التفكيك استراتيجية بلا حدود..بلا ضفاف..ليس استراتيجية منغلقة على نفسها تأخذ المرء و النص إلى مجرد التأمل المنعزل و الاستغراق فى الذات: ذات المرء، أو ذات النص، أو ذات النسق: و المقالات الأربعة التى يضمها هذا الكتاب يرد بعضها على بعض بما يؤكد اكتشافات أخرى تجعل من الغموض قيمة معرفية جديدة.
الكتاب عبارة عن ترجمة يقدمها الباحث الأكاديمي (حسام نايل) لأربعة مقالات عن التفكيك كتبها مايكل رايان وجوناثان كللر وريتشارد رورتي وكريسوتفر نوريس .. مشكلة الكتاب وأحد مباعث تميزه في ذات الآن هي إحالته لعشارت من الكتب والنصوص الفلسفية تمتد بطول التاريخ من أفلاطون إلى الحقبة الأولى من الألف الثالثة ..! المترجم تكفّل بتقديم بعض الشروح والهوامش والتعليقات التي أراها هامة ،خصوصأ فيما يتعلق بقابلية أو عدم قابلية الأرضية الدينية في العالم الإسلاميّ وفي أوربّا لتلقّي استراتيجية التفكيك ، وهذا من ناحية بساطة اللاهوت الإسلامي المتمركز حول التوحيد الصارم الذي يجعل الإنسان المنتمي إلى هذه الأرضية الدينية أقل تقبُّلاً لمنطق عدم التأكد الحاضر طيلة الوقت في القراءات التفكيكية والتي تجعل الحقيقةَ قابلةً للعد والتجزؤ وليست واحدةً مطلقة ، بعكس أرضية اللاهوت التثليثي في العالم الأوزربي .. أراها إضاءةً جديرةً بالالتفات .. ينتقد مايكل رايان في المقال الأول عدمَ تبلور رؤية سياسية مكتملة في صلب استراتيجية التفكيك رغم وجود ما يبرر هذه الرؤية في القراءة التفكيكية من حيث هي يسارٌ بالنسبةِ لسائر التراث الفلسفي الاسبق عليها .. ويحاول ريتشارد رورتي بيان الحركية التاريخية التي أدّت بالتفكيك الفلسفي إلى أن يكوِّنَ عمادَ حركةٍ نقديةٍ في أمريكا في سبعينيات وثمانينات القرن العشرين ، ولذا لا نصطدم خلالَ الكتابِ بدورِ (پول دي مان) بكثافةٍ إلا في مقال (رورتي) .. أمّا جوناثان كللر وكريستوفر نوريس فهما مستغرقان في اشتباكات (دريدا) مع ميراث الميتافيزيقا الغربية (المتمركزة لوغوسيًّا) كما يشيرُ إليها (دريدا) .. يبدو (دريدا) من خلال الكتاب نهايةً للفلسفةِ كما بدا (هيغل) في مرحلته التاريخية نهايةً لها .. حاول (هيغل) أن يضفِّرَ المعرفةَ في كُلٍّ ديالكتيكيٍّ يفضي إلى حضور العقل المطلق إلى ذاته في نهاية التاريخ ، كما انتقد (دريدا) مفهومَ الحقيقة في الفكر الغربي كله من أفلاطون إلى (هايدجر) ، وحتى (فوكو) من منطلَقِ أنَّ الأخيرَ ادّعى في (تاريخ الجنون) أنَّهُ سيسائلُ مفهومَ العقل وسلطتَهُ في حيادٍ ثُمَّ استعانَ رغمًا عنه بلغةٍ تتبناها المرجعيات العقلية التي انتقدَها ، فكان مشروعُهُ - من وجهة نظر دريدا - قمينًا بتفكيك ذاته .. من النقاط الجديرة بالاهتمام الاقتباسات الواردة من كتاب (سوزان هاندلمان) (قتلة موسى) والتي تتتبّع تأثيراتِ الإرث الديني اليهودي عند (فرويد) و(دريدا) ، حيث تدّعي (هاندلمان) أنَّ المكانةَ التي حظيت بها الكتابةُ في التراث اليهودي (من حيثُ أنَّ شروحات الربانيين على النصوص المقدسة تتحول تدريجيًّا إلى نصوصٍ مقدسةٍ هي الأخرى) في مقابل ازدراء المسيحية للكلمة المكتوبة (من حيثُ أنَّ المسيحيةَ منذ دخولها أوربّا تعانقت والفلسفةَ اليونانيةَ التي تجعلُ الكلامَ المنطوقَ أصلاً / معادلاً بشكلٍ ما للوغوس أو الكلمة ، والكتابةَ مجردَ صورٍ دنيويةٍ دنِسَةٍ لابُدَّ منها لإيصال كلمة الرب) ، تدّعي أنَّ هذا الفرقَ ملهمٌ جدًّا في رؤية (دريدا) للكتابة وابتكاره لمفهوم (الكتابة الشاملة) التي هي أسبقُ من الكلمة المنطوقة والتي تعني التوسُّطَ باللغة والحفر عليها بشكلٍ لا يكادُ يقرُّ إلى بدايةٍ ولا يصلُ بالضرورةِ إلى نهاية .. الكتاب أمتعُ من أن يُلخَّص ، وأثرى من أن يُعرَض .. اشتباكاتُ (دريدا) مع (روسّو) و(فرويد) بالتحديد تبدو شديدةَ الإمتاع .. والكتابُ يحيلُني رغمًا عنّي إلى كتاب (التفكيك والتصوّف .. درسٌ مقارَنٌ بين دريدا وابن عربي) الذي ترجمه إلى العربية (حسام نايل) كذلك ، إلا أني أرجئ قراءته إلى أجلٍ غير مسمّى! لا تملك بعد الانتهاء من هذا الكتاب إلا أن ترغب في قراءة ميراث الفلسفة منذ ما قبل سقراط إلى العبقريِّ (دريدا) .. لا أدّعي أنَّ كل نصوص الكتاب بدت مفهومةً بالنسبة لي ، فبين الفقرات المثيرة للتفكير والمحيلة إلى غيرها ، تظهر الفقرات التي بدت لي منغلقةً على نفسها غير قابلةٍ للتمثُّل!! الكتاب في مجمله رائع وجدير بالقراءة