أحمد عبد المعطي حجازي شاعر وناقد مصري، ولد عام 1935 بمدينة تلا محافظة المنوفية بمصر. أسهم في العديد من المؤتمرات الأدبية في كثير من العواصم العربية، ويعد من رواد حركة التجديد في الشعر العربي المعاصر. ترجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية والإسبانية والإيطالية والألمانية. حصل على جائزة كفافيس اليونانية المصرية عام 1989، جائزة الشعر الأفريقى، عام 1996 وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1997
يُقبل الوقتُ ويمضي دون أن ينتقل الظلُّ، وهذا شجر الأسمنت ينمو كنبات الفطرِ، يكسو قشرةَ الأرضِ، فلا موضع للعشبِ، ولا معنى لهذا المطرِ الدافقِ، فوق الحجرِ المصمتِ، لا ينبت إلا صدأً أو طحلبًا دون جذور!
تقبلُ الريحُ وتمضي دون أن تعبر هذا الصمتَ، أو تقوى على حمل استغاثات القرى والسفن الغرقى، وهذا شجرُ الأسمنت في كل مكانٍ يتمطّى، ويخور كالشياطينِ، ويصطاد العصافير التي تسقط كالأحجارِ، في أجهزة الرادارِ، أو تشنق من أعناقها الزُّغب، على أسلاكِ آلات اتسراق السمع، في تلك السماوات التي نعرف من شرفاتنا أن العصافير تموت الآن فيها حينما يرتطم السربُ، فتهتزُّ قرونُ المعدنِ الوهّاج في الضوء الأخير!
يُقبل الليل ويمضى دون أن نشبع من نومٍ، وهذا شجرُ الأسمنت يلتفُّ علينا. والمواليد الذين اعتاد آباؤهم الصمتَ يجيئون قصارا ناقصي الخلقةِ، لا يخرج من أفواههم صوتٌ ولا تنمو خصاهم. والنفايات التي تلفظها الشهوةُ في كل صباحٍ سأمًا، لا شبعًا توضع أكداسًا على الأبوابِ، والآلات تلقى غيرها زُبدا، وخمرًا في النهيرات التي تفضي إلى الباعة والأرض تدورْ!
يا صاحبي أخمر في كئوسكما أم في كئوسكما هم وتذكار &&&& وفزعت حين رأيت أهل مدينتي يتحدثون بلكنة عجماء متجهين نحوي, فابتعدت, وهم من أمامي يتلعزن تراجعي بخطي ثقتال حتي خردت من المدرينة مثقلا بحقائبي وانهرت مثل عمود ملح في الرمال %%%%% ديوان جميل وبه مقاطع كثيرة تشبهنا كل من سيقرأ سيجد شيء منه داخل الكلمات أو ان الكلمات تشبه داخله
نبذه مما أعجبنى الرجل والقصيدة : كتبها لـ صلاح عبد الصبور ألقاك أين الآن ! والمنفى بعيدٌ , والبلاد تناقلتك أأنت فى رجع اليمام إاذا ترقرق فى امتدادات الزمرد حيث ينفرط الغمام أم أنت فى الطمى الطرى إذا تخلع فى الظهيرة عارياً متعطراً بشذاه فى الصمت الممزق بالنعيب وبالبغام أم أنت فى الطمى القديم إذا تفتّت تحت أقدام الشموس العابرات عليه من عام لـعام ...................... عـراء : ربِّ ! أى حنيـن سُمْتنى عصفـةُ , وأنـا أحتـسى قهوتى فى العـراء الحزين الضحى شاحبٌ والمدينة مرسومة مـن صدى وطنـين
حجازي شديد التميز على مستوى الرؤية والصورة الكلية والجزئية واللغة والإيقاع، وفي هذا الأخير قدم عدة نصوص تعتمد بحورًا مركبة في قالب تفعيلي وهو أمر أحبه. إلا أني وجدت تجربتَي البحر البسيط والمجتث أسلس موسيقيًا من تجربة البحر الخفيف التي اتبع فيها منحًى قريبًا من منحى فاروق شوشة في نفس البحر فأخمد الموسيقى الخارجية في مناطق عدة من القصيدة لتخليه عن الوحدة الإيقاعية.
الديوان من أجمل ما كتب حجازي وفيه نضج واضح ووعد فني بمزيد لم يأت وسوداوية في الرؤية قد تفسر الانقطاع الطويل للشاعر عن الشعر
هي المرة الأولى التي أشغل فيها الوقت بالكامل في قراءة (حجازي) .. رؤية شعرية عبقرية بالفعل .. يستحق (حجازي) أن يظلَّ أيقونةً مهمةً في الشعر العربي الحديث .. أزعمُ أن الديوان جديرٌ بإعادة القراءة مراتٍ ومراتٍ، وبمزيدٍ ومزيدٍ من القراءات النقدية .. مغامراته العَروضيةُ كذلك جديرةٌ بالالتفات .. إلاّ أن مغامرته مع البحر الخفيف في (أغنية للقاهرة) لم تَرُق لي، حيث تدافعت التفعيلتان الأساسيتان دون نظامٍ موسيقيٍّ واضح ..
أشجار الأسمنت --- يُقبلُ الوقتُ ويمضي دون أن ينتقل الظلُّ، وهذا شجرُ الأسمنتِ ينمو كنباتِ الفطرِ، يكسو قشرة الأرضِ، فلا موضع للعشبِ، ولا معنى لهذا المطر الدافقِ، فوق الحجرِ المصمتِ، لا يُنبتُ إلا صدأً أو طحلبًا دون جذور.
تُقبلُ الريحُ وتمضي دون أن تعبر هذا الصمت، أو تقوى على حملِ استغاثاتِ القرى والسفن الغرقى، وهذا شجرُ الأسمنت في كلّ مكانٍ يتمطّى، ويخور. --- يحكي لنا الشاعر عن غربته، ووطنه البعيد، وقريته وصبيتها وأشجارها، أشجار الأسمنت. كتب هذا الديوان في باريس، التي كان لها دورًا في تشكيل ثقافة الشاعر، وأفكاره وأسلوبه الشعري، كما غيره من المبدعين. أشجار الأسمنت ديوان جيد، فيه قصائد رائعة، وأخرى متوسطة، وأخريات. أسلوب عبدالمعطي حجازي مميز بعض الشيء، ينتقل بين القوافي بمهارة ولكن بشكل ملاحظ، فلا يجعلك تنغمس كثيرًا في عبق قافيةٍ، حتى تصطدم بثانية، وما تلبث أن تنغمس بها فتصطدم بثالثة! لكن بشكل مقبول. ستة عشر قصيدة، متشابهات ومميزات عن غيرهن في الأسامي، مثل "طللية، خمرية، طردية..." وأخريات مجموعة رسائل لأشخاص مثل "صلاح عبدالصبور- أمل دنقل- جاك بيرك" وغيرهم.. تعكس القصائد ثقافة حجازي الكبيرة، وصداقاته بأناس كثيرين. أكثر ما أحببت منهم"الرجلُ والقصيدة" وهي مهداة إلى صلاح عبدالصبور، أحببتها للغاية.. وأيضًا أغنية القاهرة وطرديّة وخمريّة وقطار الجنوب والكثير والكثير.. استمتعت برحلتي الأولى مع حجازي، وأتمنى التحصل على باقي أعماله قريبًا، وأختم بقوله في قصيدة خمريّة:
"من يُنزلُ الغيم؟ لي فيهِ وردةٌ أزهرَت وحدها هناك، وأبقت جذورها راعياتٍ في جسميَ المهجور." 3-9-2017