يعتقد البروفيسور أوليفر فالكون، العالِم المتخصِّص في علوم الصحراء، أن هناك أسراراً تتعلَّق بالصحراء وبالإنسان، أسراراً قد لا يستطيع اكتشافها أحد غيره. ومع ذلك، لم يكن متأكّداً إذا كان مستعدّاً لما ستؤول إليه أبحاثه في النهاية.
كانت بساتين إلينورا سيلفيا هي نقطة البداية بالنسبة لفالكون، فهي المكان المثالي لأبحاثه في مكافحة التصحّر؛ فبعدما عرف كل خبايا المكان، بما يحتويه من إخفاء لجثث أولئك الجنود العائدين من الحرب؛ قرر استخدام منصبه تحت ستار الصالح العام، فرأى أن كل جثَّة تُضاف إلى ذلك الكومبوست يمكن استخدامها والاستفادة منها كسماد عضوي، مما يُعيد الحياة إلى بساتين إلينورا، ويعالج خطر التصحُّر الذي يهدَّدها.
في هذه الرواية العلم والأخلاق نقيضان.. فما يعتبره البعض خيراً للبشرية، يعتبره الآخرون شراً، وهنا تطرح الرواية السؤال الأخلاقي: هل التقدم العلمي يبرّر الانحدار الأخلاقي؟
من أجواء الرواية نقرأ:
"بدا أن كل شيء في بساتين إلينورا سيلفيا كان يحمل أثقالاً لا يمكنها تحمُّلها، وكأنّ الأرض نفسها كانت تتنفَّس الذكريات المتجمِّدة. شعروا وكأنهم عثروا على جرح مفتوح، وأن محاولتهم لشفاء هذا الجرح قد تؤدِّي إلى تفاقم الآلام بدلاً من ضمورها، والذي وقف مشدوهاً أمام ما كان يبدو في البداية كجذوع أشجار، بدأ يدرك الحقيقة الرهيبة التي تتجلَّى أمامه. "هذه ليست جذوع... بل سيقان بشرية"، همس في نفسه وكأن الكلمات قد تكفَّلت بمهمّة الكشف عن السرِّ المدفون".
لماذا يُصر هذا العالم الأدبي على أن يبقي بعض الكُتاب في الظل، كأن الإبداع لا يكفي وحده ليشعل الأضواء؟ كم يؤلمني أن أرى أقلاما عبقرية تُهمش، ويطمر بريقها تحت ركام التجاهل، بينما يرفع على الأعناق من لا يملك من الكتابة سوى قشور ساذجة وعبارات مجوفة. لكنه زمن تحكمه التريندات والمحاباة، فالكتاب الحقيقيون يُمنعون من الصعود لأنهم لا يشبهون السوق… لأنهم لا يكتبون ليرضوا، بل يكتبون ليوقظوا. يُقصَون لأنهم لا يُجملون القبح. ولذلك تُصنع الهالات حول كتاب فارغين، تافهين، لا يملكون من الإبداع سوى غلاف براق وسطر ينسى بعد خمس دقائق… وشخصيا، أرى أن الكاتب هاشم واحد من كتاب الظل الكبار ليس لأنه خافت، بل لأنه اختار ربما التواري عن ضجيج الواجهة. وقد لا يُعجبه هذا الوصف، لكن الحقيقة أن نصه يستحق أن يصل إلى وعي القراء. وإذا كان هو اختار الصمت، فنحن كقراء نملك واجب كسر هذا الصمت: أن نُطلق نصه من الظل إلى العلن، لأن بعض الحروف خلقت لتسمع، لا لتُخفى
نبذة عن الرواية:
رواية تشبه الإنسان: معقدة، متداخلة، نابضة بالتناقض. في قلبها، بستان الينورا سيلفيا الذي يحتضر… فقد فتك به التصحر، وهنا يظهر العالم فالكون، لا كبطل تقليدي، بل كعاصفة، تدخله يُربك كل شيء… سيجعلك تتساءل: هل أنقذ الموقف، أم أنه أجرم بإسم العلم؟ وفي الخلفية، جنود يختفون واحدا تلو الآخر، كأن شيئا ما يبتلعهم في الظل. أما فلسطين… فهي حاضرة، لكن ليس كما تتوقع، ولا كما تروج لها الشاشات، لن تراها مرفوعة على الشعارات، بل مزروعة في التفاصيل، متخفية في الشقوق، تنبض من تحت النص كرمز لا يُقال بل يُكتشف. عليك أن تُجيد فك الشفرات لتفهم: أين ذُكرت؟ ولماذا بهذا الشكل؟ لأن فلسطين ليست مشهدا جاهزا…فهي أكبر من أن تُختزل، وأعمق من أن تُقال مباشرة. فاختزالها حماقة… وفهمها يتطلب أن تقرأ بين الحروف، لا فوقها. احذر… فالذي تحسبه قصة عن التصحر، قد يكون في داخله حريقك أنت.
