يضم هذا الكتاب مجموعة من مقالات وقصص الكاتب الليبي خليفة الفاخري التي نشرها في كتاب بنفس العنوان سنة 1974، تبدأ بمقالة طويلة تشرح قصص " موسم الحكايات" يصب فيها خليفة الفاخري أسلوبه التراجيدي والعاطفي ويتضح تشبثه بذاكرة المدينة " بنغازي"، تقول الحكاية الثالثة عشرة:
الإيقاع الأول: عندما تتحدث إلى نفسك بصوت مسموع، يقول عنك الآخرون أنك جننت.
ذكريات ترويها أشجار بنغازي الهرمة، قصص قصيرة يأتي مع وصف أحداثها عليل ازقة بنغازي، لا أقصد هذه المدينة التي أقطن فيها، بل تلك العجوز الحزينة التي أعتدت الحياة فيها والجلوس على حافتها تأملاً في الله، هيسبريديس التي بات يُطلق عليها مؤخراً "منطقة البلاد".. تلك المنطقة التي بقت مهجورة منذ سنة، بعدما أُعلنت منطقة عسكرية منذ اندلاع الحرب الأهلية..
الكتاب يرسلك تارة هناك وتارة إلى هواء الغربة القارس .. اسلوب خليفة الفاخري التراجيدي يأسرك حتى آخر صفحة !
أكثر القصص جذبتني هي: الرجال كلمات متقاطعة وعلى الأرض السلام عيون الكلاب الميتة أحزان قديمة
كان –بيتهوفن- قد طرد من بيت إلى آخر آلاف المرات باعتبار أنه كان مخلوقاً مزعجاً، وكانت موسيقاه صاخبة إلى حد لا يحتمل!!
أنه يقف فوق تلك القاعدة الآن .. وشرعت تنظر إليه .. كان يبكي بدموع نحاسية، وكانت كتفاه وعباءته مغطاة بالتلج، وكانت يده اليسرى في وضع غير مستريح.
كان يقف في الميدان وحيداً عبر عاصفة الجليد، و كنت أنت مقرراً للغاية، فيما شعرت بأن ثمة شيئاً ينقبض في ينقبض في قاع قلبك، مثلما ينتابك ذلك الاحساس المفاجيء حين يلج بك القطار أحد الأنفاق الطويلة المعتمة، بينما كنت تتطلع في الناذة إلى الحقول والمراعي الغارقة في ضوء الشمس على مدى البصر!
فمن يشتري كلمات مثل عيون الأطفال؟ من يشتري كلمات مرصعة بالدموع النحاسية مقابل رغيف؟ أجل، مقابل رغيف! من يشتري؟
إحساسه يفوق الوصف! حكايات في شوارع بنغازي القديمة يرويها قلب متعب أثقله الفقر و المنفى..
يقول الفاخري: *"فأنا لم أعد أملك شيئا سوى العناوين، و بطاقات البريد، و التطلع من ثغرة حلم معشب"
*"أريد أن أقول ما أشاء.. فقد طالت سنوات الصمت الكثير."
*"إن ذلك كل ما يتبقى لك في النهاية.. هل تتصور؟ أنك تظل تعيش موتك لحظة بلحظة، و تنهار كل أحلامك القديمة بأيدي الآخرين دون أن تستطيع أن تفعل أيما شيء..هل تتصور؟" 18 , November , 2016
القراءة الثانية، يملأ القلب بالحب والحنين والغربة، فيفيض..
تقول الحكاية الثالثة عشرة : الإيقاع الأول : عندما تتحدث إلى نفسك بصوت مسموع ،يقول عنك الآخرون أنك جننت وأنا في الواقع أتحدث الآن عبر الليل بصوت مرتفع حقا أعني أن مقاطع كلماتي تحدث فرقعة هائلة من خلال الضرب على الآلة ،ورغم أني أجلس وحدي هنا ،وتصدر حروفي صخباً عنيفاً ،إلا أن نزلاء الفندق لا يقولون عني أنني مجنون ...إنهم يقولون فقط أنني مزعج ! الايقاع الثاني : حين ترى وجه أحد ما في المرآة ،فلا شك أنه يستطيع أن يراك أيضاً ،وأنا أحاول أن أرى الناس -كل الناس- في مرآة قلبي ،ولا أدري على وجه الضبط عما اذا كانوا يرغبون في رؤيتي ،أعني في رؤية مخلوق ممتلئ بالديون تجاه العالم كله .! الايقاع الثالث : لقد تصورت دائما أنك عندما ترى شخصاً ما في منامك ،فإنه يراك في حلمه أيضاً ،في نفس الليلة ،لقد فكرت في ذلك كثيراً وتخيلته طول الوقت فلو كان هذا حقيقة إذن ...إذن لعششت في أحلام الناس جميعاً ! "رائع جداً جداً هذا الكاتب يجب أن يعرفه ويقرأ له الكثير هنا "
لا تثق في افتتاحيات الصحف، ودعاء المنابر، والتعليق علي الانباء، لاتفعل ذلك قط، فالفقيه الذي يبيعك حجاباً من أجل الحب والسلام لايحمل لنفسه في الواقع أي حجاب مماثل، لأنه ببساطة لايثق في ذلك!
كتاب ممتع جداً يقدم قصص منوعة عن طبيعة الحياة الاجتماعية في فترة الستينات والسبعينات .
