• أحمد علي آل مريع: 1970م وهو من رجال ألمع –عسير. • بكالوريوس اللغة العربية 1413هـ من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – فرع الجنوب. • ماجستير في الأدب والنقد الحديثين بتقدير ممتاز 1420هـ من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. • له قصص قصيرة، وقراءات نقدية، ومقالات فكرية وعلمية واجتماعية منشورة ؛ كما أعد وقدم عدداً من المحاضرات والجلسات العلمية والملتقيات الثقافية والوطنية، بالإضافة إلى مشاركات متعددة في التليفزيون والإذاعة. • له عدد من الكتب بين مطبوع ومخطوط، منها: - السيرة الذّاتية : الحدَّ والمفهوم، إصدارات نادي أبها الأدبي، ط1، 1424هـ. - قراءة في فلسفة الحب، توزيع العبيكان، ط1، 1424هـ. - الفكاهة في أدب الشيخ علي الطنطاوي، كتيب المجلة العربية-وزارة التعليم العالي، ط1،1424هـ. - جمع السنة النبوية في كتاب واحد.. المشروع والتصور، توزيع العبيكان، ط1، 1426هـ. - علي الطنطاوي: كان يوم كنتُ.. صناعة الفقه والأدب، إصدارات العبيكان، ط1، 2007م – 1428هـ. - السيرة الذّاتية: مقاربة الحدّ والمفهوم، ط2، الرياض، 1429هـ - الكنتية، كتيب المجلة-وزارة الثقافة والإعلام، ط1، 1429هـ - الحقيقة والخيال، بحث علمي محكّم– تحت النشر., - أدب السيرة النوع والمفهوم- بحث علمي محكّم- تحت النشر. - ربَّ حامل فقه ليس بفقيه: من أسباب نشوء التطرف والإرهاب 1424هـ – جريدة الوَطَن السعودية، كتيب منشور إلكترونيًا 1424هـ. http://www.tarbyatona.net/articles.ph...
ولأن حقوق الطبع للمؤلف ، وحفظا لحقوقه سنورد بعض ما جاء في تلك القراءة .. بشيء من الإيجاز !!
الحب في شباب الطنطاوي !
يأخذ ( الحب ) في أعمال الطنطاوي طابعا فلسفيا عميقا ، قد لا يستطيع القارئ أن يقف على أبعاده ومراميه ، أو أن يفقه جوانبه المختلفة من خلال نظرة واحدة ، أو قراءة عابرة لنتاجه الذي فلسف فيه هذه العاطفة المتجذرة في نفوس البشر التي ينعتها بقوله :
" الحب عالم من العواطف ، ودنيا من الشعور ، فيها كل عجيب وغريب "
رؤية متباينة تباين السنين التي عاشها ، ومختلفة اختلاف الطيف واختلاف المدن والبلدان التي مر بها ، أو حط فيها في رحلته الطويلة .
وإني لأكاد أجزم بأن الطنطاوي كان في صباه عاشقا قد برحه الوجد ، أو هكذا ظهر لي في كثير من أعماله ، التي لا تزال آثار الصبا عليها بادية جلية ، وإن احتفظت باتزان الشيوخ وأخلاق العلماء وحشمة العربي .
ولا يرى الطنطاوي حرجا في التصريح بالحب أو الكتابة فيه كما هو الشأن عند بعض المتأخرين . ويرى أنه من التزمت الشديد أن ننهى الناس عن التعبير عن عواطفهم ، أو أن نحول بينهم وبين جوانحهم بحجة واهية لا تقوم على أساس معلوم من الدين وبخاصة وأن هذا السنن قد رسمه علماء أجلاء من قضاة وأصوليين وفقهاء ، جاءت لهمن من الأبيات في الحب المُرقّصات المُطربات . وما كان التحفظ ليحول بينهم وبين نقل مشاعرهم إلى الناس في أسلوب بديع لا يخلو من الحشمة والجلال والوقار . وقد أخذ الشيخ على عاتقه أن يبين ذلك ، وأن يمحو ما هو شائع في عصره نتيجة ما يروج بعضهم : من أن الدين قد حظر على المشاعر والعواطف ، وأنه قد حرم حتى مجرد الإحساس بالحب فكيف بالكتابة فيه وإذاعة لواعجه !! يقول :
" قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين وقد سقط إليه عدد من (الرسالة) فيه مقال لي في الحب: ما لك والحب وأنت شيخ وأنت قاض ، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب وأن يعرضوا للغزل ؟ ! ..
