صدر حديثًا عن دار ميريت للنشر الطبعة الثالثة من رواية "ورود سامة لصقر"، للروائي أحمد زغلول الشيطي، والتي صدرت طبعتيها: الأولى ضمن العدد 54 من مجلة «أدب ونقد» فبراير 1990، والثانية من الهيئة العامة للكتاب عام 1993. وتعد هذه الطبعة الثالثة والتي تقع في 104 صفحات من القطع المتوسط، هي الطبعة الكاملة للرواية لتعرض طبعة الهيئة العامة للحذف في بعض الفصول، وبعد صدور الطبعة الأولى من الرواية عام 1990، خصصت لها مجلة أدب ونقد ملفا نقديا ورشحتها استبيانات1990، كأفضل رواية مصرية لهذا العام. وقد تناولها بالنقد والدراسة الكثير من النقاد المصريين والعرب. حيث وصفها الناقد السوري خليل الخليل بأنها " نقطة من أولى نقاط إضاءة رواية عقد التسعينيات في مصر". كما قال عنها الدكتور سيد البحراوي بأنها "فتحت الباب لرواية ما بعد نجيب محفوظ"، وقالت عن كاتبها الناقدة فريدة النقاش" رواية "ورود سامة لصقر" تدشن ميلاد روائي كبير في عمله الأول". وتبدأ الرواية بموت بطلها الشاب صقر عبد الواحد موتا ملغزا يشبه الانتحار يوم 8 أغسطس 1984، وهو مثقف وشاعر فقد الإيمان بجدوى الشعارات ودعوات التغير المطروحة حيث يراها زائفة، ويبدأ السارد بعد ذلك البحث عن صقر من خلال موته والبحث في موته من خلال صديقه يحيى خلف، وحبيبته البرجوازية ناهد بدر، وشقيقته تحية عبد الواحد، وتظل حكاية الموت لغزا طوال أحداث الرواية.
أحمد زغلول الشيطى روائي مصرى معاصر، لفت إليه الأنظار بشدة بعد صدور روايته الهامة " ورود سامة لصقر" الصادرة في القاهرة فبراير 1990 والتي استقبلتها الأوساط الأدبية في مصر وخارجها بحفاوة بالغة.
هو واحد من ابرز الذين بدأوا الكتابة فى الثمانينات و الذين تحمل كتابتهم،برغم انتمائها الى تيار الحساسيه الجديده الرئيسى ، مذاقها الفريد ، و نكهتها المتميزة .
ولد فى دمياط فى 10 فبراير عام 1961 لأسرة يعمل معظم أفرادها فى حرفة صناعة الأثاث التى تشتهر بها هذه المدينة. و تلقى تعليمة الأبتدائى و الأعدادى و الثانوى بها ثم انتقل إلى القاهرة فى أواخر السبعينات ليواصل دراستة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ، و تخرج منها فى مايو عام 1983 ، و طوال سنوات دراستة بمراحلها المختلفة
بدأ أحمد زغلول الشيطى الكتابة منذ وقت مبكر ، و لم يتمكن من نشر أولى أقاصيصة إلا فى عام 1985 ، أى بعد تخرجه من الجامعة و ممارسته لمهنة المحاماة .
تتابعت أقاصيصة بعد ذلك فى كثير من الصحف و المجلات المصرية من ( المساء) و ( الأهالى) إلى ( أدب و نقد ) و ( القاهرة) و ( الموقف العربى ) و ( الأنسان و التطور ) و غيرها . و قد كشف هذة الأقاصيص المتناثرة عن موهبة حقة ، و عن مذاق فنى تتجلى ملامحه فى أعماله خاصة" ورود سامه لصقر " . لانها تنطوى على مايمكن تسميته بمذاق روايه الثمانينات، فهى روايه طالعه من قلب احباطات الثمانينات ، ومن ركام سنوات السبعينات المبهظه التى تقتل كل امل فى التمرد،وتغلق كل سبل الخلاص الممكن امام بنيها.
