13 حزيران في جبال لبنان الشمالي. منذ منتصف الليل، تطوّق وحدات القتال في حزب الكتائب التابع لآل الجميّل منطقة إهدن، وهي بلدة في الجبل، في قلب معقل آل فرنجية. إنها الساعة الرابعة صباحاً: دوَّى مدفعٌ.. إنها إشارة الهجوم. لم تكتفِ الاستخبارات الإسرائيلية بالتخطيط لـ "عملية الأرز"، بل نظّمت أيضاً عملية سرية ضمن العملية قضت بإقناع بشير الجميّل بإيكال قيادة الهجوم إلى سمير جعجع للتأكد من بلوغ الأهداف المرجوّة. في ذلك اليوم، تمّ اغتيال النائب طوني فرنجية وزوجته فيرا وابنتهما جيهان البالغة من العمر ثلاث سنوات. وقُتل ثمانية وعشرون من أهل البلدة. فمن خلال إلغاء زعيم مسيحي من الصفّ الأوّل معادٍ لإسرائيل، ابتدعت استخبارات الموساد مفهوم الاغتيال الهادف لشخصيات محددة. وبذلك، أهدت السلطة المسيحية إلى بشير الجميّل، وأوصلت إلى سدّة رئاسة الجمهورية عائلة مؤيّدة لها تستطيع تل أبيب أن توقّع عبرها اتفاق سلام منفصلاً مع لبنان. لقد شهد لبنان سلسلة طويلة من الحروب بين المسيحيّين إثر مجزرة إهدن التي ضيّقت أكثر بُعْدَ "العقدة المارونية" بين الكتائب حلفاء إسرائيل والعرب المسيحيّين المنادين بانتمائهم الكامل والتام للعالم العربي. وبعد مرور ثلاثين عاماً، لم تُحَلّ تلك العقدة: فالجنرال ميشال عون وسليمان فرنجية، ابن النائب المغدور به، يجسّدان اليوم مستقبل العرب المسيحيّين. والكفاح الذي يخوضانه معاً إنما يدحض ما يُسمّى بـ "صدام الحضارات" الذي يسعى إلى مواجهة بين الشرق والغرب.
لم يكن هذا العنوان ليلفتني كثيراً لولا قرائتي "تاريخ لبنان الحديث" لطرابلسي، شعرتُ أن في الكتاب الكثير من الأحداث التي تحتاج حديثاً طويلاً، والتي لم يتسع تاريخ طرابلسي لتفصيلها. مجزرة إهدن كانت واحدةً منها.. فرغم دموية أحداث الحرب اللبنانية ووحشيتها، ظلت مجزرة إهدن في سياقها حَدَثاً صادماً ومباغتاً بالنسبة لي كقارئ.
في بداية قرائتي لكتاب "مجزرة إهدن".. تساءلتُ ما الذي سيمنحني إياه في 400 صفحة ؟ هل ستمتد تفاصيل المجزرة طوالها ؟ يمكن القول إلى حدٍ ما.. نعم.
يبدأُ لابيفيير بسردٍ روائي لما حدث 13 حزيران 1978. أقولُ "روائياً" لأن سرده بدا تخيّلياً جداً كما لو أنه شهد الواقعة بنفسه، وهذا ما جعلني أشكك بموضوعية السرد.
غير أن المؤلف بذل أكثر من تفصيل الحادثة وسردها تخيلياً، فقد ذهبَ بعيداً حتى لقاءِ شهودها من الطرفين: من سليمان فرنجية ابن طوني فرنجية الضحية، مروراً بالمهاجمين من أفراد القوات اللبنانية والمدافعين من أبناء إهدن وزغرتا وأفرادٍ من الموساد أيضاً، وليسَ انتهاءً بسمير جعجع نفسه - الاسم الأول المتورّط في هذه المجزرة.
لا يخفي لابيفيير انحيازه الشديد إلى قضية فرنجية والدفاع عنها وحمل لوائها، إلى الحدّ الذي يجعله "يؤسطر" شخصية طوني فرنجية نفسه - وهو الأمرُ الذي لا أرتاح له عموماً- كبطلٍ عربيٍّ سعى لاستقلال لبنان والحفاظ على وحدتها وأمنها. بل ولا يخشى أن يوجّه إصبعه إلى السلطات الإسرائيلية متهماً إياها بالتورط المباشر في عملية الاغتيال والمجزرة، هادفةً من وراء ذلك إلى إلغاءِ صوتٍ معارض وكسبِ دعم القوات اللبنانية لتوقيع اتفاقية سلام بين لبنان واسرائيل شبيهة باتفاقية كامب ديفيد. كل هذا وذاك كلّفه الطردَ من إذاعة فرنسا الدولية.
وهو - أي لابيفيير - يحملُ همّ العرب المسيحيين كما لو كان همّه الشخصي، ولعلّ لدراسته صغيراً في إحدى المدارس الدينية في بيروت أثراً في ذلك.
