*كتبت على كل جزء من أجزاء النشوار في هذا البرنامج مراجعة، أما هذه فهي انطباعاتي عن الكتاب عامة.
-هذا الكتاب هو ديباجة الحياة العباسية في القرن الرابع، بتنوعه، وتفاصيله، وبما لم يوجد في كتاب قبله، كما شرط المؤلف على نفسه، وقد أذهلتني كثرة أقسام الناس التي دون التنوخي في كتابه أخبارهم، نحو مئتي قسم، استطاع التنوخي ببراعة أن يؤلف بينهم في كتابه، كما تؤلف الحياة بينهم في الواقع، فجاء كتابه ناظماً للحياة العباسية بجميع أشكالها، وهذا زاد الكتاب غَناء.
-الكتاب كله قصص يُخيّل للقارئ في بدايتها، أن التنوخي ليس له إلا الجمع والترتيب، ولكن الحق أن شخصية التنوخي حاضرة بقوة في الكتاب.
قصص المعتزلة، قصص القضاة، قصص رجال الدولة، قصص تغض من الصوفية والحنابلة، قصص البصرة، قصص المنجمين، هذا كله كان جزء من القاضي التنوخي، واختياره له دل عليه، وقد قال الأول:
قد عرفناكَ باختياركَ إذ كانَ دليلاً على اللبيبِ اختياره
-ما أشد أسفي على ما ضاع من هذا الكتاب، فقد حُرمنا من أسلوب التنوخي في التأليف بين القصص، وترتيبها بطريقته الساحرة، وحرمنا من الثروة المعرفية من القصص المفقودة، يسّر الله العثور عليها.
-لا أحسبني سأقرأ في التراث كتاباً، يفصّل في الحياة الاجتماعية والسياسية ككتاب النشوار، حقاً كان التنوخي ذكياً حين فكر بجمع هذه القصص. لقد كان هذا الكتاب منهلاً للمؤرخين كالصابي والخطيب وابن الجوزي، بل وحتى للسيوطي بعدهم بقرون، وهذا من فضل الكتاب.
-كان الكتاب إلى جانب احتوائه أسرار السياسة، يضم بين دفتيه كثيراً من قصص الناس، ناس عاديين في حياتهم، في قصص ليست مزخرفة منمقة كألف ليلة وليلة، أو محصورة في فئات كالأغاني، بل هي قصص منثورة، على جميع أقسام الناس.
لقد قدرت من هذا الكتاب، أن أعرف قصص الإنسان في أحوال الحياة الكثيرة، من قصص كتلك التي تروى في مجالسنا، وتبسط في أحاديثتنا، لا يشينها تكلف، ولا تعيبها مبالغة، دونها التنوخي لأنه عرف قدرها، فكانت زهرة الكتاب، وتحفته التي جمّلته زيادة على جماله.
- الجهد المبذول من المحقق عبود الشالجي كان كبيراً، وهو لا يخفى على من قرأ الكتاب، ولا يحتاج أن أنوّه به هنا، ولكن أزعجتني كثرة تكرار الحواشي، لم أفهم هذا ولم أعرف له نفعاً.