يستهل رفعة الجادرجي كتابه بأنه نواة فكرية ورواية لتطلعات تجمعت بمرور الزمن ـ ممارسة وتجربة وخبرة ـ حتى باتت أشبه شئ بمدرسة لها قواعدها وتأثيراتها داخل العراق وخارجه . غير أن الكتاب ليس تاريخاً لهذه الحركة أو المدرسة ، بل هو محاولة لتدوين سيرة معمارية كما أدركها الكاتب نفسه مع حلفايتها التي عايشها . لم تكن العمارة بالنسبة له مهمة فحسب ، بل كانت أسلوب معيشة ، لذا كان الكتاب عرض ذكريات عن فكره ، وذكريات عن خلق الفكرة أو النظرية ونموها وتطورها ، حتي بدت فلسفة مهيمنة على ممارسته ، يقتبس منه ويستشهد بها ؛ حاول الجادرجي هنا تحليل الظواهر المعمارية بموجب نظرية المادية الجدلية ، فقال أن المحتوى المعماري ما هو إلا الوظيفة المعمارية سواء الوظيفة النفعية بشتى فروعها أو الوظيفة العاطفية بما في ذلك النواحي الأستاتيكية والتعبدية والسياسية ، بل وحتى المزاج القومي والوطني والدور التاريخي الذي يمر به المجتمع .. أما الشكل فهو ذلك التكوين الهندسي الذي يظهرلنا هذا المحتوى ويعتمد عليه ويكمن فيه ؛ فإذا أردنا عمارة جيدة فعلينا أن نأتي بمحتوى جيد ، وبما أن الشكل هو تحصيل حاصل للمحتوى فإنه يصبح بالتبعبة وبصورة تلقائية جيداً .
ويخلص الجادرجي في تنظيره أن المحتوى هو ذلك المطلب الأجتماعي الذي يتكون من مكونات عديدة بما في ذلك الوظيفة والتقنية ، وهذه تتشابك وتتفاعل إلى أن تصبح مطلباً . وبهذا المفهوم يصبح تقييم العمارة عبارة عن أداة لفهمها وليس مجرد أداة سياسية بعد إستيعاب العلاقة و بين المحتوى والشكل بنظرة موضوعية . والمسألة إذن هي مطلب يتفاعل مع أسلوب أنتاجي فتكون الحصيلة ظهور شكل ، أو بعبارة أخرى عند تبلور متطلبات ثانوية وظيفية متعددة النفعية منها والعاطفية في كيان موحد ودخول هذا المطلب الموجد في تفاعل مع الأسلوب الأنتاجي يتولد في نهاية هذه العملية التحويلية شئ جديد هو الشكل ؛ جديد لأنه غير مطابق مع مكونات المطلب وغير متطابق مع أسلوب الأنتاج .. وبتولد شئ جديد نكون قد حصلنا على تحويل نوعي ن ولا تحويل نوعي دون أن يتم تفاعل متبادل جدلي . ويعرف الجادرجي نظريته في جدلية الشكل : " الشكل هو الحصيلة المادية لتفاعل جدلي متبادل بين مطلي أجتماعي متمثل بفكرة من جهة ، ومن جهة أخرى التقنية المعاصرة له متمثلة بعناصرها الفكرية والمادية والذاتية الخاصة .. " . وهكذا إذا نظرنا إلى العمارة نجد أن وجودها وتطورها وتنوعها يخضع لهذه السُنة في التناقض والتفاعل ، ثم التحول النوعي ، وذلك بين القطب الأول المتمثل في المطلب الأجتماعي وبين القطب الثاني المتمثل بالأساليب التقنية ، وحصيلة هذه العملية تظهر لنا ، لأحساسنا في مضمار الشكل على صورة عمارة .
ويشمل الكتاب ممارسة رؤية الكاتب ونظريته حول جدلية العمارة ، ويحتوى الكتاب على خمسة فصول تبدأ بعرض لبدايات الرحلة والبحث ما بين الشرق والغرب ، ثم طرح للمانفستو وتوطئة أطروحة النظرية ، وتفصيل البحث نحو جدلية العمارة كما طرحها حينها سنة 1950
من أجمل الكتب اللي قرأتها عن سير المعماريين بشكل عام , تحولات الفكر اللي كانت محيطة برفعة الجادرجي تركت اثرها بشكل عميق على فكر المعماري و المنظر الأبرز في عالم العمارة العربية، بدءاً من طفولته مروراً بتفاصيل الدراسة ويومياته التي حدثت فيها اتذاك كلها تعطي القارئ صورة جلية عن التراكم المعرفي الذي شكل فكر الجادرجي وبلا شك البحث الذي ارفقه بالكتاب وكان بحث التخرج من مدرسة هامرسث بحث عميق يحاول فيه الجادرجي الربط بين تكنولوجيا الحديثة انذاك والفكر الذي نتج عنها .
بعد قرائتي السابقة ل ( الاخيضر والقصر البلوري) والان ( شارع طه وهامرسمث) يمكن تصنيف نظرية ((جدلية العمارة ))ل رفعة الجادرجي ب ( نظرية كلاسيكية) وما اقصده بالكلاسيكية هو نظرية انتجت فيما مضى ولا زالت الى اليوم فعالة ويمكن تطبيقها واستخدامها لفهم وتفسير الجدل حول العمارة .
يتحدث المعمار رفعة الجادرجي في كتابه عن جزء من سيرة حياته ابتداءً من شارع طه الذي كان يسكنه في بغداد وانتهاءً بمسيرته الدراسية في مدرسة هامرسمث. تناول الكتاب طروحات المعمار المهمة في موضوع الجوانب الاجتماعية والفنية في صنع العمارة، ومراحل تطورها ونتائجها ومؤثراتها في العمارة بما يخص الزمان والمكان. وتحدث عن العلاقة بين هذه الجوانب وكيفية رجاحة إحداها على الأخرى في كفتي الميزان، ويكون الناتج المعماري مختلفاً في كل مرة. وانتهى بمفهوم التناقض الجدلي بين المطلب الاجتماعي والمرحلة التقنية، وعدم إمكانية ظهور أحدهما للوجود دون الآخر، واختلاف نسبة التحقق فيما بينهما.
الرحمة والخلود لأستاذنا الكبير وفيلسوف العمارة العراقية المعمار رفعة الجادرجي.
كتاب ممتع يحكي سيرة المعماري العراقي رفعة الجادرجي: نشأته في العراق واحتكاكه بالأجواء الثقافية في تلك الفترة-صِلات والده كان لها دور كبير في ذلك-ولعه بالفنون وكيف قاده إلى دراسة العمارة، سفره للدراسة في هامرسمث وجولاته المعمارية في إنجلترا وفرنسا، وأخيرًا نشأة النظرية، وقد أرفقها بتمامها في نهاية الكتاب.