هذه هي التجربة الأولى لي مع خـليفة الفاخري. لم أسمع يوماً به ولم نتحدث عنه أنا وصديقاتي ولكن الكتاب أهدته لي صديقتي في عيد ميلادي الـعشرين ويا لها من هدية جميلة. الكتاب في البداية يحتوي على قصص قصيرة ومن ثم ينتقل للمقالات, حقيقة هناك مقالات لم أفهم المغزي منها وهناك مقالات تركتها وتخطيتها ولكن هناك مقالات نالت إعجابي كثيراً دوناً عن غيرها سوف أقوم بكتابتها الان. " الأصدقـاء " - " حكاية رجل مقطوع من شجرة " - " عيون الكلاب الميتة ". سوف أقوم بمشاركة بعض الإقتباسات التي راقت لي . ________________________
" قد يكون المنفى وطننا في كثير من الأحيان "
" وطفقت أذرع طريقي باحثاً عن المحبة في عيون الأطفال, والنمال السارحة في سفح الجدار, والأعشاب المبللة بندى الفجر, والإحساس بتنفس الأرض تحت قدميك, والسماء, والضوء المنبث, وحنين الأمهات, وشخير القطط الدافئة, وهجرة الطيور, وتثاؤب الصغار في ليالي الشتاء, وتدفق الأنهار صوب البحر.." "يحب أن يغلق قلبه على آلامه وأحزانه .. ووحدته "
" تأكد أن الحظ المسعف يكون بجانبك مدى الحياة برغم كل ما يقال .. إلا أذا مت, عندئد تدرك - بطريقة ما - أنه تخلى عنك فجأة !! "
" أنا أفكر بلا جدوى .. أفكر كثيراً, ولعلني سأجن ذات يوم "
" أنه ليس ثمة أروع من مائدة تضم حزمة من أصدقاء يضحكون "
" وغدت ليالي الوحدة أكثر كآبة, وأكثر حزناً مما يتحمل قلب رطب الزوايا "
رحلتك طالت.. وها أنت تذرع شوارع "بون" عبر الجليد، متطلعاً إلى المارة الغارقين في الفراء حتى رؤوسهم، باصقاً قلبك فوق كل الأرصفة، حاملاً في جراب صدرك ذكريات التسول على باب الأصدقاء، وانتظار الصدقات، ومرارة غياب الكلمات، وعيون الرفاق على طول الطريق!
ثاني كتاب أقرأه -بعد غربة النّهر- لخليفة الفاخري ولاحظتُ شيئًا أول مقالات أو قصص في الكتاب تكون مملة أو المغزى غير واضحًا فيها ولكن ما إنّ تستمر في الكتاب حتّى تكتشف كنز الجمال الّذي بين يديك! أحببت بنغازي الستينية شعرت بالحنين لتفاصيلها رغم أنّي لم أعيش في ذاك الوقت شعرت أثناء قراءتي بالشوق للماضي، لطفولتي، لأصحاب البقّالة، للجارات حتّى المزعجات منهن! ولكن هناك تعقيب على”الحكاية السادسة” فقد سبق وقرأتها من قبل كقصة رجل بلجيكي يهرب الدراجات لألمانيا لمدة 20 عامًا والقصة منتشرة كثيرة على الإنترنت ولكن مع ذلك لم أجد مصدر موثوق أو تاريخ لحدوثها والفاخري كتبها كقصة رجل ليبي، لم أفهم هل الحكايات جميعها مقتبسة أم هذه فقط أم أنّ القصة الحقيقية ليبية؟ لكنني بحثت ولم أجد مصدر واحد على الإنترنت لها كما قصة البلجيكي أنا أحُب أسلوب الفاخري في المقالات أكثر من القصص وتميزه وجمال كتاباته تظهر فيها أكثر!
•اقتباسات: “البلد الّذي لا أين له، حيثُ لا تجد السبّابة إليهِ متجهًا” (الحكاية السابعة صـ16)
“النوم يريحني من كُل هذا العناء .. أجل، إنّك عندما تنام لن تشعر بهذه الأرض الكئيبة، لن تشعر بالعذاب، كالموت تمامًا” (الهزيمة صـ77)
“إنّ التعويض الوحيد الّذي يُمنح للإنسان حين يموت هو أن يودع آخر أنفاسه فيما يتحلق كل أصدقائه حول سريره، ذلك هو التعويض الوحيد!” (الأصدقاء صـ111)
“ليس ثمة أروع من مائدة تضم حزمة أصدقاء يضحكون، ليس ثمة ما يساوي هذا على الإطلاق” (الأصدقاء صـ111)
“عيناك مجذافان لقاربي الضليل، ولكن أين هُما؟” (الوجه الآخر للقمر صـ128)
“إنّ أطول رحلة هي الرحلة إلى الدّاخل” (سنوات العمر الصدئة صـ251)
“فأنا أحس باختناق رهيب كأنّني معلق داخل مدخنة” (سنوات العمر الصدئة صـ262)
أكثر ما استمعت بقراءته: -العذاب -حكاية رجل مقطوع من شجرة -حكاية بائع الفل -رحلة الريح الجنوبية -الوجه الطيب القديم -الرّجل الوحيد أبدا -ممنوع دخول الأطفال
فحين يكون قلبك كبيرا : تستطيع أن تعانق كل شيء ، باعتبار أنه صديق لك ، كل الأشياء تصبح ذات مدلول عاطفی دافىء .. كل الأشياء : الأشجار ، والطيور ، والمساكن ، والتراب ، والحارات ، والقمر ، والمساجد ، والكنائس . ولعب الأطفال ، والعملات القديمة ، والكتب ، ومحطات القطار ، والمقاهي .. فما بالك بالانسان !