يتناول هذا الكتاب مجموعة من المقالات، مبدؤها بمقالة في المصاحف ومنتهاها بمقالة في الصرع بين الوثنية والإسلام، وهذه المقالات كلها شاهد صدق على طول باع صاحبها في جميع علوم الإسلام، ومشاركته في الفنون سائر علماء الإسلام، وبراعة يترقرق خلالها مهارته البديعة، وحسن تصرفه في التعبيرات، والتنبيه على مقاصد الشرع بكلام إمام محقق خبير بما في الزوايا، بصير بما في الخبايا، حكيم متغلغل في غايات الدين ومبادئه وأصول الدين الأساسية ؛ عدة مقالات منها كلامية، وطائفة منها حديثية، وبعضها في التفسير والقراءات، وبعضها في الفقه وأصوله، كلها يرمي إلى غاية سامية في دين الإسلام، فيتحدث مثلاً في مقالته في الدين والفقه، وفي شرع الله في نظر المسلمين، وفي عدم استثناء الإمام من قوانين الشرع وأنه ليس لغير الله حق في التشريع، ومقالته في خطورة التسرع في الإفتاء ؛ فكل هذه المقالات تنبئ عن قيمة علمية وأفكار متينة، ومن ناحية أخرى عن غيره على صميم الدين وحفظ حوذة الإسلام وسياج الشريعة الغراء والصراحة بالحق والإجلال للأئمة المتبوعين، والسلف الصالح، مع ما يلمع من خلالها من تلك الثروة الهائلة العلمية التي تفرد بها الشيخ المؤلف .
درس الفقه الإسلامي في جامع الفاتح بالآستانة ثم أصبح مًدرِّسا فيه ثم أصبح رئيسا للمدرسين فيه وعُيِّن وكيلا للمشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية الا انه اضطر للهجرة إلى مصر بعد استيلاء كمال اتاتورك على الحكم، حيث استقر فيها عام 1922 م فعيّن موظفا في دار المحفوظات المصرية لترجمة الكتب والوثائق التركية. كان الشيخ الكوثري من نشطاء الشراكسة القوميّين في استانبول حيث كان من مؤسِّسي جمعية التعاون الشركسية عام 1908 م في استانبول .
له مؤلفات دينية كثيرة قد تزيد على خمسين مؤلفاً ومنها: (الإشفاق على احكام الطلاق) (تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة ابي حنيفة من الأكاذيب) ورسالة (إحقاق الحق وإبطال الباطل) و(مُغيث الخلق في ترجيح القول الحق) ورسائل في سير وتراجم كل من الإمام زُفز، ابي يوسف القاضي، محمد الشيباني، البدر العيني، الحسن بن زياد، محمد بن شجاع والطحاوي. وله كتاب (التعليقات المهمة على شروط الأئمّة) وتخريج كتاب (التبصرة في الدين)، وتكملة كتاب (السيف الصقيل) للسبكي والعشرات من المقالات المختلفة في المجلات والصحف العربية.
كان مرجِعا في الحديث النبوي الشريف ورِِجاله وحُجّة في المراجع والمكتبات العامة والخاصة في العالم العربي والإسلامي. صحّح الجزء الخاص عن الشراكسة في دائرة المعارف الإسلامية وعلّق عليه وشارك الاستاذ حسن قاسم في كتابة الجزء الخاص بالشراكسة في مؤلفه الكبير ( المزارات والآثار الإسلامية في مصر والقاهرة). وضع رسالة مُطوّلة تبحث في تاريخ الشراكسة في مصر وهي ما تزال مخطوطة متداولة بانتظار النشر، وفيها تفنيد للكثير من المُغالطات والتجنِّيات التاريخية بشأن دولة السلاطين الشراكسة في مصر.
كتاب جيد .. لكني لم أرَ فيه الشيخ الكوثري في قمة تألقه ..! قد يكون السبب هو أنها مقالات معظمها كانت في الصحف ..! وبعض القضايا لم يسهب فيها واكتفى بالإيجاز مثل قضية التوسل وقضية الصوت وغيرها ..!
في خاتمة الكتاب ترجمة للشيخ رحمه الله وقد غالى المترج له فيه جدا .. وذكر مخالفيهم بالأوصاف المستبشعة .. وجرح أئمة عظماء كابن تيمية وبن القيم متأثرا بشيخه الكوثري الذي لم يكن يميل إلى آرائهما .. لكن شتان بين عدل الكوثري وجور المترجم له ..!!
رضي الله عن الحبر العلامة، والمحدث المؤرخ الفهامة سيدي الشيخ زاهد الكوثري، فقد خالطت كلامه آلامه، وبان في ثنايا كتابه حسراته على ما ضاع من مجد الإسلام وعزة أهله.
هذا مع منهج في الإصلاح، ورؤية في التنقيح ملتزما في ذلك بما سارت عليه الأمة.
في هذا الكتاب ما يزيد عن مائة مقالة للعلامة المتكلم الأصولي المحدث النظار محمد زاهد الكوثري وكيل مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية العلية.
تتنوع المقالات ما بين بحوث حديثية يعرف من خلالها علو كعب الشيخ في مباحث الرجال، وبين بحوث فقهية تبين سعة اطلاع هذا المحقق،وبين نقد قوي للمدرسة التجديدية التي ضربت بنصوص الشرع عرض الحائط منطلقة من الواقع وجاعلة له حاكماً على الشرع. وفيها كذلك نقده لبوادر إحياء المنهج التجسيمي الهزيل التي تمثلت بنشر كتب من التراث تمثل أصرح صور المذهب من مثل "الرد على بشر المريسي" للدارمي، و"السنة" المنسوب لعبدالله بن أحمد بن حنبل. كما تجد في الكتاب تحقيقات للشيخ في مسائل كلامية وأصولية دقيقة تدفع المنصف للإقرار بالعلوم التي تختزن في هذا العٓلم. كما أن مسألة التحقيقات التاريخية والإشارة لنوادر الكتب من التراث الإسلامي والترجمة لأعلام مظلومين، كل هذا مما يطفح به الكتاب.
* هذا الإمام من العلماء الذين ظلموا في هذا العصر رغم جهودهم وسعة علمهم، ويكفي الباحث المنصف لمعرفة مدى علمه الاطلاع على كتبه وتعليقاته على الكتب التي أخرجها، ويمكن الرجوع لما كتبه الشيخ محمد أبو زهرة عنه أو الترجمة التي كتبها تلميذه أحمد خيري.
رحم الله العلامة زاهداً الكوثري ورفع منزلته على جهاده السياسي وجهاده العلمي في زمنه الصعب.