وللشيطى بخلاف الرواية كتابيين آخرين "شتاء داخلي" قصص صدرت في القاهرة عن سلسلة مختارات فصول1991
و" عرائس من ورق " 1994عن دار شرقيات للنشر
من ابرز من تناول الشيطى بالنقد ادوار الخراط ، صبري حافظ، سيد البحراوى ،سيد حامد النساج، عبد الرحمن ابوعوف، رمضان بسطاويسى، سيد الوكيل، محمود عبد الوهاب ، خليل الخليل ، فريدة النقاش وآخرين.
كما قدمت عنه ورقة بحث اعتمدت الدراسة المقارنة بينه و بين الكاتب الايرلندى جيمس جويس خلال المؤتمر الذي انعقد بجامعة القاهرة في نوفمبر 2008 وقد عنونت الدراسة : التوقيع وصحة التوقيع، قراءة لجيمس جويس واحمد زغلول الشيطى.
كنا قد شاهدنا في أواخر العام الماضي فيلم "ورد مسموم" للمخرج أحمد فوزى صالح، والمُقتبس عن رواية "ورود سامة لصقر" للأديب المصري أحمد زغلول الشيطي. وأما وقد أتيحَت لنا فرصة قراءة الأصل الروائي بعد أن شجع صدور الفيلم على إعادة طبع الرواية، وصدرت الطبعة الجديدة بالفعل عن دار المرايا في معرض الكتاب الفائت.. فبإمكاننا الآن التأمل فيما قد طرأ على مضمون النص الأدبي من تحولات لا تقتصر على المتطلبات التقليدية للنقل من الوسيط المقروء للوسيط المرئي والمسموع، ولكن بالأساس تحولات منبثقة عن المسافة الزمنية ما بين توقيت صدور الرواية (١٩٩٠) وتوقيت عرض الفيلم (٢٠١٨)، والتي تصل إلى ما يقرب من الثلاثة عقود.
من جمع بين قراءة الرواية -أو النوڨيلا بمعنى أصح- ومشاهدة الفيلم المأخوذ عنها، سيُصدَم بالتأكيد من القدر الهائل من التحرر الذي مارسه السيناريست والمخرج أحمد فوزى صالح في التعامل مع الأصل الأدبي، لدرجة الاكتفاء باستلهام أجواء البيئة المُكانية الخانقة بالرواية، وجزئية جانبية فحسب من العلاقة بين بطليه صقر وشقيقته تحية، وإغفال كل شئ آخر (!). الأحداث والأبنية والشخصيات والمُعالجة، كلها عناصر طالتها يد التعديل. حتى لُب الأزمة الرئيسية وهو "الفقر" اعتراه التغيير.
الرواية بطبيعة الحال تنتمي لشخصية وثقافة وزمان مؤلفها. والشيطي مؤلف "ورود سامة لصقر" من مواليد ١٩٦١ وانتقل من مسقط رأسه بدمياط إلى القاهرة لدراسة الحقوق أواخر السبعينات إبان حالة من الغليان ضد سياسات أنور السادات، وكان اليسار في مقدمة المشهد بأفكاره وشعاراته وغضبه من الانقلاب الساداتي على خط جمال عبد الناصر. مرثية التجربة الناصرية والتي تحولت لملمح رئيسي متكرر في أغلب إن لم يكن جميع التجارب الأدبية لكُتاب هذا الجيل ممن عاصروا الفترة الناصرية، امتد تأثيرها إلى كتابات الجيل التالي الذي تفتح وعيه على الانقلاب الساداتي، فانتصرت هذه الكتابات لما يمكن وصفه بالرواية التاريخية الكلاسيكية لذلك العهد والتي كُتِبَت بأقلام المثقفين والفنانين اليساريين، وانحازت للناصرية التاريخية ودأبت على شيطنة العهد التالي لها رغم أن بعض كُتابها كانوا مِمَن سُجِنوا وعذبوا وأوذوا بأيدي السلطة في العهد الناصري.
هذه الرواية -أو الرؤية- الكلاسيكية للمرحلة كانت بمثابة إطار عام لأهداف تراوحت بين الرثاء للذات والتأمل ومحاولة الفهم والتحليل والمُحاسبة وتوجيه سهام النقد للناصرية أو لخصومها وفقاً لموقع الروائي أو القاص أو الشاعر أو السيناريست، وذلك من خلال تتبع نموذج بطل مثقف مهزوم يسبح في فضاءات إحباطاته متعددة المستويات، يعاني من الغربة وسط مجتمع غير ملتفت لقدر انكساراته وتشوهاته في خضم سعار الانفتاح.
