▪︎(وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ)
صبروا .. لا تحرجاً من أن يقول الناس: جزعوا.
ولا تجملاً ليقول الناس: صبروا.
ولا رجاء في نفع من وراء الصبر.
ولا دفعاً لضر يأتي به الجزع.
ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله، والصبر على نعمته وبلواه. صبر التسليم لقضاءه، والاستسلام لمشيئته، والرضى والاقتناع
▪︎ (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)
هكذا ينزغ الشيطان، وهكذا يسول للنفوس عندما تغضب وتفقد زمامها وتفقد صحة تقديرها للأشياء والأحداث، وهكذا لمَّا غلا في صدورهم الحقد برز الشيطان ليقول لهم: اقتلوه .. والتوبة بعد ذلك تُصلح ما فات!
وليست التوبة هكذا، إنما تكون التوبة من الخطيئة التي يندفع إليها المرء غافلاً جاهلاً غير ذاكر، حتى إذا تذكر ندم وجاشت نفسه بالتوبة، أما التوبة الجاهزة، التوبة التي تُعد سلفاً قبل ارتكاب الجريمة لازالة معالم الجريمة فليست بالتوبة، إنما هي تبرير لارتكاب الجريمة يُزينه الشيطان!
▪︎(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)
إن النظر في آثار الغابرين يهز القلوب، حتى قلوب المتجبرين، ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم وتصورهم أحياء يروحون في هذه الأمكنة ويجيئون، يخافون ويرجون، يطمعون ويتطلعون، ثم إذا هم ساكنون لا حس ولا حركة، آثارهم خاوية، طواهم الفناء وانطوت معهم مشاعرهم وعوالمهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم ودنياهم الماثله للعيان والمستكنة في الضمائر والمشاعر ..
إن هذه التأملات لتهز القلب البشري هزة مهما يكن جاسياً غافلاً قاسياً، ومن ثمَّ يأخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين.
▪︎ (إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)
فالله يهدي من ينيبون إليه، فالإنابة إلى الله هي التي جعلتهم أهلاً لهداه. والمفهوم إذن أن الذين لا يُنيبون هم الذين يستأهلون الضلال فيضلهم الله.
فهو استعداد القلب للهدى وسعيه إليه وطلبه، أما القلوب التي لا تتحرك إليه فالهدى عنها بعيد.
▪︎ (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)
القرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا، وهي مبالغة في التحرز، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة، فالتحرز من المقاربة أضمن، فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان.
▪︎ (وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)
والابتلاء ألوان، ابتلاء للصبر، وابتلاء للشكر، وابتلاء للأجر، وابتلاء للتوجيه، وابتلاء للتأديب، وابتلاء للتمحيص، وابتلاء للتقويم.
▪︎ (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)
تجسيم لوسائل الغواية والاحاطة والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول، فهي المعركة الصاخبة تستخدم فيها الأصوات والخيل والرجل على طريقة المعارك والمبارزات، يُرسل فيها الصوت فيزعج الخصوم، ويخرجهم من مراكزهم الحصينة أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة، فإذا اُستدرجوا إلى العراء أخذتهم الخيل وأحاطت بهم الرجال!
》المجلد يشمل تفسير السور:
من سورة هود وحتى سورة النور.