Jump to ratings and reviews
Rate this book

الرجل السابق

Rate this book
"فجأة كبروا بدوني وفي غفلة مني. أحياناً أخالهم أبناء أمهم وحدها، ولا تقوم بيني وبينهم غير صلة الأحفاد بجدهم، أنا الذي اشعر أنني صغير على الأبوة، ولن أبلغها مهما تقدمت في عمري. أقول لأمهم أنني سأعود باكراً إلى البيت قبل نومهم، فلا أعود إلا في ساعة متأخرة من الليل. أينما كنت، ومهما كانت تافهة مشاغلي، أؤجل إيابي، هكذا، من غير إرادة مني. أدخل متسللاً كلص، خائفاً من إيقاظها، لئلا أوقظها، فترميني بعبارات من تأنيبها المعتاد. كثيراً ما تكون بي رغبة جارفة في دخول غرفتهم لألقي عليهم نظرة حنان واشتياق، لكنني لا أفعل، لأنني لكثرة ما أنبتني ووصمتني بانعدام مسؤوليتي وحناني الأبوي، صرت أحسب، إذا ما فعلت، أنني أرضخ لها وأستجيب لرغبتها لا لرغبتي، وحين افعل، أشعر فيما أقبلهم أن في قبلاتي شفقة أكثر مما فيها من الشوق والحنان. اصطحب بكرهم في نزهات نهارات الآحاد، فيجلس قربي في سيراتي العتيقة، أَنوفاً متشاوفاً كالفرنسيين الذي لا أرى في تشاوفهم وأنفتهم غير مبالغة في التهذيب والاستبعاد هدفها إقامة الحدود والمسافات بين واحدهم والآخر. أروح أغني أغنيات عربية قديمة تشجيني حتى تكاد تسيل الدمع من عيني. أكف عن الغناء والتفت إليه، فأراه ساهماً واجماً ثابت البصر ينظر في البعيد. اسأله إن كان يعبجه غنائي، فيلتفت إلي في صمت، رافعاً حاجبيه وجفنيه، ثم يواصل وجومه الذي يحيرني ويربكني. لم يكن قد بلغ العاشرة بعد، لكنني رأيته في العشرين، لما التفت مرة إليّ في هزء، وسألني فيما كان التلفزيون يعرض مشاهد عن حرب لبنان: "أهذا هو بلدك الذي تحدثني عنه؟".... أوصلهم إلى بوابة الملعب وأعود مسرعاً إلى سيراتي العتيقة، لئلا يلمحني أحد من ذوي التلاميذ، أقرانهم، فيعلم أنني والدهم. مثلهم كنت في طفولتي أدخل منكس الرأس إلى ملعب مدرسة لعلماوي الابتدائية في البسطا التحتا. وحين أتخيلهم نتحين جهة من الملعب خالية من التلاميذ اللاهين، اشعر بالكآبة والانهاك في نفسي وجسمي، ثم أتخيل كيف سيجلسون شاردي الأذهان على مقاعد خلفية من قاعات المدرسة".

يعود إلى بيروت وفي زيارته تلك، يكتشف وهو المقيم منذ سبع عشرة سنة في فرنسا، يكتشف كم هو ما زال يشبه رفاق طفولته في خلقته وحركاته ونبرة صوته وملبسه؛ في حي سليم مسعد الذي ولد فيه وأخروته وفي كوخ من أكواخه حتى أنه وحين استعادته بعضاً لمشاهد حياته في ليون، خيّل إليه أن زوجته الفرنسية، مونيك، وأبنائه الثلاثة ولدوا أيضاً في الكوخ نفسه. وفي أثناء زيارته تلك يمر بتجربة عاطفية اعتبرثا نقطة تحول في شخصيته التي حملت أعباء زمنٍ قاسٍ زمن حرب جعلت منه رجلاً يحمل إحساساً بالخجل دائماً وأبداً من ذاته.

132 pages

First published January 1, 2006

34 people want to read

About the author

محمد أبي سمرا

10 books24 followers
ولد محمد أبي سمرا عام 1953 في قرية شبعا الجبلية النائية . ثم انتقل ووالدته وأخواه عام 1962 إلى ضاحية بيروت . تخرج في دار المعلمين عام 1977 ثم بدأ العمل في الصحافة الثقافية إلى جانب عمله بالتعليم ككثير من أقرانه المدرسين الصحافيين الملتزمين بالقومية والعروبة والأحزاب العقائدية . نال شهادة دبلوم في علم الاجتماع الثقافي عام 1984 ، وكانت أطروحته حول الأخوين رحباني وفيروز وتأثيرهم على الحياة اللبنانية . بعدها سافر إلى ليون عام 1985 هرباً من حمى الحرب .

