كان صوت المؤذن يصل إليه قليلاً مبدداً من المئذنة البعيدة. عرفه كان يضيف نغمة حزينة إلى كلمات الأذان الأخيرة، يصل صداها إلى يعقوب وهو في الأرض الصغيرة الواطئة، يرتفع صوت المؤذن حيناً فيتضح، ويتهيأ ليعقوب أن الرجل اقترب مسافة منه. لكن يعود فيبتعد. كان الرجل في رأس المئذنة القليلة العلو. يضع كفه بين أذنه وذقنه ويقدم رأسه حين يقرأ كأنما ليسمه صوته إلى بشر حسبهم موزعين في الجلول عند أطراف الضيعة.
حسن داوود — روائي لبناني، مواليد بيروت 1950. حاز شهادة الكفاءة في الأدب العربي من كليّة التربية، الجامعة اللبنانية. عمل في الصحافة الأدبية في السفير التي أدار تحرير ملحقها الأسبوعي، وفي الحياة (-1988 1999)، كما في المستقبل التي رأَسَ تحرير ملحقها الثقافي «نوافذ» (1999-2012).
صدرت له مجموعات قصصية وأعمال روائية من بينها «بناية ماتيلد» (1983)، «غناء البطريق» (1998) التي حازت جائزة المنتدى الثقافي اللبناني في فرنسا، «مئة وثمانون غروباً» التي مُنحت جائزة المتوسط الإيطالية (2009)، و«لا طريق إلى الجنّة» التي نالت جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية (2015). وقد تُرجمت رواياته إلى لغات عدّة.
صمت و وصف ، رغبت كثيراً برؤية افكار الحاجة اكثر و طفولتها ، اهلها و زوجة يعقوب الاولى، شعرت ان الرواية مثل تصوير فيلم صامت لفترة مقتطعة من حياة جميع ابطال الفيلم، شممت رائحتهم و لبست ثيابهم و دارت عيوني كما دارت عيون قنوع و تعبت رجلاي كما تعبت رجلا يعقوب و شعرت بالامل و الاختناق مثل شعور الشيخ .. اكثر ما اثار اعجابي بالكتاب هو وصفه لجلسات النساء كأنه جدد لي ذكرياتي عندما كنت طفلة و ذهبت لمكان مع امي و نظرتي الفضولية المتفحة لجميع النساء حولي ، شعرت انني اتذكر كل تفصيل في ذلك اليوم بسبب وصف حسن داوود . ثيابهن ، نظراتهن ، طريقة مشيهن ، ضحكهن و خوفهن وصِفَ بشكل يجعلني اشعر انني جالسة و اراقب كل شيء . اما نهاية الرواية فقد كانت واقعية، واقعية جداً مرضية و مقبولة .. اريد ان اذكر شيئاً اخيراً هو شعوري بالانتماء و المعرفة المُسبقة كأنه لا يتكلم عن الضيعة و بيروت بل يتكلم عن اقضية ميسان و بغداد .
تنساب احداث الرواية بصمت مع انها ملئ باناس ينحشرون في مساحات الرواية الضيقة لكن دون حوار. حتى الشخصيات الرئيسية، تدفع بالاحداث بلغة جسدية تخلو من الاصوات. الشيئ الوحيد الذي نسمعه في الرواية هو صوت الاطفال ممزوجا مع صراخ امهاتهم، وعويل النساء المنكوبات و حفيف شجرة الصفصاف.