صقر عبد الواحد بطل الرواية هو تنويعة أخرى على نفس البطل المثقف المكسور بانكسار التجربة الناصرية. اختار الشيطي له ألا يكون مؤدلجاً، بل على العكس أكد في أكثر من موضع على وجود مسافة صريحة بينه وبين أيديولوچيا اليسار التي يعتنقها يحيى صديقه المثقف. يحمل مشاعر مركبة إزاء التجربة الناصرية تجمع بين الانتماء والنقمة في آنٍ واحد، تلخصها صيحته في وجه يحيى: "أمي ريفية فقيرة، أبي من حثالات المدن. لأن رجلاً عسكرياً حالماً أو مجنوناً حكم مصر، لم أصبح عربجياً أو نشالاً أو حتى صبي حلاق. تركنا الرجل نتشعلق في حبال الهواء ورحل. ماذا نفعل؟"
فصقر هنا هو الإفراز الشعبي النقي للتجربة الناصرية من دون أية شوائب أيديولوچية. شاب قادم من قاع قاع المجتمع، أتاحت له التجربة تعليماً أطلق ملكاته وجعل منه مثقفاً وشاعراً، ولكنه في تفاعله مع هذه المُكتسبات افتقر إلى البوصلة والهدف، واكتفى بالانخراط في مغامرات عاطفية تغذيها أزمته الطبقية "ماذا تريد مني؟ لست شيوعياً. ليتني كنت شيوعياً. لم أستطع أن أكون غير حالم يقع في حب البورجوازيات". والبورجوازية هنا هى ناهد بدر، طالبة الجامعة الأمريكية الحسناء، ابنة المستشار الذي يرى أن عبد الناصر دمر البلد. تستجيب لرغبة صقر جسدياً وتذوب في فيض ذكورته رغم أنها تحتقره ومتصالحة مع حقيقة أنها لا يمكن أن تبادله حباً بحب.
الأحداث تدور بعد انقطاع التجربة الناصرية بهزيمتها التاريخية في يونيو ٦٧ ثم وفاة صاحبها. - هذا الرجل قتلني. قتلني ومع ذلك أحبه. نحن شعب يعشق قاتليه. ذبحنا الرجل برحيله المتسرع. ما كان ينبغي أن يرحل. - كان يجب أن يختفي. كان محتماً عليه لو عاش أن يسير في سكة هبوط. - طظ في التاريخ.
فالرواية إذن يمكن قراءتها باعتبارها مرثية للمرحلة الناصرية كتجربة غير مُكتملة من منظور مُركَب يجمع بين التعاطف معها والانحياز لنُبل دوافعها وبين التشكك في امتلاكها لعوامل النجاح من الأساس لأسباب لا تتوقف عند يونيو ٦٧ لأن الأزمات التي واجهتها كانت أكثر عمقاً وتشابكاً من تحديات الاستعمار والإقطاع إلخ. تحديات مصدرها طبيعة المُكوِن البشري الذي راهنت عليه التجربة، والذي لم يحقق لها المردود الذي استهدفته، وميكانيزمات الرهان نفسه من جانب السلطة الناصرية. فصقر عبد الواحد هو النتاج الخام للتجربة "لا يصلح إلا شاعراً أو شحاذاً" ولم يستطع أن يكون غير "حالم يقع في حب البورجوازيات".. لذا هو في الميزان يساوي صفراً بالمُقارنة بصديقه يحيى الذي أنقذه اعتناقه للأيديولوچيا من هذا المصير، وجعل منه فاعلاً و"حقيقياً" على حد تعبير صقر، يشتبك مع الواقع والأحداث والمجتمع والتاريخ. ومع سقوط المظلة الناصرية بانهيار التجربة انكشف خواء صقر ولم يعد أمامه إلا انتظار تحقق كابوسه المزمن بتجسد ذو القناع الخزفي من قلب العفن والتراب والحر الخانق ليقدم له باقة من الورود المسمومة تنهي حياته.