فضحكت وقلت له : أما قمت مرة في السحر ، فأحسست نسيم الليل الناعس ، وسكونه الناطق ، وجماله الفاتن ، فشعرت بعاطفة لا عهد لك بمثلها ، ولا طاقة لك على وصفها ؟ ! أما سمعت مرة في صفاء الليل نغمة عذبة من مغن حاذق قد خرجت من قلبه ، فهزت منك وتر القلب ، ومست حبة الفؤاد ؟ ! أما قرأت قصة من قصص الحب أو خبرا من أخبار البطولة ، فأحسست بمثل النار تمشي في أعصابك ، وبمثل جناح الطير يخفق في صدرك ؟ ! أما رأيت في الحياة مشاهد البؤس ؟ ! أما أبصرت في الكون روائع الجمال ؟ ! من الذي يصف لذاذاتك وآلامك ، وبؤسك ونعمائك ؟ ! لن يصورها اللغويون ولا الفقهاء ولا المحدثون !! كل أولئك يعيشون مع الجسم والعقل محبوسين في معقلهما .. لا يسرحون في فضاء الأحلام ، ولا يوغلون في أودية القلب ، ولا يلجون في عالم النفس ، فمن هم أهل القلوب ؟ ! إنهم الشعراء يا سيدي !! وذلك هو الشعر !
ومن أين عرفت أن العلماء قد ترفعوا عنه والكتب مملوءة بالجيد من أشعارهم في الحب والغزل ووصف النساء ؟ !!
ويقول في موضع آخر :
" من حرم الكلام في الحب ؟ ما في الحب شيء ولا على المحبين من سبيل !! إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه ، أو يضيع خلقه ، أو يهدم رجولته ، أو يشتري بلذة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم .. "
والطنطاوي نفسه يعترف بأنه قد تحدث عن الحب فلم يبلغ ما في نفسه ، ولم يوفه حقه ، لأن اللغة نفسها عاجزة عنه ، قاصرة دونه ، يقول في صدر إحدى فتاويه المنشورة في جريدة الشرق الأوسط :
" أنا أقول من قديم : إن لغات البشر قاصرة عن التعبير عن المشاعر والعواطف ، بل أنها تعجز – أحيانا – عن تصوير بعض مشاهد الطبيعة .. لذلك أطلقنا هذه الكلمة الواحدة ذات الحرفين : الحاء : التي تمثل الحنان ، والباء : التي تبدو الشفتان عند النطق بهما كأنهما متهيئتان لقبلة .. كلمة واحدة نطلقها على ألوان متعددة ، هي إلى الاختلاف أقرب منها إلى الائتلاف .. ولن ألج في متاهات الكلام عن الحب .. فلي فيه مقالات وقصص تملأ عشرات من الصفحات منشورة فيما طبع من كتبي وفيما لم ينشر من كتاباتي "
والحق أن ما يقال عن لفظة [ الحب ] في العربية ينسحب على لفظتي [ amour ] الفرنسية ، و [ lovi ] الإنجليزية .. وهذه ملاحظة ذكية من الطنطاوي ، واستشعار عميق ، بما وراء الحروف من المعاني الدافئة ، هذا الإحساس ستجاوز حدود اللغة القومية ليشمل اللغة الإنسانية بعامة . وكأني بالشيخ يؤكد – ضمنا – إحدى عبقريات ابن جني التي أودعها كتابه الخصائص ، ولا سيما في البابين اللذين عنونهما على طريقته العجيبة في انتقاء مصطلحاته وهما [ باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني ] و [ باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني ] وهي عبقرية فذة حيث فطن إلى دراسة اللغة من حيث هي : ظاهرة إنسانية حية ، ونتيجة حتمية لمقدمات من حاجات الإنسان ورغباته وميوله ، بغض النظر عن أصل اللغة وجغرافية انتشارها .
