What do you think?
Rate this book


55 pages, Paperback
First published January 1, 1993
و كأن الأمر قد اشتمل على تواطؤ ضمنى
بغير اتفاق مسبق
بين المستشرقين من الخارج و المتزمتين من الداخل على ايقاع الظلم بشعبة من شعب الفن الاسلامى . فالمستشرقون قد تنبهوا بعقل المتعصب الى أن اثبات اباحة الفنون فى الاسلام يعني الاقرار الضمنى بالبعد الحضارى الراقي للاسلام ،
و هو الأمر الذى ما استشرقوا الا ليشوهوه و يصدوا عن الاقرار به
أنها جملة الاستلهامات العقيدية النابعة فى رؤية القيمة
ان المنع ليس مبدأ يقره الدين للاستطيقا الاسلاميه (الاستطيقا بالمعنى العام و بدون اسهاب للتفاصيل المملة هي الجماليات) ، بل انه مبدأ ترق و وسيلة تربوية أخلاقية للانتقال من المجسمات الى اللامجسمات - و فقا للرؤية الاسلامية فى ثنائية العالمين الروحي و المادى - فالفن الاسلامى فى صدر الاسلام قام بنفس الدور الذي قامت به الرياضيات عند افلاطون ، أي تدريب الذات على التجريد ، بمعنى أنه فى الصدر الأول من لاسلام كان هناك ضرورة ملحة للتدريب على المجردات
و ذلك لأن المفاهيم الجديدة التى أتى بها الدين الجديد مفاهيم ذات طابع تجريدى
و الواقع ان الكلمة العربية تحمل شحنات وجدانية خاصة بها و قدرة على استثارة الصور الخيالية و المعانى القيمية و هو مايتضح من خلال عبقرية الشعر الجاهلى ، و عندما نزل الوحي الاسلامي عربيا بث في الكلمة العربية اعجازا الهيا ، فتحولت الكلمات الى نوافذ تكشف المفاهيم الكامنة صورة ، ومعنا و خيالا ، فكلمة (الله جل جلاله) او (لا اله الا الله )او (ليس كمثله شئ) ليست كلمات تبعث معنى فحسب بل هي تكشف طريقا لا نهائيا للسير خلاله بواسطة الحدس مترقيا من اللفظ الى المعنى ، و من التجريد الى القيمة بحيث يكون شكل الكلمة الجمالى فى خدمة مضمونها الروحى
فن التصوير الهندسي التجريدي (الأرابيسك) - كما قلنا - امتداد او تشكيل بصري لفن الخط ، حيث انه يضم آلافا من المثلثات و المربعات و الدوائر و المخمسات و السداسيات و الثمنيات و كلها ملونة بألوان مختلفة و يتشابك و يتداخل أحدها فى الآخر ، وهو عمل يبهر العين بداية ، ثم مايلبث أن ينتقل العقل من شكل الى آخر مارا باللوحة من اقصاها الى اقصاها ، خابرا عند كل وقفة شئ من البهجة بادراك عنصر التوازى الناشئ عن الاشكال المتماثلة أي الناشئة عن الصيغ المتماثلة للمعانى المصدرية المتعددة الأشكال . و كان الهدف من هذه التكوينات الخطية و الشكلية خلوص الوعي الى الفكرة .. (الوحدة البانورامية) التى تنظم (الكثرة) و توجهها ، فتكون هذه الفكرة مدخلا لتأمل عميق ينقل الشعور من (الشكل الهندسي) الى (النظام الكونى) و من (التعدد) الظاهر الى (الوحدة الباطنة) و من ثم تكون لذة الاشباع الجمالى - فى فن التصوير الاسلامى -نتاجا للمعنى الروحى لا للشكل الحسي
على الرغم من التبادل التأثيري مع ما سبقه من فنون (أي ماسبق الفن الاسلامي) من حيث الاساليب التقنية او الموضوعات الا انه حينما كان يصور هذا الفن ، لم يكن يهتم بتحديد هوية الاشخاص ، بل كانت الشخوص لها طابع الزوال و العبور ، فليس ثمة الا وجه الله ، و لعل هذا يفسر عدم اهتمامهم (بالصور الشخصية) ، كذلك انصب اهتمامهم برسم السماء المرصعة بالنجوم و الطيور و الحيوان امعانا من الفنان المسلم في تمعن مخلوقات الله جميعها للكشف عن النظام الواحد الذي تصب فيه ، و ابراز ما تحتويه من قيم جمالية تنبثق مباشرة من جلال الله