مرة أخرى مع قائمة اتحاد الكتاب العرب عن أفضل مائة رواية عربية وهذه المرة مع العمل صاحب الرتبة 98 , رواية جسر بنات يعقوب للكاتب حسن حميد , بداية لقد استمعت جداً في السرد وفي تحضير الاحداث , واستطاع حسن حميد ان يخلق الفضول في كل زاوية من زوايا العمل بطريقة كتابته المتقنة جداً , ولكن العمل بحد ذاته مفكك قليلاً , ففي النظر إلى اول 60 صفحة نجد ان الكاتب يتحدث عن دير لجأت إليه ثلاث إناث , الأولى نتقلت للدير للهرب من حمل سفاح , مات طفلها لدى العجوز التي عهدت به , عاد عشيقها , فسلمت نفسها , ووعدها بالعودة ولم يعد , الثانية وضعت في الدير من قبل رجل عجوز كان يربيها خاف ان يموت ولن يبقى لها احد , الثالثة عاشت كل المتع قبل الدير هربت مع عشيقها الذي تركها , ثم فجأة تتوقف قصة الدير لا تعود مطلقاً , و تنتقل القصة إلى يعقوب و بناته و الجسر , وقصة يعقوب هذه يمكن اسقاطها رمزياً على قضية المنطقة و لكن وبعيداً عن الاسقاطات يمكن القول أن هذه القصة تشبه قصصاً كثيراً في المجتمع , فالقصة تتحدث عن رجل استغلالي لأبعد الحدود , لدرجة انه قدم زوجته على انها اخته لحلاق لكي يعلمه الحلاقة مقابل قضاءه بعض الوقت معها , و لم يكتف هنا , بل حاول أقناع زوجته بالزواج من الحلاق سراً حتى يكمل تعلم الحلاقة و التي لم يتعلمها , و من ثم و بعد وفاة الزوجة و تركها وراءها ثلاث اناث , انتقل يعقوب إلى بناته مستغلاً جمالهن و جسدهن لكي يحقق مآربه , وفوق هذا الاستغلال , فقد كان هذا الشخص سخي الدمع , ويستغل قدرته على استجلاب العطف و يقدم دموعه على الدوام في كل حوار لكي ينال ما يريد , و كل ما كان يريده هو المال , والملفت للإنتباه في هذه الشخصية ثلاثة امور , الاول , ان يعقوب الاستغلالي لجأ لاحد معارفه , وهو شخص كان قد استغل إبنته ايضاً لكي ينال من رجل غني واملاكه , شخص قال له : دع مخاوفك جانباً , فكيسك حين يمتلىء سيهابك الناس , الملفت هنا أن كلا الطرفين كانا يدركان انهما يستغلان الاخرين اشنع استغلال و يفتخران بذلك , إلا أنهما يعاملان بضعهما البعض بكل وقار واحترام و تقدير , وكان يعقوب يسأل " الله " في كل جملة التوفيق والتيسير له , وهذا شيء منتشر في المجتمع , فكم من لص و مرتش و سارق و محتال يدعو له الجميع بالرزق و الصحة والعافية , الثاني أن يعقوب حين طلب من زوجته القبول بزواجها السري من الحلاق , كان مدركاً تماماً ان زوجته سوف تخضع ,وكانت زوجته تخضع لانه تريد له التوفيق في الحياة إذ تقول احدى بنات يعقوب عن إبنتها : كانت هي تقبل بذلك من اجل ان يقف هو على قدميه بين الناس , كانت توافقه على كل ما يطلبه منها من فير ان تذمر او جفاء او مداورة من اجل ان يصير له شأن كبير بين الخلق , الملفت هنا ان كل من يعقوب و زوجته مدركان لوقع الاستغلال وشناعته إلا ان الامر استمر , فقط لان زوجة يعقوب كانت لا ترى الحياة خارج نطاق يعقوب , وهذا مرده إلى صعوبة الطلاق والانفصال و ربط الشخص وحياته , بصورة شريك حياة إرتبطت فيه , وهذا أيضاً كثير لدينا ولست اتحدث عن المرأة فقط بل الرجل أيضاً لانه يقع في ذات المعضلة , فكم من إمرأة رمت كل شيء , احلام , افكار , سعادة , عادات , آمال , عشاق فقط لكي ترفع زوج احمق اخرق إلى مكانة ( عملية , خلقية , فكرية , إلخ ) لن يصل إليها و كم من رجل , صبر على مثل هذا وربما اكثر خوفاً على أولاده , صورته , مكانته في المجتمع , فقط لان مجتمعنا يرى خيار الارتباط الاول هو الاخير , اما الامر الثالث و هو ان يعقوب انتهى به الامر لكي يصبح حكيم المنطقة و شيخها و مداويها , وهذا امر لا احد يتفوق به علينا , فكم من شخص فاشل لم يفلح في شيء من حولنا , قرر إرخاء لحيته و إرتداء الجبة و العمامة لكي يخرج على الناس ناصحاً , في الختام العمل كان جيداً و تقيمي له 3/5 ولم أجد ضير من مرتبة هذا العمل من وجهة نظري كقارىء وسوف أقرأ مجدداً لحسن حميد حتماً , فأسلوبه مميز جداً .