مما تبين لي من بين سطور الحوارات الصحفية التي أجريت مع الشيطي مؤخراً بعد عرض فيلم "ورد مسموم" المُقتبس عن روايته، وحصوله على ٣ جوائز بمهرجان القاهرة الدولي السنيمائي، أنه -الشيطي- غير راض عن المعالجة الفيلمية التي اتخذها السيناريست والمخرج أحمد فوزي صالح لأحداث الرواية. إجاباته جاءت دبلوماسية، وأشار أكثر من مرة أنه لم يشاهد الفيلم ولكن استياءه كان واضحاً من تحرر المعالجة من مكان وزمان ونصف شخوص الرواية وبالتالي من شبكة العلاقات التي تربطهم والتي عكست أوزان وأوضاع مجتمعية وطبقية لها دلالاتها المُدبرة.
في هذه المعالجة التي كنا قد توقفنا عندها بالعرض والتحليل في مراجعة فيلم "ورد مسموم" إبان عرضه قبل بضعة أشهر، انتقل أحمد فوزي صالح بالأحداث من دمياط وعالم النجارين والورش والأويما إلى عالمه الأثير بحي المدابغ القاهري، وسط العشوائيات وورش دباغة الجلود التي سبق وجسدها في فيلمه الوثائقي "جلد حي". هذه النقلة المكانية والتي قد تكون لأسباب إنتاجية بحتة لم تبتعد كثيراً عن مضمون الرواية رغم أن ورش دمياط ومصيف رأس البر جزء لا يتجزأ من خصوصية تجربة الشيطي التي ضخها في روايته فجعل من المكان بطلاً مُشاركاً في الأحداث، الأمر الذي يجعلنا نتصور حجم مرارته إزاء انتزاع ذاتيته الشخصية التي أودعها بالعمل. غير أن الابتعاد الحقيقي عن مضمون الرواية ارتبط بالتغير الذي طرأ على وعي وتفاعل الجيل الحالي مع الظرف الراهن على جميع المستويات. الجيل منقطع الصلة بالتجربة الناصرية وصراع الشرق والغرب والأيديولوچيات الكبيرة، إذ تفصله عنها فجوة زمنية تقترب من الثلاثة عقود من الجمود الداخلي والديناميكية الدولية باتجاه عالم يحكمه القطب الأوحد.
انعكست نتائج هذه التحولات البينية في الواقع على التحرر الكبير من مضمون الرواية والذي مارسه فوزي صالح في أفلمته لها. غابت مثلاً شخصية يحيى المثقف الاشتراكي صديق صقر، والذي انتهت به أحداث الرواية وقد سافر للعمل في قطر. يحيى هنا بالفيلم وفي اللحظة الراهنة لا وجود له من الأساس باعتباره كائن منقرض منتمي لزمنٍ قديم. صقر كذلك في الفيلم منقطع الصلة بنسخته الروائية، يتقاطع معها فقط في المعاناة تحت وطأة الظرف الاقتصادي الذي لا يرحم، غير أن استجابته له اختلفت كثيراً بفعل التحولات التي استعرضناها بعاليه. هذه الاستجابة لم تتوقف عند الظرف الاقتصادي فحسب وإنما امتدت واتسعت لتشمل نظرة هذا الفتى المحبط والمقهور للوطن وشكل ومفهوم تفاعله معه، وهو ما جسده في علاقة صقر بشقيقته تحية.
في الفيلم، ثمة ميل عاطفي ذي طابع حسي نافذ لا يخلو من الاشتهاء تشعر به تحية إزاء شقيقها صقر ويدفعها لمحاصرته ومطاردته لإجهاض محاولاته الحثيثة للفكاك من أسرها وأسر الحياة الخانقة التي يحياها بين ورش دباغة الجلود. هذا الميل المُحرم جسدته بصرياً تعبيرات وجه تحية (لعبت دورها مريهان مجدي بحساسية فائقة) ونظراتها المُختلسة إلى جسد شقيقها صقر أثناء استبدال ملابسه أو إلى ستارة الحمام أثناء استحمامه وراءها.. أو من خلال مواقف مختلفة بالسيناريو مثل مشهد توزيع أنصبة اللحم أثناء تناول الطعام، تُبين اعتناءها الشديد به والذي يتجاوز الحب الأخوي الطبيعي إلى حب زوجة لزوجها، الأمر الذي دفع إلى حيرة مُدبرة بذكاء ورهافة يجد المُشاهِد نفسه معها لفترة لا بأس بها من زمن الفيلم عاجزاً عن تمييز نوعية الرباط بين الاثنين. هل هُما زوجين أم شقيقين؟!