وإذا كانت معاناة الأدباء وآلامهم تسهم بشكل واضح في رسم ظلال قاتمة خلف التجربة الإبداعية وخلق فلسفة ذات ابعاد مأسوية ، فإن شفافية نفس على الطنطاوي ، وحسه المرهف يريان الكون لحمة واحدة مبنية على الحب والتضحية ، تجمعه أواصر القربى وتوحد بين عناصره وشائج الألفة .. يقول :
" لولا الحب ما التف الغصن على الغصن في الغابة النائية ، ولا عطفت الظبية على الطلا في الكناس البعيد ، ولا حنا الجبل على الجبل في الوادي المنعزل ، ولا أمد الينبوع الجدول الساعي نحو البحر ، ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض ، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع .. ولا كانت الحياة "
والحب عند الطنطاوي يحجب العقل ويغطيه ، ويعمي البصر والبصيرة معا ، فتتوارى عن ناظري العاشق كل هنة تتصف بها محبوبته ، فلا ترى عيناه غير جمالها ، ويروح ينسج من خيالاته الحالمة حولها ثوبا براقا مشرقا ، حتى يحسبها من تهويمات الحب خلقت دون سائر البشر من نور ، وخلقوا هم من الطين ، فلا يطلب غيرها ولا يهيم بسواها ...
يصيب الحب العاشق بنشوة تتضاءل معها قيود الاتزان ، فتجعله يهذي بما لا يدري ويتلفظ بما لا يعي ، ويأتي ما لا يريد ، ويبكي وهو يضحك ، ويضحك وهو يبكي ..
الحب في الوقت ذاته زنبقة الجبل الطاهرة التي تحيل الكون إلى شذا ربيعي ، وتحمل الإنسان إلى عوالم عزيزة من المثال ، فتتراءى له الحياة جميلة جذابة مشرقة الأمل .. أحلى من الحلم ، وأجمل من بلوغ المنى .. يقول :
" ما كان يدري من قبله – أي الحب - ما اللذة وما الحياة ، وما كان يحس أنه يعيش حقا ، وأن له قلبا ، وما كان يدرك من قبله بهاء النهار ، ولا فتنة الليل ، ولا سحر القمر ، وكان كل ذلك عنده كالألفاظ بلا معنى ! يفهم منه ما يفهمه الأعجمي إذا تلوتَ عليه غَزَلَ العرب !! فلما عرف الحب أدرك أن وراء هذه الألفاظ معاني تهز الفؤاد وتستهوي القلب .. وكان يمشي في طريق الحياة كما يمشي الرجل في المتحف المظلم فطلع عليه هذا الحب نورا مشرقا أراه هذه التحف الفاتنات ، وهذه الروائع " وبالرغم من موافقته بشار بن برد في أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا .. إلا أن العين تظل بريد القلب ، ونافذة الفؤاد ، أو كما يقول - شوقي - لغة الهوى :
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت ** عينيّ في لغة الهوى عيناك !
ولذلك عزف الشعراء المجانين ليلاهم على أوتار العيون الحورية ، وعلى أهداب الحسناوات نسجوا خيوط الغرام الوردية ، ورددوا في أشعارهم " عيون المها " و " لحظ العيون " .. يقول – رحمه الله – في ضرب التصوير :
" ويرى عينيها فيحس كأنما دارت الأرض به ، وهو يحدق فيهما ، ثم أسرعت في دورانها ثم اختفت بما عليها ، ولم يبق في الوجود إلا عينان . قال الله : كونا ؛ فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر "
وفي إيمان مطلق يؤكد الطنطاوي فكرة الاتحادية بين كياني المحبين .. اتحادية تضمحل معها الأشكال والفوارق والعناصر ، وتذوب أمامها التقاليد والأعراف ؛ فإذا الحبيبان شطران في كيان واحد بما في هذا الكيان من حياة ، وحب ، وأحلام ، ورؤى ، وخيالات ، وأحاسيس ، وهي فكرة قديمة عرفها الأدب العربي مذ ألهم الحب شعراءنا رائعات الشعر ، ومعجزات القصيد :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنا !
