"وفتحت الباب على مهل، فرأيت ظهره، كان جالساً إلى الطاولة. وسرت على رؤوس أصابعي. إنني لا أريد أن يتنبه إلى وجودي. وأطللت من فوق كتفه، كاتمة أنفاسي. كان أمامه ورق كثير أبيض. أليس هذا مطهره؟ وذكرت ثلج بعلبك. إنه يكتب... وقد خيل إلي أن أصابعه التي تمسك بالقلم، كانت تحترق. إنه يكتب".
مواليد بيروت سنة 1925م، درس في الكلية الشرعية وتخرج منها شيخا عالما ورجل فقه، وبعد تخرجه سنة 1940م تخلى عن زيه الديني وعاد إلى وضعه المدني. وبعد ذلك بدأ يمارس الصحافة منذ سنة 1939م؛ لكنه استقال ليتابع دراساته العليا في باريس قصد تحضير الدكتوراه في الأدب العربي تحت إشراف أساتذة جامعة السوربون.
وقد نال فعلا شهادة الدكتوراه واستوعب جيدا الفكر الغربي وتياراته الفلسفية عن طريق القراءة والترجمة والاحتكاك المباشر.
وعند عودته، أنشأ سهيل إدريس مجلة الآداب سنة 1953م بالاشتراك مع المرحومين بهيج عثمان ومنير البعلبكي،
ثم تفرد بالمجلة سنة 1956م ودافع كثيرا عن التيار الوجودي، وترجم الكثير من إبداعاته.
وقد كانت المجلة دعامة أساسية للشعر التفعيلي والقصيدة النثرية والحداثة بصفة عامة.
وفي سنة 1956م، أسس سهيل إدريس دار الآداب بالاشتراك مع نزار القباني، الذي اضطر لاحقا إلى الانفصال عن الدار بسبب احتجاج الوزارة الخارجية السورية.
وعمل في سلك التعليم مدرسا للغة العربية والنقد والترجمة في عدة جامعات ومعاهد.
وأسس اتحاد الكتاب اللبنانيين مع قسطنطين زريق ومغيزل ومنير البعلبكي وأدونيس، وانتخب أمينا عاما لهذا الاتحاد لأربع دورات متتالية.
في هذه الرواية يتناول سهيل ادريس عبر شخصيات روايته التي هي شخصيات مثقفة حياة الاديب ومعاناته وصراعه مع اعداء الفكر ومع حياته الخاصة ومع قلمه الذي يعتبره الرئة التي يتنفس بها، وما يميز الكاتب سهيل ادريس هو حرية فكره وقلمه التي تقضي على الجمود الفكري وتفتح افاقا واسعا للانسان. تدور احداث رواية" اصابعنا التي تحترق" حول سامي الاديب والكاتب والمثقف الذي يصارع واقعه وذاته ، تعكس شخصية سامي معاناة الكاتب، سامي الذي يريد الانتصار لحرية الفكر وقضايا امته التي هي مليئة بالصراعات والانقسامات، وهو الذي يريد ان يجمع بين الكتابة والحب ولقمة عيشه. والبطل الاخر للرواية هو زوجة سامي "الهام"الزوجة المثالية التي تريد مساعدة زوجها لمواجهة قمع الفكر عبر مساعدتها ومساندتها له في مجلة "الفكر الحر" التي يديرها سامي وصراعها مع الفقر ومواجهة الفشل ، والمواجهة الكبرى وهو مع ذاتها وشكّها وقلقها من ماضي زوجها ، هذا القلق الذي لايريد ان يفارقها معرضا زواجها من الشخص الذي تحبه للخطر.
تشابكاتُ الحياةُ وتناقضاتها ، القيام بعبئها وشقّ زخمها المرهق ببسالة ، قصّة أديبٍ يحيا فترة ً مليئة بالتنازعات السياسيّة والعاطفية ، يعمل كرئيس تحرير لمجلة أدبية والتي فيما بعد يستقل بملكها ، له وجهة نظره الخاصة في كافة القضايا التي كانت تزخر بها تلك الفترة من تاريخ لبنان ، ومبادئه التي لا يحيد عنها .. يعاني من حالة جفافٍ كتابيّ بعد أن أنتج روايته الأولى ويسعى في النهاية للاستقرار بعدما يتعرف على ( إلهام ) ويجد فيها خير شريكةٍ للدرب الذي قد اختاره ، نازعاً عنه ماضيه بأكمله ، بنسائه ، بمغامراته ، بصوره المتقلبة .. و تستمر معهُ الحياة ، يرسم أحلامَهُ ويخطّط لآمالهِ ، محاولاً أن يتفادى أنفاس الماضي التي ينفثها رغماً عنه . أصابعنا التي تحترق .. كانت قراءة لطيفة ،و أجواء مصحوبة بالانسجام .
جميلة مع بداية مملة ، اخذت جماليتها بعد تغيير الراوي في القسم الثاني من الرواية برأيي هذه الرواية تتمة لراوية سابقة للكاتب ( الحي اللاتيني ) لكن بأسماء جديدة .