هل هذا الميل له جذور بالأصل الأدبي؟ بالواقع ثمة إشارات غائمة بالرواية في ثنايا العلاقة بين صقر وتحية، ليست بوضوح نظيراتها بالفيلم، ولكنها تدفع نحو تأويل لهذه العلاقة يتجاوز أيضاً النمط الطبيعي للعلاقة الأخوية إلى درجة أخرى من المشاعر. "بكى وقال: أنتِ أجمل البنات" "فتحت الراديو على أغنية نجاة.. حمل الزهور إليّ كيف أرده. وقفت بالباب أنظر إليه. قال: بحبك يا تحية. قلت: تتجوزني؟"
فدور تحية هنا في تأويلي الشخصي يتجاوز موقعها كأخت لصقر إلى كونها بمثابة تجسيد لكيان مفارق أقرب للوطن الأم، يرتبط به صقر بحالة متبادلة من الافتنان والعشق والعجز. فهى الأنثى المصرية التي اعتصرها الفقر فنزلت للعمل وتجاهد من أجل الحصول على الدبلوم. يمكن اعتبارها بمثابة إفراز شعبي آخر للتجربة الناصرية المجهضة. يتعذب صقر بحبه المسدود لها ويراها جديرة بشخصٍ حقيقي مثل صديقه يحيى: "يحيى إنسان وصديق وفي، وكمان اتخرج واشتغل في دمياط. مدرس انجليزي ممتاز" "نظر في عيني. قال: بتحبيه. قلت: انت فايق يا صقر. شدني من ذراعي. قال: بتحبيه. قلت: أيوه.. استريحت؟ سيب دراعي. قال: قوي. قلت: معرفش. قال: هقوله. قلت بسرعة: لأ يا صقر، لما آخد الدبلوم".
أما في الفيلم، فالانجذاب والذي يحمل طابعاً حسياً مُتجه من تحية إلى صقر واستتبع مطاردتها وحصارها له، قابله نفور واستياء واضحين من جهة صقر نفسه ومحاولات عديدة المستويات من طرفه للانفلات من هذا الحصار. هذا الفارق بين الرواية والفيلم في نسج العلاقة المُحمَلة بالترميز يعكس ��الضبط التغير الكبير الذي طرأ على طبيعة العلاقة بين الوطن وأبناءه خلال الثلاثين عام المُنصرمة. فالافتنان والحب المشوب بالعجز الذي شعر به صقر الرواية إزاء تحية أو الوطن (الأقرب لإيزيس كما شبهها الشيطي بإحدى الحوارات الصحفية) تحول هنا إلى رغبة جارفة في الهروب ومحاولات لا تنتهي للفكاك من الحصار الخانق الذي يفرضه الوطن الذي استشرى فيه الفقر والقبح والعشوائية. بصرياً، اعتنى الفيلم بربط تحية بالمكان، المجتمع، الحياة الرتيبة الشاقة الخانقة التي يرغب صقر في الانفلات من بين براثنها، وتتمسك هى به بكل الطرق. تطارده إذ يتنقل من عمل لعمل بين الورش والمصانع، تقطع الطرق يومياً جيئةً وذهاباً حاملة عمود الأكل الذي طبخته له. تحاول استرضاءه بمتع تافهة رخيصة كى تستبقيه إلى جوارها. قطعة زائدة تضيفها لمنابه من اللحم، خروجة إلى الملاهي، حذاء عمولة جديد تستصنعه له وتحرص على تغليفه بالأكياس والورق كيلا تلوثه الأوحال في الطرقات. تشتعل نار غيرتها حين تعلم أنه تعرف إلى فتاة فتختلس رقمها من هاتفه النقال أثناء نومه وتهاتفها لتبعدها عن طريقه، وتصل بها حمى الاستحواذ لذروتها حين تشي به لدى الشرطة كي تمنعه من محاولة الهجرة غير الشرعية إلى أوروپا على متن قارب بالرغم من أن هذه الوشاية ستودي به إلى السجن.