يقول الطنطاوي :
" يمضي عمره بعيدا عنها خاليا قلبه من حبها ، لا يدري بوجودها ، ثم يراها مرة واحدة ؛ فيحس أنه قد عرفها من الأزل ، وأنه لم يفارقها ساعة ، ويقسم أنها ما خلقت إلا له ، ولم يخلق إلا لها ، ولا يعيش إلا لها وبها ، فهما روح في جسدين : هي : هو !! وهو : هي !! ينظر بعينيها ، ويسمع بأذنيها ، ويطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغما عذبا ، ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حلما حلوا ... "
وإذا كانت فلسفة بعض السفسطائيين وأصحاب النظرة البايلوجية الصرفة تقوم على أساس من أن الجمال اتجاه مجرد من أي هدف ، أي : جمال غير مقصود أن يراه أحد أو يستمتع به أحد [ جمال من أجل الجمال ] فإن الفلسفة الطنطاوية تجعل من الجمال دافعا إلى الحب ، ومن نشدان الجمال سبيلا إلى الكمال الذي فطر الإنسان على طلبه ، يقول :
" إن البشر يكدون ويسعون ويسيرون في صحراء الحياة ، وقيد نواظرهم كواكب ثلاثة ، هي هدفهم ، وإليها المسير ، ومنها الهدى ، وهي السراج المنير ، وهي : الحقيقة ! والخير !! والجمال !!! وإن كوكب الجمال أزهاها وأبهاها ؛ وإن خفي صاحباه عن بعض الناس فما يخفى على أحد ، وإن قصرتْ عن إدراكهما عيونٌ فهو ملء كل عين . والجمال يعدُ أس الحقائق ؛ فلولا جمال الحقيقة ما طلبها العلماء ، ولولا جمال الخير ما دعا إليه المصلحون . وهل ينازع في تفضيل الجمال إنسان ؟ ! أو هل في الدنيا من يؤثر الدمنة على الجنة المزهرة ؟ ! والعجوز الشوهاء على الصبية الحسناء ؟ ! "
ومفهوم الجمال عند الطنطاوي لا يقف عند حدود الحس أو الشكل فحسب ، بل يتعداه إلى المشاعر والمعنويات ، ومثلما يكون الجمال والحسن مشاهدا فإنه يكون أمرا معنويا يدرك بالقلب والوجدان ، كـ : جمال الإخلاص ، وحسن التضحية ، وبهاء الوفاء ..
يحكي لنا ذلك على لسان [ فرج ] إحدى شخصيات قصته " ثلاثون ألف دينار " ؛ فيقول : - سهيلة : أتحبني وقد صرت عجوزا ؟ ! - فرج : الجمال هو : الإخلاص يا سهيلة ، أحبك دائما ، إني أراك أجمل النساء "
ويُعرِّض الطنطاوي بالجمال الحسي في مكان آ��ر ؛ فيقول : " من قال لكم إن الجمال هو هذا ؟ ! إن الجمال هو الإخلاص !! "
وحسب [ الحب ] من البهاء والحسن أنه يطهر النفوس ، ويمحو صورة الرذيلة والحسد ، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ، ويحمل على كريم الطباع ، وعظيم الشمائل ، يقول :
" لقد صهرها بحبه وصهر ماضيها الملوث فأحاله بنار الهوى جوهرا خالصا ، ورفعها من حضيض الضيق الذي كانت تتقلب في ظلماته إلى سماء عالية رحيبة ، وليس كـ [ الحب ] – إذا لم يكن في حرام – مطهرا للنفوس ، ومصلحا للأمم ، وحافزا للفضيلة "
فالحب عنده عاطفة خيرة ، واثب إلى الجمال حسا ومعنى ، نازع إلى البراءة والطهر . يقول الشيخ أبو عبد الرحمن الظاهري : " لا أنكر ما يبعثه الحب من الأريحية وصقل النفس ، والمحبون أخف عباد الله نفوسا وألينهم حديثا ، وأعذبهم نبرة ، وأصفاهم عشرة ، وآنسهم مجلسا "
يتسع الحب في كتابات الشيخ حتى يغدو مالئ الدنيا وشاغل الناس ، ويضيق عالم الحب حتى يتقوقع في حدود الأنا يقول عن امرأة تعيش مع من تحب : " إنها في جنة الحب – إن الدنيا على سعتها أضيق من هذا العيش الذي تعيش فيه مع من تحب "
