هذه أطروحة أستاذي الدكتور أحمد الطعان للدكتوراه، وهي عندي من أكثر الدراسات عناية بتمحيص الأصول الفكرية للعلمانية، حيث لم يترك شاردة ولا واردة إلا وخصص لها مبحثا ثم قتلها بحثا. أنصح بالكتاب لكل طالب علم يبحث عما يغنيه في فهم العلمانية، وأشير إلى أن الدكتور قد اعتزل العمل الأكاديمي والتحق بالثوار في سورية، مقدما مثالا رائعا للعالم المجاهد.
اعجبتني مقدمة الكتاب وهي رسالة دكتوراه للطعان فباشرت قراءته غير أني وجدته كتاب رديء في المناقشات المحورية وميزته تكمن في استقصاء آراء الهرمنيوطيقيين . كتاب عادل ظاهر الأسس الفلسفية للعلمانية أجدر بالقراءة خصوصاً لكتاب بهذا الحجم.
هذا الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية الشريعة بجامعة دمشق، ويمكنني القول بأن هذا الكتاب يعكس معركة فكرية ضخمة طرفيها الأصوليين والعلمانيين.
فقد احتدم الصراع بين الإسلاميين الأصوليين والعلمانيين بداية القرن العشرين ولا زال مستمراً وسيستمر إلى ما شاء الله، وفي هذا الكتاب الشامل يناقش فيه كاتب الرسالة هذا النزاع بين هذين التيارين الفكريين وأكثر الأفكار الجدلية التي أثارها التيار العلماني. والكاتب كأصولي يعرض أفكار أقطاب التيار العلماني في العالم العربي متمثلاً في أركون والجابري وأبو زيد وعلي حرب وعادل ضاهر وعزيز العظمة وسيد القمني وطيب تيزيني والشرفي وغيرهم الكثير... والأفكار التي حاولوا إيصالها من تاريخية القرآن وعلومه وأحكامه، ومركسة الإسلام أو علمنة الإسلام والتغريب وغيرها... ، والمناهج التي اعتمدوها كالبنيوية والتفكيكية والهرمينوطيقا ...، يعرضها جميعاً ويحاول تفنيدها والرد عليها.
بداية يدرس صاحب الرسالة العلمانية بشكل مفصل، من ناحية المعنى اللغوي والإصطلاحي ، وأنواعها وصورها (المعتدلة والمتطرفة الشاملة والجزئية المرنة والصلبة..الخ) ويناقش بإسهاب بعض المصطلحات المتداخلة والدقيقة التي تدور في حقل العلمانية، وكيف نشأت العلمانية وانتشرت تاريخياً في السياق الأوروبي الغربي بدايةً -باعتباره المنبع الأول للعلمانية - والعوامل التي ساعدت على ظهورها وأدت إلى تفشيها، وما رافقها من حركات وفلسفات مادية وإلحادية وشكية ومناهضة للدين، أصبحت فيما بعد مصطلحات متقاربة تحاكي وتعبر عن واقع واحد ظهرت في ظله كل هذه المصطلحات، وكيف أن العلمانية نفسها مفهوم لم يكن معروف وثابت بهذا المعنى اليوم، حيث أنه مفهوم أخذ يتطور شيئاً فشيئاً، فلم تأخد العلمانية شكلها ومعانيها وغاياتها الحالية إلا في القرن التاسع عشر، حيث تكونت لها أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفلسفية تقدم رؤية شاملة للكون.
بعد إنهاء الكاتب مقدمة عن العلمانية، يعرض الكاتب كيفية وصول الفكر العلماني إلى الفكر العربي من ناحية تاريخية وفكرية، تهميداً لعرض لب رسالته، فيعرض أطروحات الخطاب العلماني في العالم العربي وماذا يريد؟ وماهي رسالاته؟ و إلى ماذا يدعو؟ و يبدأ بعرض أفكارهم و من ثم مناقشتهم ونقدهم في أطروحته هذه.
يمكن اعتبار هذه الرسالة من أهم الأعمال التي يمكن الإعتماد عليها كمدخل شامل لمن يريد التعرف على الحركات والتيارات الفكرية المعاصرة التي ظهرت في العالم العربي و الإسلامي، كالعلمانية و الماركسية و الهرمنيوطيقية والتاريخانية والبنيوية والتفكيكية إلخ..، يعرضها الكاتب بشكلٍ مقتضب.
فالكاتب نقل كلام المفكرين العلمانيين بشكل بارع ومختصر، و عرض أفكارهم بصورة سلسة، لكن تسائلت في مواضع كثيرة من الكتاب، هل الكاتب فعلاً يناقش وينقد الآراء التي يعرض لها؟ في أحيان كان الكاتب موفقاً في نقده، وفي بعض الأحيان لا نرى رداً حقيقياً، فنجده أحياناً يهجم ويتهم ويتهكم، لا رداً فعلياً على ما يعرض له من أفكار ونظريات. وهناك بعض المسائل أعتقد أنه كان من المفترض ألا تُطرح أساساً، والكاتب بصفته أصولي راديكالي، نجد بعض الردود مقنعة عنده والبعض الآخر منها غير مقنعة بطبيعة الحال.
وبغض النظر عن بعض ردود الكاتب ورفضه لكل أشكال العلمانية وما يطرحه مفكريها من أطروحات جملة وتفصيلا، الا أني استفدت من هذا الكتاب المهم كثيراً.
الكتاب مهم جدا للباحث في أصل العلمانية التاريخي في الغرب وعند العرب. بالإضافة لذلك ، يعطي الكتاب تبويبا مفيدا جدا للمداخل التي يتسلل من خلالها المفكرين العرب لمحاصرة النص القرآني ووضعها في سجنه الزمني. من هؤلاء المفكرين كان : محمد عابد الجابري - محمد أركون - نصر حامد أبو زيد - قاسم الحاج أحمد - الطيب تيزيني - مراد وهبة .. وآخرون.
بالإضافة ، يناقش الكتاب مبحث "الهيرمونطيقا" أي مبحث فهم النص ويناقش جدوى اسقاط الفلسفات الوضعية والتفكيكية على النص القرآني.
يعطي الكتاب تبويبا مفيدا جدا للمداخل التي يتسلل من خلالها المفكرين العرب لمحاصرة النص القرآني ووضعها في سجنه الزمني. من هؤلاء المفكرين كان : محمد عابد الجابري - محمد أركون - نصر حامد أبو زيد - قاسم الحاج أحمد - الطيب تيزيني - مراد وهبة .. وآخرون
يعد هذا الكتاب موسوعة ضخمة, جمع فيه مؤلفه قدراً كبيراً من تقريرات الخطاب الحداثي ومواقفهم, وحشد فيها جملة كبيرة من نصوصهم ومقالاتهم, وهو يعد خزينة كبيرة تقدم خدمة عالية لمن يقصد الوقوف على حقيقة المشروع الحداثي, ولكن ذلك الجمع على حساب النقد والتمحيص, فقد بدت هذه المهمة خافتة.
كتاب رائع في طرحه ، وجدته صدفةً خلال بحثي يحاول اقصاء العلمانية من وجه ديني قائم على البرهان فوجدته ، وما جذبني إليه هو تقديم الدكتور الرائع محمد عمارة له ؟