وفي لقطة عناقها له أثناء نزوله من عربة الترحيلات، اقتربت الكاميرا من أساريرها لتركز على ابتسامتها العريضة التي تحمل علامات ارتياح غامر لنجاح وشايتها في إعادته لحضنها، وهو ما يمكن اعتباره ذروة التوحد بين تحية والبلد، إذ وظفت أجهزتها التنفيذية (الشرطة) في إعادة الفتى الراغب في الهرب منها لبراح العالم الخارجي، الأمر الذي أكد الفيلم على أنه لا يمكن أن يستمر طويلاً، إذ سرعان ما غافلها الفتى واختفى في اللحظة التي تصورت أنها أحكمت قبضتها حوله وأغدقت عليه مِنحها الرخيصة لتشتري رضاءه بالواقع التعيس الذي لا تملك سواه.
وأما والحال كذلك، فليس من المستغرب إذن تحرر أحمد فوزي صالح من إطار مرثية التجربة الناصرية بالرواية، بل المُستغرب هو العكس (!) إذ أن التحولات الكبرى من صقر المكسور والمفتون بتحية إلى صقر الساخط والمختنق بحصار تحية والراغب في الفرار منها، يمكن اعتبارها خلاصة المآلات، والورد المسموم الحقيقي الذي طرحته تجربة حملت بذور هزيمتها وانكسارها في داخلها، ليسقط الكل من بعدها في دوامات لا تنتهي ولا أمل في الإفلات منها إلا بالهروب من حصارها وفقاً للحل الذي ارتآه فوزي صالح لأزمة صقر عبد الواحد بطل الشيطي المهزوم.
قال: كأن الاشياء ليست حقيقة، وكأن الكائنات مسوخ. قال: كأن كل الورود سامة وكل الحب مستحيل.. " قراءة لتانى مرة لكن المرة دى بالتزامن مع رواية صورة الفنان، فيه رابط بينهم كبير وأزمات الاتنين شبيهة.. ومش عارف دا انحياز ولا لأ بس انا حبيت رواية الشيطى اكتر الصراحة من رواية جويس
في مقدمة الأعمال الكاملة لفراس السواح كان يقول "إن النجاح الكبير الذي يلقهاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ويفرض عليه التزامات لا فكاك منها فهو إما ينتقل بعده إلى نجاح أكبر أو يسقط ويؤول إلى النسيان عندما لا يتجاوز نفسه في الكتاب الثاني" أظن أن هذه هي الورطة التي وقت فيها هذه الرواية _و أغلب الظن هي ما جعلت كاتبها مُقل_ وحصرت كاتبها عندها على الرغم من كتابته لأعمال لاحقة. البداية صقر عبد الواحد الحائر المتردد _المهوس الجنسي على قول ناهد_ اللامتنمي الساخط علي نفسه قبل أي شئ آخر الساخط على الطبيهة والفقر والطبقية والمقتول بورود سامة من يد خشبية، بيده الخشبية يحمل باقة ورود غريبة راح يُقدمها لي بعد الذبح. هذا الحلم الغريب هو أكثر ما أسرني في الرواية، لماذا يد خشبية بالذات؟ وما فائدة الورد في يد فقدت الإحساس؟ هذا ما حاولات تفسيره ربما أن هذه اليد تمثل الغنى من هذا الطريق، المعرض والعِشة في راس البر، ربما تمثل يد الأسطي رجب الكادحة ويده لكنها متجبرة تجبر الأغنياء. أما الوردة فهيا الحب الزائف الذي قدمته له ناهد أو أوهم نفسه به ولذلك هى مسمومة، صقر شخص خائب أو الأدق مشتت، أو كما قيل على لسان صديقه صقر الذي لم يستطع سوى أنا يكون حالم يقع في حب البرجوازيات، لكنه عنيف في حبه بل متوحش، ربما االفقر أكسبه هذه الصفة فطفق يسخط على الكل ويسخر من الغنى ومن تفاهاتهم لكنه ضعيف، ولعل من أفضل ما وُصف به صقر نفسه ووصف ما أُحيط به "نحن صغار يا يحي"وسقط فوق الرصيف أنكفأ على وجهه ومن فوقه كانت العمائر العالية كأشباح بدائية. هذا الضعف والصغر والشعور بالقِلة هى ما جعلته يترحم علي الزعيم ويحزن على موته قائلاً هذا الرجل قتلني ومع ذلك أُحبه _هذا ليس موقف صقر وحده بل كان موقف عديد من المثقفين الذين كانوا في سجونه وحزنوا لموته_ الممتع في شخصية صقر أنها ليست مظلومة أو ضحية على طول الخط كا بطل ترمي بشرر، فقد منح نفسه الأمل الأخروي ولو عن طريق تصور بسيط ربما ليجد لنفسه مُتَنَفَس عن ما عناه في هذه الحياة ضحك ضحكة حزينة حين أموت رغم أني لم أعش كما ينبغي، سيكون هناك شئ باق، عزاء أخير نور الله "إنني إذ أموت أتوحد بهذا النور العالي المنبعث من وجه الله. أما يحي فكان بمثابة الملجاء والملاذ الصديق والـأخ المثقف الثائر رغم صلة القربى هذه إلا أنه يُصرح أنه لم يعرفه _ الآن... أسأل نفسي هل عرفت صقر حقاً؟ وهل كان موته محتماً. هل سكت قلبه فجأة كما قال الطبيب أشك أني عرفت صقر أو أن أحداً عرفه في عزلته المقيتة ووزمنه الدائري وفي الحصار الذي أوقع نفيه فيه ..في هروبه المبكر إلى كهوفه الداخلية .. هل عرفت صقر. يحي الثائر المتحدث عن خيانة المثقفين، أخو المبتور _الذي منوا عليه بعمل في المراحيض جزاء لتضحياته ربما سخرية و استهانة بأبناء ثقب الأرض بتعبير محسن الرملي_ فتحي يحي الذي ربما لم يتحمل الصدمة ربما الصدمة الطاحنة التي ستلحق بالفقراء أمثاله فهرب إلى بلدة من بلاد النفط للعمل لتضيع أحلام تغير العالم والمطالبة بالعيش والحرية لتتحطم الآمال. لننتقل للأنثي التي قتلت صقر _بتعبير_يحي الصديق_ ربما هي الأخرى ضحية عدم العدل وانتفاء المساواة مما جعلها محطمة بين الرغبة وبين تبرير غنى أبوها وبالتالي طبقتها، ربما لا تملك التعاطف معاه وربما تلتمس لها العذر فهيا ليست من قررت المصير، لكنها لم تحبه، وعالم الحالم هو الذي قضى عليه. أما الأخت فهى أيضاً ضائعة بين حب ليحي لا يعلمه وحب لأخ ضائع حائر وعمل كادح لدى أصحاب محلات الحلويات وفي بيوتهم ضحية هى الآخرى. أ.هـ أن يكون هذا العمل هو إفتتاحية العام من الأعمال الأدبية على صغر حجمة إلا أن الكاتب كثف المعاني بشكل عبقري لا يجعلك تمل في نقلاته بين الشخصيات حتى وإن لم يعطك فرصة لتعرف الشخصية الهذا التنقل السلس هو أكثر ما ميز العمل بالإضافة إلى الإختصار اللغوي مع عدم الإخلال، ربما العيب الوحيد في العمل _ من وجهة نظري_ هو تكرار كان في مواضع متقاربة. لكن في النهاية عمل جيد مُحمس لتكرار التجربة مع الأستاذ الشيطي.
1 هل أخطأ عبد الناصر في حق المصريين؟ تظل الحقبة الناصرية هي الاكثر جدلا في حياة المصريين الحديثة، بين مؤيد ومعارض لناصر، بين الاحتفاء المغالي بالإنجازات، وبين التحقير المتشفي من الخسائر والانهزامات. من المؤكد أن ناصر له محاسن مختلفة، ومساويء عديدة، لكن هل ندرك ماهو أكبر جرم ارتكبه ناصر في حقنا؟ قد يكون جرمه الأكبر هو الحلم.. أنه باع الحلم للمصريين فطاروا معه إلى سابع سماء بلا أجنحة، وعند السقوط دوت رقابهم منكسرة ومهانة...
