نفايات الروح
ــــــــــــ
أنت فى حجرة فارغة إلا من برميل كبير ملقى فى أحد الأركان فى إهمال، حجرة مغلقة لا ضوء ينير عتمتها أو نافذة تُلقى ولو بصيصاُ ضئيلاً من ضوء تتلمّس على أشعته خُطاك، وتشم رائحةً نفّاذة وكريهة، عقلك يعمل ويؤكد لك أن الرائحة لابد آتية من مصدر واحد هو البرميل الذى لديك فكرةً مسبّقة أنه موجود فى مكانٍ ما فى الغرفة، تتحرك إلى الأمام وإلى الخلف..يميناً يساراً حتى تصطدم به..تزكمك الرائحة أكثر ..تفتحه فينبعث من داخله بصيص ضوء ..يتسع رويداً رويداً..حتى تتكشّف لك محتويات البرميل...ويضىء ضوء المحتوى عتمة الحجرة فترى وتستلذ بعفونة الرائحة، وتحدق فى الداخل ولا ترى شيئاً غير سحابات دخان ينقشع رويداً رويداً ليتكاثف مرة أخرى إلى مالانهاية...يعمل محمد أبى سمرا فى روايتة على تعرية الروح فى تعدد الأمكنة من المنشأ فى بيروت ثم المغادرة منذ سبعة عشر عاما خلت إلى ليون بفرنسا، ليقارن بين الحجيم الذى لاقاه فى بيروت والجحيم الذى وجده فى فرنسا، كروحٍ تشقّقت بين حجرين، أمٌٍ تبعث على التقزز فى تصرفاتها وكرهها لمجىء أولادها إلى الدنيا وتناقضها فى مباهاتها المتصنعة والمبتذلة عندما يكبرون ويصبحوا شيئاً لا تعرف عنه أى شىء، وأبيه الذى سافر إلى السعودية ثم رجع عاملا فى الأفران تلذعة الكلمات المنبعثة من فمٍ قذرٍ لزوجة، الإنطواء والعزلة وتمضية الوقت فى أحلام يقظة مزمنة أصبحت مرضاً يلازمه أنّى رحل كتعويضٍ عن حياة غير مُعاشة كان يتمنى لو يحصل عليها، عاهرات حى سليم مسعد وتهتكهم بداية من الحب العذرى- الذى أودى بصديقه إلى حافة الإنتحار- وبين رُخص الجسد وتشظيه بين الحانات وعلى قارعة الأرصفة ثم سلخه تحت أيدى الجارات المتشحات بالعفّة،....زواجه من زوجته الفرنسية مونيك لم يكن إلا صورة ممسوخة من الحياة المعيشة بين أبيه وأمه...وعدم تحققه الفيزيقى والنفسى معها كأنه إلتقاها على رصيف ثم عرض عليها الزواج تأدية لواجب لابد أن يحدث وتعالِى اللغة الفرنسية فى ألسنة أبنائه على أصله العربي...فيحس بالوحشة ويفتقد الجو الأسرى الذى طالما كان موضوعاً لأحلام يقظة غير متحققة، ...."ماهر" صديقه الأبدى فى فرنسا وحكاياتهم المصبوغة بقهقات سوداء نابعة من حكاياتهم الساخرة عن أنفسهم...وعن وضعهم المزرى المتجسد ماضياً فى بيئة عربية تضطهد الأكراد أو الأقليات أو حتى تضطهد بعضها البعض فى نزاعات قبلية وبين وضعهم المستقبلى فى مدينةٍ هى عبارة عن أبنية قديمة متهالكة خرسانية تفتقد الدفء الحميمى للعلاقات الإنسانية.....فى أول ثلاثة أشهر من إقامته فى فرنسا..كان يضم نفسه إليه ويبكى فى الطرقات ..رأته فتاة يهودية وسألته لماذا يبكى ...وذهبا إلى المسكن الجامعى وناما معاً...لن يراها مرة أخرى...ورأى أن ما حدث بينهم شىء من المثالية المفقودة فى منح الروح للروح والجسد للجسد بدون أى مسئوليات او تعقيدات...كأرواح شاردة وضعيفة وحزينة وممتلئة عدماً يُساءل الحاضر عن المستقبل والمصير، وجدوا أنفسهم قبالة بعضهم البعض فتآلفوا للحظة ثم افترقوا إلى غير رجعة..ليظل الألم هو الملمح المتبقى
رواية محمد أبى سمرا..تفتح مسامات كانت مغلقة فى الروح غطتها طبقات من القطران..عن طريق الحوار الداخلى والتأمل الذهنى فى الماضى والحاضر والمستقبل...وتجعل من الأسماء أيقونات خالدة لأرواح ماتت....كلما ذكر إسم أتاه الماضى ماثلاً أمامه فى ذكريات ..كأن الإسم ضد الزمن وضد الموت ....لذلك كان الراوى بطل الرواية..بدون إسم..كأنه لم يكن شيئاً...كأنه يتأرجع بين أن يكون حقيقياً أو تهويماتٍ لحالم.