ويضعف الحب حتى يختبئ وراء النظرة والهمسة ، والرعشة ، والبسمة المومضة من الثغر الجميل ، ثم يقوى .. يقوى .. حتى أنه ليفعل بالدنيا الأفاعيل ، يقول : " الحب أضعف مخلوق وأقواه !! يختبئ في النظرة الخاطفة من العين الفاتنة ، وفي الرجفة الخفيفة من الأغنية الشجية ، وفي البسمة المومضة من الثغر الجميل ، ثم يظهر للوجود عظيما جبارا ، فيبني الحياة ويهدمها ، ويقيم العروش ويثلها ، ويفعل في الدنيا الأفاعيل
ويعجب الطنطاوي من [ الحب ] كيف كتب لنفسه هذا الخلود الفاعل في ظل وجود الذي لا يؤمن إلا بما هو مادي صرف ، وهذا ما جعل العقل يستشكل حقيقته الروحية التي صورها أساطين العشاق ، يقول :
" الحب أحجية الوجود .. ليس في الناس من لم يعرف الحب ، وليس فيهم من عرف ما هو الحب !! الحب مشكلة العقل التي لا تحل ولكنه حقيقة القلب الكبرى !! "
ولذلك كان الحب جوهرا فوق الزمان والمكان ، يحيا معه الكون ، ومعه يفنى ويزول ، لا تمحوه السنون ، ولا تعفي على ذكرياته الأيام ، ولا يزيد صبابته كر الجديدين إلا نضارة وجمالا ، يقول :
" لا ، إن الفناء لا يقوى عليها .. إن الفناء لا يدرك حقيقتها ، كما أن النسيان لا يقوى على محو صورها .. "
والحب - بعد – إشراقة للنفس وحياة للروح فمن لم يحب فليس من الأحياء في شيء ، وإن كان حيا في جسده متحركا ببدنه ، ويصور الطنطاوي حالة رجل ماتت محبوبته فيقول :
" قد ماتت في نفسه كل رغبة إلا رغبة الموت ، وماذا بقي له في الحياة بعدما فقد الحب ؟ ! "انتهى
هذه رحلة مع الأدب والفضيلة والوقار ، أدب نحلق فيه مع الروح في رحلة السمو ، ونرى من خلاله الجمال .. ونستلذ بما فيه من شهد المعاني ، وسكر الألفاظ ، وروعة التعابير !! بعد قراءة هذا السمو الأدبي للطنطاوي وغيره من جيل العصر الأدبي الجميل كالرافعي والمنفلوطي والزيات وشاكر والعقاد .. قارنوا بين أدبهم وأدب من لا أدب له من بعض ممتهني الحرف والأدب في عصرنا الحديث... المراجعة ل" بلقيس "
يقول الطنطاوي : يمضي عمرًا بعيدًا عنها خاليًا قلبه من حبها ، لا يدري بوجودها ثم يراها مرةً واحدة فيحسب أنه قد عرفها من الأزل ، أنه لم يفارقها ساعة، ويقسم أنها ما خلقت إلا له ولم يخلق إلا لها، ولا يعيش إلا لها وبها، فهما روح في جسدين : هي هو ، وهو هي ! ينظر بعينيها، ويسمع بأذنيها... ويطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغمًا عذبًا ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حُلمًا حلوًا.
سُئل علي الطنطاوي رحمه الله عن البيت يبنى على الحب وحده؟ فأجاب إن من الحماقة التي ليس وراءها حماقة أن تبنى الأسرة الثابتة على عاطفة متبدلة متحولة ومن الحماقة أن يبنى الزواج على الحب. وفي سياق آحر يقول : باقي العمر تعاون على الحياة وتبادل في الرأي، وسعي للطعام واللباس وتربية الولد، واسترجاع الماضي والإعداد للمستقبل، فعليك بزوجتك؛ عد إليها وانظر إلى إخلاصها، لا تنظر إلى وجهها ولا إلى جسمها لم أجد أصدق من تعريف طاغور : إن الجمال هو الإخلاص.