مقتطفات من رواية جسر بنات يعقوب للكاتب حسن حميد
-----------------
رآها حنا فأيقظها على انوثتها , وشدها نحوه كحلم بديل , صارت معه تأكل وتشرب وتنام , وصار معها , يأكل ويشرب وينام , وهما بعيدان , هي عند زوجها , وهو عند والديه العجوزين , مرات و مرات , سعى اليها فما استجابت إليه , بدت له كأنها مصعوقة برؤيته , وجماله , وسحر نظراته , ذكرها بزوجها , وبأيامها الاولى معه , بسنواتها الاولى , برجولته , ولطفه و نظراته الحالمة , نظراته التي تحكي من دون كلام , ودهشته الآسرة الراغبة من كل هذا الجمال , أحس بأن شيئا ما بات يتحرك أخل روحه تجاهها , فاندفع نحوها بكل مشاعره , واحست هي بأنه هو من تتمنى , القادرة على اعادة نشوة الروح و صحوتها من جديد , وانه هو من رعشت له الروح فأومضت بعدما صار زوجها يباساً وصارت هي حاكورة للخراب
-----
صارحها بأنه يود الانفصال عنها لانه يحبها , ولانه يريدها ان تبقى حبه الازلي الخالد , رجاها ان تمضي في درب آخر , وفي دنيا اخرى لتعيش مع رجل آخر غيره قادر على توليد سعادات جديدة لها , ان تمضي في اي تجاه تريده بعيداً عنه , لانه صار كالرماد لا دفء فيه ولاحياة , رجاها ان تمضي لتمضي , ان تبتعد ليبتعد
-----
كن حريصات على ان لا تظل الواحدة منهن وحيدة كي لا تكر عليها مواجع الايام , وكي لا تدهمها احزان الماضي , كن مقطورات الى بعضهن بعضاً بإرادتهن , ان صمتت الواحدة منهن تتحايل الثانية عليها , وتخرجها من شرودها , تسايرها بأي حديث كي لا يجرحها الصمت بهدوئه الحاد
------
هنا في هذا الدير النائي الجميل , حاولت ان اقتل شهوز الجسد بالعمل والصلوات والركض والسجود والركوع وبالامانة والنذر والطاعة والعفة ومعرفة مشكلات الناس واحلامهم , واستطعمت مرات عديدة حلاوة مساعدة الآخريم ومحبتهم وان كانوا قساوة بغضاء , لكني لم استطع نسيانه , كان معي , في مأكلي و مشربي , وفي قيامي و مضجعي , طيفه يلازمني , رفم قسوته , ونذاالته , كنت احس بأنه قادم إلي , إلى هذا المكان يوما ما , ساعة ما , ,اني لن اتوانى ولو للحظة واحدة عن فتح ذراعي له واخذه الى صدري في ضمة عمرها ألف عام , معتقة مثل الصلاة الرحيمة الشافية
------
أحس بأني لا اعرف الرجل , وبأنني أخالطه في وحدتي كالحلم وكأنه الهواء , انو نعومة ستائر شباكي , او ملحفة لحافي الحريرية الملساء , احسه شيئاً حلواً ولا ادري لماذا احسه كذلك , انه مخلوق جميل شبيه بجدي , الذي كان يقبلني فأطرب لقبلته
------
تصارحنا كثيراً و تحدثنا كثيراً أيضا حول عالم الرجال و عرفت اشياء كثيرة لم اكن اعرفها فصار الرجل عندي رؤية وحلما و متعة وعالما غنيا مدهشاً بعدما كان في نظري غولا و جفافا وباعثا على الرذائل و سببها .
------
حين شرعت تعي ان الدنيا نفاق و كذب وشهوات وشراك وامزجة و تبريرات ونسيان , راحت تلح عليها فكرة الخلاص من كل هذا العذاب و العيش في احد الاديرة تائبة راجية طالبة المغفرة
------
لقد ايقظني على جسدي فاكتشفته معه , هو من حبب المغامرة الى نفسي , فمضيت معه بعيداً عن اهلي , فعشت في المدن الكبيرة وحين مضى وضاع , مضيت انا وغبت , لكنه ظل معي كائنا لروحي وحسب , جمالا لا يتوارى , وروحا لا غنى لي عنها على الرغم من كل ما حدث لي وله
-------
كان أبي يدفعها امامه من اجل ان ينال هو , وكأن مشاعرها وافكارها غير موجودة ودونما حساب لرضاها او رفضها , وكانت هي تقبل بذلك من اجل ان يقف هو على قدميه بين الناس , كانت توافقه على كل ما يطلبه منها من فير ان تذمر او جفاء او مداورة من اجل ان يصير له شأن كبير بين الخلق , لكن ذلك الشأن لم يوجد يوما , ولم يكن .
-------
دع مخاوفك جانباً , فكيسك حين يمتلىء سيهابك الناس , وستستأنس بك الطبيعة , وسيحنو عليك الدرب , ويجمع خطواتك ويقودك الى حيتما تريد , كيسك هو الذي سيجوز بك الجدار العالي الذي تتحدث عنه
-------