشياء كالديدان و غيرها من الكائنات الصغيرة من الماءِ و الطين في البِركِ و المستنقعات فقال :
فاستنكَحَ الليلَ البهيمَ فأُلقِحت عن هَيجهِ و استُنتِجت احلاما
وقد قال عن بعض الكائنات الصغيرةِ تلك
[ولكن الله خلقها الساعة من طباعِ تلكَ التُربة وذلكَ المطر وذلك الهواءُ المحيطُ بهما]
وقد كتبَ غير مرة ملحوظات عَجبتُ منها , منها ان الفزع قد يودي بحياةِ من شكه العقرب بإبرته فظن ان الفزع يوصِل السم او يكونُ معينا له , و لعمري ان الظن لفي محله , وقد كتب ( فإن الحيات في أصلِ الطبعِ مائية ) وقد لا نحتاجُ إلا الي ان نغمز لمن يقرأ هذا القول و نقول أنظر أليس هذا شئ عُجاب , وقد ذكر اليسروع او الاسروع فقال بأنها دويبةُ تنسلخُ فتصيرُ فراشة , وقد صنف الطير أوابده و قواطعه او سبعاً و بهيمة
ثم يعلمُ انك لن تقدر علي هضم هذا كله فيقاطعك بالقصص الطريفة و الاشعار اللطيفة فمثلاً ينقل لنا قصة الحرامي الذي قال :
عِيالٌ عالةُ و كسادُ سوقٍ و أيرٌ لا ينامُ ولا يُنيمُ
وقد لاحظ الجاحظ ان العُصور اكثر خلق الله قدرة علي سفاد و مع ذلك فهو من اقصرهم عمراً و قد ربط بين السفاد ( التزاوج ) و قصر عمر الحيوان فلا تجد حيواناً يتسافد عدة مرات إلا قَصُر عمره , كما لاحظ ابو عثمان ما يُعرف في وقتنا هذا بالهرم الغذائي او هرم التغذية حين كتب "ومن العجب في قسمة الارزاق ان الذئب يصيد الثعلب فيأكله , و يصيد الثعلب القنفذ فيأكله , و يريغ القنفذ الأفعى فيأكلها , و كذلك صنيعه فالحيات ما لم تعظم الحية , و الحية تصيدُ العصفور فتأكله و العصفور يصيدُ الجراد فيأكله و الجراد يلتمسُ فراخ الزنابير فيأكلها و الزنبور يصيدُ النحلة فيأكلها والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها و الذبابة تصيدُ البعوضة فتأكلها "
فلو كان عمرو الجاحظ في وقتنا هذا لدُعي سفهاً ممن دعاه�� هو بالعوام و اشباه العوام شرُ دواب الأرض بالكُفر و الزندقة .