وبعد حديث مع الفتيات ، تحدّث مع الفتى المُحب فقال : ولو كان الشاب جادًا في حبه لطرق الباب، باب الزواج، ولم يدخل كما يدخل اللصوص من الشبابيك ، هذا رأيي الذي تسألنيه: أقبل على دروسك حتى تنال شهادتك وتستقر في الحيادة قدمك وبعد ذلك فكر في الزواج.
في المجمل الكتّيب رائع ويعرض لك رأي الشيخ علي رحمه الله في الحب وماهية الحب الحقيقة، وتطرق إلى الزواج عن حب ، والحب العذري في النسخة التي أحملها زيادات ففيها فتوى الشيخ في الحب. قرأته في جلستين.
كتاب جميل ومختصر، يعرض فيه الكاتب كتابات الشيخ الطنطاوي في الحب وفتاويه المختلفة حوله.. أعجبني محتواه طبعًا، لكن لنقل أنني خُذلت قليلًا بحديث الشيخ عن الحب في شيخوخته!
لكن غاية الكتاب قد وصلت إليّ تامة ولله الحمد، وهي فلسفة الشيخ في الحب استفدت منه كثيرًا ولله الحمد جزى الله خيرًا كاتبه وناشره، ورحم الله شيخنا الطنطاوي وجعل الجنة مثواه.. يستحق القراءة :)
كتاب يقع في حدود ال 80 صفحة يرسم لنا صورة شاملة عن نظرة أديب الفقهاء " علي الطنطاوي " للحب في مراحل حياته , عبر عدة اقتباسات له من كتبه ويضع فصلا يخص فتاويه في هذا الموضوع فها هو في مرحلة الشباب يقول : " لولا الحب ما التف الغصن على الغصن في الغابة النائية, ولاعطفت الظبية على الطلا في الكناس البعيد , ولا حنا الجبل في الوادي المتعزل , ولا أمد الينبوع الجبل الساعي نحو البحر , ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع , ولاكانت الحياة !
ثم بعدما دب المشيب إلى الشيخ وتصرمت عنه السنين وتوالت عليه الأيام بالأفراح والأتراح رسم صورة أخرى للحب في كهولته فقال : " الحب ربيع الحياة المزهر , ولكن الربيع ينتهي ولابد أن ينتهي الربيع , أيام الحب كأس مترعة بالشراب , ولكن الكأس تفرغ ويحس الإنسان بالظمأ , ولابد أن تفرغ الكأس"
ثم يذكر بديلا عن الحب في شيخوخته وهو " الذكريات " ما يبقى لنا بعد أن يتولى العمر ..
أحببت تعقيب حفيد الشيح " مجاهد ديرانية " الذى لاتكاد تخلو كتب الشيخ من تعقيباته وأيضا وجود عدة صور للشيخ في مراحل حياته
ماذا عساي أن أقول أمام روعة هذا الشيخ الفقيه الأديب الذي تجرأ وتكلم عن الحب؟؟؟ ومن حرم الكلام في الحب!!؟ مافي الحب شيء ولا على المحبين سبيل. لولا الحب مالتف الغصن على الغصن في الغابة النائية وما بكى الغمام لجدب الأرض ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع ولا كانت الحياة. الحب فراشة حلوة فيها أجمل الألوان. الحب زهرة فواحة ليس لها في الروض مثيل ولكنها تذبل عند أول لمسة. أعشق قلم الطنطاوي وهو كاتبي المفضل بلا منازع. دلّوني على كاتب واحد تخطى الإبداع والفن في الحديث عن الحب. دلّوني على قلم برع ورهف حسه من جمال الكلام.. وروعة التشبيه في الحب والغرام.. ولوعة العشق والهيام... سأترككم تبحثون.. ولكن اتركوني أيها العشاق ، اتركوني ، فقد أنستني الأيام كيف يكون الغرام!