...وإن كنت ستلمس واقعيتها وأنت تقرأها تهزك من الأعماق، أصارحك بأنها ليست من الأعمال الواقعية.. ولكنها خلاصة تجارب طويلة ومعاشرة فئة من الناس عرفت الكثيرين من أفرادها فصادقوني وصادقتهم وربطتني -بالقلة منهم- أقرب الأواصر. ومن هنا، وقد يبدو لك -وأنت تقرأها- أنك تعيش واقعاً حديث أو يمكن أن يحدث كل يوم برغم أن أحداثها لا تعنى شخصية معروفة بعينها. فأبطالها جميعاً- من صنع خيالي الذي تأثر -حتماً- بهذه العشرة الطويلة.
والأسماء الحقيقية التي وردت خلال السرد الروائي يمكن أن تتناول هذه الفئة التي تنتمي إليها ليلى، وتلك التي ينتمى إليها مروان.
ومن هنا، فإنني أستأذن أصحاب هذه الأسماء في أن أرصع بأسم كل منهم -أو منهن- صفحة من صفحات هذه الرواية..
ومن يدري، فقد تكون هذه.. وأموت، أعني هذه الرواية، وعزائي -في هذا الحال- أن أكون قد كتبتها قبل أن أموت.
فتحي أبو الفضل روائي مصري حاصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، من أشهر أعماله الأدبية رواية "حافية على الشوك" التي تحولت إلى فيلم سينمائي باسم "حافية على جسر الذهب، قامت بدور البطولة فيه الفنانة مرفت أمين. وكذلك رواية "الثوب الضيق" التي صدرت عن دار المعارف، ورواية "دموع على ذكرى" و"هذه أو أموت" وكذلك قصة فيلم "في الوحل" الذي قام ببطولته الفنان نور الشريف.
هي قصة ساذجة، وقلت لنفسي وأنا أطويها إن ظفر روايات عبير برقبة هذه الرواية، ولكن هذه الرواية مع ذلك أثارت في نفسي ضيقًا بالغًا وانشغال بال وشرودًا كثيرًا، ليس لأسلوبها أو طريقة قصّها، وإنما لتلك القصة التي حكاها المؤلف في كتابه «رحلتي مع الرواية» عن ما وراء كتابتها لها، وكنت أريد أن ألقي هذه الرواية وكأني لم أقرأها قط، ثم اليوم وقبل كتابة هذه الأسطر بقليل، خطر لي أن المؤلف - الذي كنت قد كرهته - لم يفعل شيئًا من نفسه، أعني لم يكن إلا أداة، ولنستعد قول تلك الفنانة له عندما أخبرته بتلك القصة لكي يكتبها، فهو لم يلبّ إلا رغبتها، وليس الأمر أنها أطلعته على هذا السرّ كإطلاع الصديق لصديقه على سرّ من أسراره، ثم يخون هذا الصديق السرّ فيعلنه، لا، وهذا ما انتبهت إليه في دهشة، لقد كانت تريد هذا! أرادت منه أن يكتب هذه القصة بالذات كما روتها له، بل وظلّت تسأله عن "سير العمل" مرّات، حتى يئست منه، ثم وبعد قرابة أربعين عامًا يقول لها إنه كتبه، فتفرح وتهلّل! ثم تأتي هذه القصة المروية هنا في إطار شفيف للغاية من الرمز لا يكاد ينهض بنفسه، إطار يكتفي بتغيير الأسماء بشكل ساذج ويُبقي مع ذلك فيه كل ما قد يدلّ على أصله بوضوح ظاهر، أقول لنفسي فقط إن الأمر ليس كما يراد منا تصديق وقوعه، فنّانة امرأة تطلب من كاتب ومؤلف لا يربطها به سوى صداقة خفيفة أن يكتب قصة قد تهدم حياتها، وتهدم حياة شخص آخر سيعرف الجميع من هو المقصود به من أول مشهد يظهر فيه، ثم تشجّع الفنّانة الكاتب على كتابة تلك القصة، ثم تظل على حماستها للقصة إلى أن كتبها بعد كل هذه السنوات؟! لا، ليس الأمر كما يبدو أبدًا
وتطوف الآن بالخاطر وصف شوقي لكليوباترا ودهائها الفتّاك:
ضيَّعَتْ قيصرَ البرِيّةِ أنثى يا لَربِّي ممَّا تجرُّ النساءُ! لم تُصِب بالخداع نُجْحًا ولكنْ خدعوها بقولهم حسناءُ
والطريف أن شوقي قال هذا في قصيدة «كبار الحوادث في وادي النيل» والتي قالها عام ١٨٩٤، في المؤتمر الشرقي، وظلّت كليوباترا في ذهنه قرابة أربعين سنة تالية هو أيضًا، إلى أن كتب مسرحيته عنها، وفيها كرر اتهامه لها بالغدر بقيصر، وزاد فجعل هذا على لسانها في فخر لا تخالطه قطرة ندم:
فنسيتُ الهوى ونُصرةَ أنطنيوسَ حتى غدرتُهُ شرَّ غدرِ علمَ اللهُ قد خذلتُ حبيبي وأبا صبيتي وعَوْنِي وذُخْري والذي ضيَّعَ العروشَ وضحَّى في سبيلي بألف قُطْرٍ وقطر موقفٌ يُعجب العلا كنتُ فيهِ بنتَ مصرٍ وكنتُ مَلْكَةَ مصرِ