كانت هزيمة يونيو إحدى الانعطافات السياسية والاجتماعية البالغة الأهمية، التي زلزلت (النظام الاشتراكي العربي)، والتي فسرها اليسار العربي المتقدم حتى في وعيه بأنها نتيجة أخطاء كبيرة في نظام البرجوازية الصغيرة وتردده بين اليسار واليمين! وأصيب محفوظ بصدمة نفسية وفكرية كما تجلت في أعماله التي أعقبت الهزيمة، مثل "تحت المظلة" والتي قاربت الهذيان، دون أن يكون فيها شكل فني محدد ومتبلور، وأعقبها بأعمال بين المسرحية والرواية، هي عبارات عن حوارات غامضة لم أصل إلى أبعادها وقتذاك. الآن وأنا أستعيد هذه اللحظات أتأملها على ضوء جديد، فنجيب محفوظ الذي ظلت جذوره الليبرالية تمنعه من التطابق مع النظام العسكري الوطني الشمولي، وجد من موقعه الشعبي الذي اغتنى بالتحليل الفني لمصر خلال نصف قرن، ومن خلال موقعه كمواطن مهمش في هذا النظام، إن تضاده مع هذا النظام ضروري لنمو صدقه الفني، حيث تتناقض الشعارات الضخمة للنظام والدهس اليومي للإنسان العادي، ولدهس الفكر والفن وغياب تلك التعددية الثرة الموجودة في النظام الملكي. ولكن نجيب محفوظ، من جهة أخرى، قد توقف عن التحليل الفلسفي والنظري عموماً، وهو الذي بدأ به حياته الفكرية... التصنيف
فالدين يلعب في " زقاق المدق" دور المظلة المقحمة وهو فهم ديني محافظ من الناحية الفكرية، ويعطي فكرة الإله حق التدخل في الطبيعة والمجتمع بصورة شاملة، فلم يصل هنا إلى فكرة الإله غير المتدخل وكون الطبيعة والمجتمع لهما سببيتهما المستقلة، وبعدئذ ينقلب على فكرة الإله عمومًا ويجعلها كمجرد لعبة اجتماعية أو مؤامرة، وذلك في رواية " أولاد حارتنا، ويغدو التمثيل الكاريكاتيري لها، ووضعها على جسم الحارة المعاصرة، تنميطًا معاصرًا وهو عدم فهم لفكرة الإله فلسفيا، وذلك يتجلى في التشيئة لفكرة الإله، والتجسيم والتجسيد البشري لهما، لكنه بعد ذلك يعيد فكرة الإله إلى تنميطها المحافظ، وقد رأينا كيف كان عامر وجدي في " ميرامار" يتحدث دينيًا، ففكرة الإله غدت مرة أخرى متداخلة في العمليات الاجتماعية بشكل مباشر.
[ نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، عبد الله خليفة، ص ٢١١-٢١٢، الدار العربية للعلوم ناشرون].
= هذا رصد من العلماني عبد الله خليفة لتطور فكرة الإله عند نجيب محفوظ وتجلياتها في أعماله الأدبية، وكما يُلاحظ فإن وجود فكرة الإله المهيمن على الكون والطبيعة في بعض أعمال محفوظ تزعج عبد الله خليفة، فهو يرى أن الكون والطبيعة تعمل بأسبابهما الخاصة! وكأن تلك الأسباب أوجدت نفسها بنفسها، فالأجزاء النقدية عند خليفة لنجيب محفوظ تكرّس لمضامين أكثر فسادًا من الترميزات الدينية لنجيب لمحفوظ في أولاد حارتنا أو الطريق أو الحرافيش أو غير ذلك من الأعمال، فهنا خليفة يتهم محفوظ أنه لم يفهم الإله فلسفيًا ( والأولى أن يقول دينيًا/ عقائديًا)، لكن لماذا لم يفهمه محفوظ بتصور خليفه؟! لأنه جسد الإله وشخّصه في أولاد حارتنا والإله ليس مادة كما يقول خليفة، وهكذا دون أن يحرر خليفة مفهوم المادة، فكثيرًا ما يستعمل البعض مفهوم المادة لنفي كون الرب له ذات مستقلة متصفة بصفاتها مستوية على العرش فوق السماوات، ويعدون ذلك توصيف للرب كونه " مادة" أو " متجسد" أو " متحيز"، مع أننا يمكن أن نقول أن محفوظ لم يجسد بل قام بالترميز، من هنا تصور خليفة أن الحرافيش تجاوزت هذه الإشكالية، إشكالية التجسيد، مع أن نفس الترميز حاضر أيضًا في الحرافيش لكن دون إشارة للذات الإلهية برمز كالجبلاوي [ تعالى الله عز وجل عن ترميزهم علواً كبيرًا].
فالشاهد أن خليفة في رصده لأعمال محفوظ رصد ترميز محفوظ في رواياته عند معالجة " السلطة السياسية = النظام الناصري" و السلطة الدينية = الرب عز وجل و الأنبياء" ، وبتفسير جهنّمي من خليفة قال بأن فكرة الإله المتداخل في كل شيء تتوافق مع المجتمع الدكتاتوري، وبالتالي محفوظ مقصر في نظر خليفة لأن نقد شمولية الدين لم يأخذ حقه في أعماله، وهكذا جعل خليفة الرب- عز وجل- مرادفًا للحاكم الدكتاتوري، لأنه في الحقيقة يريد ما يسميه بالدين الديمقراطي فيه رب هلامي ليس له كينونة، وطبيعة تعمل ذاتيًا من تلقاء نفسها، تعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا. نجمتان فقط لبعض تحليل الروايات الجيد