رغم التفصيل الشديد لهذا الكتاب / التحقيق، إلا أني لا أملك بعد تأييد لابيفيير في كل ما قال، ولا أعني بذلك موقفه من سمير جعجع الذي لا تروق لي روايته المسرحيّة جداً، ولا حديثه عن التعاون بين حزب الكتائب واسرائيل فهذا أمرٌ مفروغٌ منه ولولا مجزرة صبرا وشاتيلا لكفى. لكن السؤال عن مدى هذا التورط ولأي حدٍ أمكنها - أي اسرائيل - ولا يزال يمكنها تحريك القوات اللبنانية وفقاً لأجندتها الخاصة. هذا ما لا يمكنني الجزم به لضعف اطلاعي حول الأمر.
أخيراً يضعُ المؤلف هذه الأحداث وتدبيرها في إطارِ سياسةٍ أمريكيةٍ واسرائيلية تقومُ على ما يسميه بالـ"الاغتيال الهادف" أو استهداف شخصيات بعينها، إضافةً إلى سياسة الحرب الوقائية - التبرير الضعيف الذي تتذرّع به كلتا الحكومتين لشنّ حروبها على ما تدعوه بالإرهاب تحقيقاً لمصالحها.
بعيداً عن كل هذا، أدين للكتاب شخصياً لإلقائه الضوء على طبيعة العلاقات بين الأحزاب اللبنانية، وعلى وضعِ المسيحيين العرب الذين أصبحوا قضيةً منسيةً في خضم الصراعات الدولية خاصةً الأقباط في مصر والكلدانيين في العراق.
وحتّى لا يفهم البعض أني أناقض نفسي بإعطائه أربعَ نجماتٍ ثم انتقاده في هذه المراجعة، ما زلتُ معجبةً جداً بالكتاب وبالجهد الذي بذله المؤلف الصحفي في تحقيقه الذي شمله وعرضه بهذه الجرأة، كما تعجبني قوته في الدفاع عن قضيةٍ تبناها. لكنّي دائماً أقفُ متوجسةً من الانحياز التامّ والمطلق لأي صفّ وأشعر أن ثمةَ أموراً لم تُقَل.
ربما ما يميز كتاب مجزرة أهدن الطبيعة التوثيقية التي جمعها الكاتب من خلال مقابلة أغلب المشاركين في الدفاع عن منطقة أهدن بشهادات من شاركوا اثناء هجوم القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع على منزل طوني فرنجية نجل الرئيس اللبناني سليمان فرنجية و رئيس تيار المردة أحدى المجموعات التي شكلت رفقة الكتائب و النمور الجبهة المسيحية المشتركة لقتا الفلسطنيين في حرب السنتين. كما حاول الكاتب دراسة خلفيات هذا الهجوم الذي ادى لوقوع مجزرة اسفرت عن مقتل طوني فرنجية وزوجته و ابنته وواحد وثلاثين شخصا من أهالي زغرتا و سببت أول شقاق ماروني بين المسيحيين في لبنان . الطرح الجديد الذي حمله الكتاب محاولة ربط الكاتب بين مجزرة أهدن و خطابات بن غوريون رئيس وزراء الكيان الصهيوني حول ضرورة انشاء نموذج لدولة مسيحية في لبنان لتبرير وجود اسرائيل حسب الكاتب ..مشيرا الى أن طوني فرنجية كان يمثل عائقا أمام صعود حلفاء اسرائيل في لبنان . استحق هذا الكتاب نجمتين فقط بسبب عدم قدرة الكاتب على تحييد نفسه عن الميل لأحد.الطرفين فقد كان جليا وواضحا القارئ تأثر الكاتب و تعاطفه مع ضحايا المجزرة وهو أمر لا غضاضة فيه أن لم يؤثر على صاحب الكتاب في تحليل الأمور والمعطيات.
رّس ريشار لابيفيير اهتماماً كبيراً لمنطقة الشرق الأوسط وخاصة لفلسطين ولأوضاع المسيحيين في المشرق العربي. وفي هذا الكتاب الجديد «مذبحة أهدن» يعود بالقارئ إلى تاريخ 13 يونيو 1978 وإلى شمال لبنان، أي إلى ذلك اليوم الذي جرت فيه «مذبحة إهدن» التي ذهب ضحيتها نجل الرئيس اللبناني الأسبق وعائلته بشكل وحشي وبشع.