تعليق عن الرواية:
أول ما فاجأني في هذا العمل، وأذهلني بحق، هو الطريقة النادرة التي أدرج بها هاشم القضايا البيئية داخل نسيج الرواية. فهو لم يتعامل مع الطبيعة كديكور، ولا كملف بيئي ثقيل يُدرج على استحياء بين الفصول… بل أحياها، جعلها تنبض. لقد قرأت أعمالا من قبل حاولت طرق هذه القضايا، لكنها كانت تُشبه نشرات رسمية صادرة عن جهات دولية: باردة، سطحية، بلا نبض. وهنا هاشم لم يقع في فخ التنظير. بل جعلنا نحس بعناصر الطبيعة وهي تختنق، نسمع الأشجار وهي تلفظ أنفاسها، نشعر بالعالم وهو يفقد ذاكرته الخضراء. أما ثاني ما انفجر في وجهي أثناء القراءة هو الاشتغال الرمزي الطاغي، ذلك النوع من الرمزية التي لا تُجمل الواقع بل تفضحه. فالتصحر في الرواية ليس مجرد جفاف فيزيائي يفتك بالبساتين، بل ينطلق أيضا إلى تصحر داخلي، ينهش في جذور الإنسان نفسه… يرمز لكل ما يذبل فينا: الهوية حين تُنسى، الحقيقة حين تُلوى، والذاكرة حين تُمحى. أما السيد فالكون، فهو ليس مجرد عالم، بل رمز حي للإنسان المتورط في تناقضه الأبدي. يقف على حافة ثلاثية خطيرة: الضمير، الانتقام، والحياد. هل يتدخل لأنه يريد إنقاذ البستان؟ أم لأنه يحمل جرحا يريد تسويته؟ وهل اختياره كان موقفا أخلاقيا… أم مجرد تخل أنيق قد يعرفه البعض باسم "الحياد"؟ أما جزئية الحضور الفلسطيني، فقد قرأت ذات مرة مراجعة قالت إن ظهوره في الرواية كان باهتا يكتنفه الغموض، لكنني، وبعيدا عن أي تطبيل، أرى أن الكاتب هاشم كان في قمة التوفيق باعتماده هذا الأسلوب الرمزي الماكر والمدروس بإعتقادي. هو لم يُدخل فلسطين من باب الشعارات، بل تركها تسكن النص كما تسكن الفلسطيني ذاكرته: صامتة، مختبئة في التفاصيل، موجعة دون ضجيج. هذا النوع من الحضور لا يُلتقط بسهولة، ولا يَظهر للقارئ الكسول. من سيشعر به حقا هو من عايش الحياة الفلسطينية بكل تعقيداتها، أو من يمتلك وعيا عميقا يُمكنه من فك شيفرات الرموز التي بثها الكاتب بخفة عبقرية. وما جعلني أرفع القبعة لهاشم، أنه تجنب فخ الاختزال الذي وقعت فيه الكثير من الأعمال. فهو لم يحول فلسطين إلى مشهد استهلاكي أو حالة سطحية، بل حافظ على عمقها وتعقيدها. ويكفي أن نشير إلى الفصل الأخير، حين سرد جرائم جنود الاحتلال دون أن يمنحهم أسماء… فقط أوصاف. وهذا في رأيي اختيار لاذع وواع: لأنه يعرف أن تلك الجرائم ليست فعلا فرديا، بل ممارسة عامة ممنهجة داخل جيش الاحتلال. ولأنه ربما لا يريد منح القاتل اعترافا ضمنيا لمجرد أنه امتلك اسما. كأنه يقول لنا: لا تستحقون أسماء، أنتم مجرد أدوات في ماكينة إبادة.