وفي فرنسا كتب روايته الأولى بولين وأطيافها التي نشرت عام 1990 ببيروت ، تلتها الأعمال الآتية :
الرجل السابق ، رواية ، دار الجديد 1995
سكان الصور ، رواية ، دار النهار 2003
كزابلانكا بيروت كردستان ، سيصدر غضون 2004
--
نقلا عن المنتدي الادبي الالماني العربي - مداد

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
3 (27%)
4 stars
6 (54%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
2 (18%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 - 2 of 2 reviews
Profile Image for Islam.
Author 2 books554 followers
January 9, 2012
نفايات الروح
ــــــــــــ
أنت فى حجرة فارغة إلا من برميل كبير ملقى فى أحد الأركان فى إهمال، حجرة مغلقة لا ضوء ينير عتمتها أو نافذة تُلقى ولو بصيصاُ ضئيلاً من ضوء تتلمّس على أشعته خُطاك، وتشم رائحةً نفّاذة وكريهة، عقلك يعمل ويؤكد لك أن الرائحة لابد آتية من مصدر واحد هو البرميل الذى لديك فكرةً مسبّقة أنه موجود فى مكانٍ ما فى الغرفة، تتحرك إلى الأمام وإلى الخلف..يميناً يساراً حتى تصطدم به..تزكمك الرائحة أكثر ..تفتحه فينبعث من داخله بصيص ضوء ..يتسع رويداً رويداً..حتى تتكشّف لك محتويات البرميل...ويضىء ضوء المحتوى عتمة الحجرة فترى وتستلذ بعفونة الرائحة، وتحدق فى الداخل ولا ترى شيئاً غير سحابات دخان ينقشع رويداً رويداً ليتكاثف مرة أخرى إلى مالانهاية...يعمل محمد أبى سمرا فى روايتة على تعرية الروح فى تعدد الأمكنة من المنشأ فى بيروت ثم المغادرة منذ سبعة عشر عاما خلت إلى ليون بفرنسا، ليقارن بين الحجيم الذى لاقاه فى بيروت والجحيم الذى وجده فى فرنسا، كروحٍ تشقّقت بين حجرين، أمٌٍ تبعث على التقزز فى تصرفاتها وكرهها لمجىء أولادها إلى الدنيا وتناقضها فى مباهاتها المتصنعة والمبتذلة عندما يكبرون ويصبحوا شيئاً لا تعرف عنه أى شىء، وأبيه الذى سافر إلى السعودية ثم رجع عاملا فى الأفران تلذعة الكلمات المنبعثة من فمٍ قذرٍ لزوجة، الإنطواء والعزلة وتمضية الوقت فى أحلام يقظة مزمنة أصبحت مرضاً يلازمه أنّى رحل كتعويضٍ عن حياة غير مُعاشة كان يتمنى لو يحصل عليها، عاهرات حى سليم مسعد وتهتكهم بداية من الحب العذرى- الذى أودى بصديقه إلى حافة الإنتحار- وبين رُخص الجسد وتشظيه بين الحانات وعلى قارعة الأرصفة ثم سلخه تحت أيدى الجارات المتشحات بالعفّة،....زواجه من زوجته الفرنسية مونيك لم يكن إلا صورة ممسوخة من الحياة المعيشة بين أبيه وأمه...وعدم تحققه الفيزيقى والنفسى معها كأنه إلتقاها على رصيف ثم عرض عليها الزواج تأدية لواجب لابد أن يحدث وتعالِى اللغة الفرنسية فى ألسنة أبنائه على أصله العربي...فيحس بالوحشة ويفتقد الجو الأسرى الذى طالما كان موضوعاً لأحلام يقظة غير متحققة، ...."ماهر" صديقه الأبدى فى فرنسا وحكاياتهم المصبوغة بقهقات سوداء نابعة من حكاياتهم الساخرة عن أنفسهم...وعن وضعهم المزرى المتجسد ماضياً فى بيئة عربية تضطهد الأكراد أو الأقليات أو حتى تضطهد بعضها البعض فى نزاعات قبلية وبين وضعهم المستقبلى فى مدينةٍ هى عبارة عن أبنية قديمة متهالكة خرسانية تفتقد الدفء الحميمى للعلاقات الإنسانية.....فى أول ثلاثة أشهر من إقامته فى فرنسا..كان يضم نفسه إليه ويبكى فى الطرقات ..رأته فتاة يهودية وسألته لماذا يبكى ...وذهبا إلى المسكن الجامعى وناما معاً...لن يراها مرة أخرى...ورأى أن ما حدث بينهم شىء من المثالية المفقودة فى منح الروح للروح والجسد للجسد بدون أى مسئوليات او تعقيدات...كأرواح شاردة وضعيفة وحزينة وممتلئة عدماً يُساءل الحاضر عن المستقبل والمصير، وجدوا أنفسهم قبالة بعضهم البعض فتآلفوا للحظة ثم افترقوا إلى غير رجعة..ليظل الألم هو الملمح المتبقى

رواية محمد أبى سمرا..تفتح مسامات كانت مغلقة فى الروح غطتها طبقات من القطران..عن طريق الحوار الداخلى والتأمل الذهنى فى الماضى والحاضر والمستقبل...وتجعل من الأسماء أيقونات خالدة لأرواح ماتت....كلما ذكر إسم أتاه الماضى ماثلاً أمامه فى ذكريات ..كأن الإسم ضد الزمن وضد الموت ....لذلك كان الراوى بطل الرواية..بدون إسم..كأنه لم يكن شيئاً...كأنه يتأرجع بين أن يكون حقيقياً أو تهويماتٍ لحالم.
Displaying 1 - 2 of 2 reviews

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.