يقدم ريشار لابيفيير لمحة تاريخية عن التطورات التي شهدها لبنان خلال العقود الثلاثة الأخيرة حيث يتوقف عند بعض المحطات الرئيسية مثل اغتيال يشير الجميّل قبل أن يتم تنصيبه رسميا كرئيس للبنان، ومجزرة صبرا وشاتيلا حيث كان المؤلف يعمل آنذاك، كما يشير، مع قناة تلفزيونية سويسرية. ويحكي أن زميله «بيير باسكال روسّي» الذي كان قد رأى مجازر أخرى سابقا قد «أجهش في البكاء» يومذاك وفعل مثله المصوّر التلفزيوني المرافق له. ومن بين الأحداث الكبرى التي شهدها لبنان «مذبحة إهدن»، التي يرى فيها المؤلف تعبيرا عن «التنافر العميق بين قسم من مسيحيي لبنان يقولون بانتمائهم الكامل للعالم العربي والقسم الآخر الذي يزعم أن ينحدر من الفينيقيين وبالتالي لا يقاسم العالم العربي ـ الإسلامي ثقافته وتاريخه». هذا القسم «الفينيقي» اختار سياسيا، كما يشرح المؤلف، التحالف مع إسرائيل باعتبارها «رأس جسر للغرب المسيحي ـ اليهودي» و«للعالم الحر وقيمه الديمقراطية».
ونقرأ في وصف المذبحة أنه بتاريخ 13 يونيو 1978 في جبل شمال لبنان قامت وحدات مقاتلة من حزب الكتائب، اعتبارا من منتصف الليل بمحاصرة منطقة إهدن، معقل أسرة فرنجية.
وعند الساعة الرابعة صباحا بدأت «عملية الارز» التي ذهب ضحيتها النائب طوني فرنجية وزوجته فيرا وابنتهما ذات الثلاث سنوات و28 فردا من أبناء تلك القرية. ويحدد المؤلف القول أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، الموساد كان قد اخترع مفهوم «الاغتيال الهادف» عبر قتل قائد مسيحي لبناني معروف بعدائه لإسرائيل.
ويقدّم المؤلف في التحليلات المقدّمة مجموعة من البراهين على أن إسرائيل كانت هي «العقل المدبّر» لتلك العملية.
ويذكر ريشار لابيفيير أن الكثير كتبوا عن «مذبحة إهدن» ولكن دون الخوض بعيدا في الأسباب وفي البحث عن المسؤوليات.
ومن الملاحظ أن «قانون الصمت» هو الذي يسودز ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب القول انه «جرى التحضير لهذه المذبحة قبل فترة طويلة من وقوعها». بل ويذهب إلى حد القول أنها ليست بعيدة عن تفاعلات قوس الأزمات في الشرقين الأدنى والأوسط، وبهذا المعنى ليست بعيدة عن التوازنات العالمية و«كأن الظرف اللبناني يشتمل في إطاره على الظرف الإنساني كله».
ويشرح المؤلف كيف أن «مذبحة إهدن» تركت آثارها العميقة على أهل إهدن وجوارها، وأصبحت بمثابة «تاريخ فاصل» له ما قبله وما بعده حتى بالنسبة للأجيال التي وُلدت بعدها، وهي التي حدثت منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن.
وهو ينقل عن الكاتب «الزغرتاوي» جورج فرشخ قوله: «بعد ثلاثين سنة لا تزال تلك الليلة المأساوية بمثابة خط فاصل.
فأهل المنطقة، وحتى الأجيال المولودة بعد تلك الأحداث لا تزال تحدد نفسها سياسياً واجتماعياً وإنسانياً تبعاً لمذبحة إهدن».
ويستعرض ريشار لابيفيير «التحضير العسكري لعملية الارز» شهادة أحد القادة القدامى في جهاز استخبارات حزب الكتائب، كان قد التقى به في باريس بعد مفاوضات استمرت ستة أشهر وحرص على أن تبقى هويته مجهولة. إنه ينقل عنه تأكيده أن تلك «المجزرة» لم تكن نتيجة تطور مفاجئ في عملية طارئة ولكنها نتيجة عملية عسكرية جرى تحضيرها بفترة طويلة قبلها».
وتذهب في نفس الاتجاه شهادات عديدة أخرى يسوقها المؤلف. كما يشرح على مدى فصل كامل ما يسميه: «دسائس الموساد».
هنا أيضاً يروي المؤلف ما جرى أثناء العديد من لقاءاته مع عدد من الإسرائيليين وحيث كان القاسم الأكبر الذي يجمع بين أغلبيتهم هو «البحث عن المعلومات».
لكن بعيدا عن جميع التصريحات كما يقول ريشار لابيفيير لا تزال هناك «الحقيقة» الكاملة غائبة.
ويؤكد على ضرورة التنقيب في هذا الماضي، كي يمضي بالفعل ويفتح المجال أمام المستقبل. مع ذلك تبقى المصالحات عسيرة، كما جاء في عنوان فصل من الكتاب.
المؤلف في سطور
يترأس ريشار لابيفيير تحرير مجلة «الدفاع»، «ديفانس» الصادرة عن مركز الدراسات العليا للدفاع الوطني الفرنسي. وهو مؤلف العديد من الكتب في عدادها «الباكستان» و«التحوّل الكبير: من بغداد إلى بيروت» و«بيت لحم في فلسطين»؛هذا الكتاب الأخير بالاشتراك مع بول بيّان.