2 صقر عبد الواحد هو بطل الورد المسموم، والورد المسموم هو الأحلام الصغيرة التي توهم صاحبها بحياة رغيدة لكنها لا تتحقق أبدا. كذلك كانت حياة صقر، ابن العربجي الذي يحيا في عشة بين ورش الخشب في دمياط، والذي بمصادفة الثورة البحتة، يجد نفسه بين أروقة الجامعة، وشاعرا سياسيا غير مؤدلج. يمرر الكاتب أمد الشيطي جزءا من حياته بين حياة صقر، ليحاكم من خلاله تجربة ناصر، لكنه لا يحاكم أي شيء مما حاكمه كل كتاب جيله، من الإنجازات المادية والهزائم الحربية والتنكيل بالمعارضة وغيرها، بل يحاكم الجزء الأكثر معنوية في تجربة ناصر، الحلم الذي لا يمكن تحقيقه. يقول صقر عبد الواحد عن ناصر: "هذا الرجل قتلني.. هذا الرجل قتلنا، عندما باع لنا الحلم.. ونحن شعب نحب قاتليه".
3 في حياة صقر علاقتي حب مرتبكتين، قد يمثلان الوطن ببعض التأويل، علاقته بأخته تحية، وعلاقته بزميلته ناهد. مع تحية أخته، تحتمل العلاقة تأويلا أكبر من علاقة الأخوة لكن الكاتب لا يصرح بشيء، المهم أن تحية لا تريده أن يبتعد عن البيت، ولا يغادر لأي مكان أبدا، أما ناهد زميلته، فهي بنت مستشار من اعيان البلد بعد ثورة يوليو، تحبه ولكنها تمقته، يجري صقر وراءها لكنها لا تلتفت إليه أبدا، مع تحية كان الوطن قديما وباليا لا يريدك أن تغادره لكنك لا تطيق الارتباط به، ومع ناهد أصبح الوطن حلما بعيدا تجري وراءه ولا تناله أبدا.
4 يعتمد الشيطي على تكنيك الأصوات المتعددة، وصنع ذلك جيدا، لكن السرد كان متوسطا، بل وأقل من المتوسط في عديد من الصفحات، مع استعمال كان بصورة مبالغ فيها مما يفقد القراءة حيويتها وليونتها، في المجمل هذه رواية جيدة نوعا ما.
" بالأمس، جلس أمام الورق، بيده القلم، كتب أن الحب مستحيل، وأن الأيدي الخشبية تحاصره. في الصباح، فتحوا الباب، وجدوه أزرق وصلبا، ورغوة تسيل من فمه، وفوق صدره باقة ورود، انطبقت عليها يده، وتحت الأوراق، امتدت قامة صقر عبد الواحد..نفس القامة التي جعلت جده لأبيه يقول ذات مرة متندرا: صقر يتعرش عليه بيت"
هذه بداية الرواية، بداية ولا في الأحلام، رواية مميزة ومبهرة، تعلق في الذاكرة بكل تأكيد، مع شعور وقرار أثناء القراءة أنك ستحتاج لقراءتها مرة أخرى، لأن هذا القدر من الجمال لا يمكن نيله دفعة واحدة، براعة لغوية عالية وألعاب سردية متنوعة، من تعدد الرواة إلى تجميد اللحظة الراهنة وتمددها إلى حيث يتحمل السرد مع خلق حالة من الهذيان، وكل هذا يحدث بخفة ورشاقة لا تشعرك بثقل أثناء القراءة، وددت لو كانت أطول، لو تبحر أكثر، لكن كان قرار الكاتب التكثيف منذ اللحظة الأولى، وهو خيار نجح فيه ببراعة.
هيكل الرواية مثير للأهتمام (يقدم أربع أشخاص وجهات نظرهم الخاصة لموت أحد منهم) ولكني أحس أن هذا الإطار قد كان أقوى لو ما شمل وجهة نظر الشخصية التي يموت. شمول وجهة نظر هذه تقلل الغموض.
مع ذلك، توفر الرواية أفكار مهتمة في العلاقة بين الطبقات الاجتماعية وملامح البرجوازية (أشخاص البرجوازية، تلمح الروية، يملكوا قدرة على المشاركة بحركات اجتماعية والحصول على براق/سمعة الذي ينتج عن هذه المشاركة).