مترجم له ترجمات كثيرة للأدب العالمي، قيل في وصف ترجماته أنها ضعيفة و سيئة المستوى، و وقفت على تغريدة عبر شخص يسمي نفسه عبدالله الهدلق، يقول فيها: "الدكتور رحاب عكاوي لص كبير من لصوص الترجمة ، وقد عاتبت الناشر الذي ينشر له في أحد معارض الكتب وبينت له سرقاته ولكن لا حياة …" * سبب عدم إيراد سيرة مفصلة عن المترجم هو تعثري في البحث عنها عبر الإنترنت و توصلي بالمقابل للعديد من القراءات الساخطة و الناقدة على مسيرته العملية بشكل عام.
لِنقف مع هذا الكِتاب وقفةً مطوّلةً فهو حريُّ بها، فإن كان من حُسن تقديم أ. رحاب عكّاوي لمُعضِلة الشرق مُنذ ما ينيف عن القرنين، ففي ذلك تجد هذا البيان الجليّ: والشرق في الحقيقة يعيش منذ القرن التاسع عشر على أساسين مختلف، قديمٌ موروث عن الأسلاف، وجديد مأخوذ عن الغرب، يظهر ذلك في ملبسه ومسكنه وشارعه وجمعياته وأنديته وأفكاره. وهذا الأساسان يتفاعلان تفاعلاً عجيبًا، ويتصادمان أحيانًا تصادمًا مدوِّياً، فترى الرجل يلبس اللباس الشرقي ويتحدث في الهاتف المصنّع في الغرب، ويحمل ساعة صُنعت في سوسيرا، وفي المجلس الواحد حديث عن السحر والتعاويذ، وحديث عن نظرية دارون في النشوء والإرتقاء ونظرية آينشتين في النسبية. وفي الناس من يمجّد كل قديم ويمقت كل جديد، ومن يعظّم كل جديد ويكره كل قديم. والأساسان يعملان في كل أمة شرقية وإن اختلف مقدار كل عنصر في طبقاتها المتباينة، فالطبقة الفقيرة يتجلّى فيها العنصر القديم، والطبقة الغنيِّة على عكس ذلك، وفي امتزاج العنصريِّن ضرّ وخير فإلى أي حدِّ يمكن أن يتنفع بخير الجديد ويتجنّب شره، وإلى أي حد يُنتفع بخير القديم ويتجنّب شره إيضًا؟ هذا أيضًا ما شغل عقول المصلحين في ذلك الوقت...ويكمل في ذلك عارضًا صورًا وألوانًا من التمثيلات والتشبيهات..إلى أن يعرض لعمل المصلح فيقول: وعمل من أشقّ الأعمال وأصعبها، فهو يحتاج في معالجة من إصلاح إلى درس دقيق وتفكير عميق، حتّى يحيط بالمشكلة التي يواجهها جملةً وتفصيلاً، ثم يضع خطّة الإصلاح بإتقان وإحكام على ضوء مدرس، ثم هو يُعدّ الرأي العام لتقبّل دعوته. وهو في العادة يلقى العقبات في طريقه، لأنه بإصلاحه يدعو إلى نوع من التجديد، والناس عبيد ما ألفوا، فإذا دُعوا إلى جديد لم يألفوه خاصموه وحاربوه، فإذا ألحّ المصلح في دعوته ألحّوا في خصومتهم، وكثيرًا ما تنتقل الخصومة إلى الأذى، فيتّهم المصلح في عقله وفي أمانته وفي شرفه، ولربما سُجن أو نُفي أو قُتل، ولكن لا يكون المُصلح مصلحًا حقًا حتّى يؤمن الإيمان العميق بدعوته، وحتّى تكون مبادئه أحب إليه من نفسه، فيصبر على الأذى ويتحمّل العذاب بثباتٍ حتّى تنتشر دعوته وتتحقق مبادئه..
هذا في ما يتعلّق بحديث أ. رحاب وإعطائه لنظرةٍ عامّة شاملة عن حال الشرق مع الغرب، ودور المصلح فيه.
وفي حديثه عن الإمام محمد عبده يتحدّث أ. رحاب عكّاوي ويفصّل تفصيلاً ملِّما بحوادث حياته وما عرضَ عليه وما مرّ به وكيف تبدّلت في سراديب دهره الفصول؛ فلا يجمل الكلام بل يتحدّث عن تفاصيله ونِضاله ضِد الإستعمار وَ وقوفه في وجه عائلة محمد علي في مصرَ، بل يذهبُ أكثر من ذلك إلى الحديث عن تفاصيل الخِلاف والمقالات الّتي نشرها في تلك الحِقبة؛ ويتحدّث بعد عن مجلّة العروة الوثقى وكتابه رسالة التوحيد وتحريره لمقامات بديع الزمان، وشرحه لإسرار البلاغة، وعمله في مختلف المهام اللغويِّة في تحرير المقامات وإسرار البلاغة والسياسة في الثورة والعقديِّة في معركته الخاسرة ضد الأزهر..وكيف سعى إلى شحذ الهِمم وإسهاب جمال الدين الأفغاني في شخصِه ورونقه؛ وقعتُ على الكِتاب مصادفةً فكان من أجود الكُتب إلمامًا في الشأن الّذي خصّصه إليه أستند أ. رحاب إلى العقّاد ومحمد عماره وإلى إطلاعه الواسع كذلك في هذا الشأن..أخِتم هذه المراجعة بما كتبه هارولد سبندر عن الإمام حين تلاقيا..فيقول: .. هنا أمسك مستر بلنت عن الكِلام، والتفت فجأة لسماعه وقع حوافر حصان، فقال: هاهو الرجل .. فالتفتّ مثله، فإذا بصورة إنسان يقول الناظر إليها إنها برزت من كتب الأنبياء الأولين، شيخ حسن البزّة، جهير الصوت، يمتطي فرسًا عربيًا كميتًا جميلاً يقبل نحونا على مهل، وعليه الأردية الطويل؛ التي لا تزال تُضفي على الإنسان في بلاد الشرق رونقاً ورواءً، وفوق رأسه العمامة الكثيفة الّتي هي الوقاية الحقيقة من حر الشمس. ولمّا انتهى إلينا ترجّل وتلطف في تحيّتنا، وتناول معنا فنجان شاي، وأنشأ يحدثنا بالفرنسية، وكان حديثه حديث مراقب مفكر وقف يرقب الحوادث من مكان بعيد، وتمى فيما سبق لوطنه أماني كبارًا، ولكنه تخلّي عنها، وإن يكن من البيِّن أنّ نيران غيرته القديمة كانت لا تزال مشتعلة في نفسه، وكنت ألمح في عينيه ذلك الابتسام المشوب بالكآبة والرحمة، الذي لا يُرى إلاّ في وجوه من قاسوا كثيرًا من الأهوال والشدائد..
ونحن إذ وقفنا هنا لم نكن من المُخلصين حقًّا فلم أشر في كلِّ ما قُلتُ إلى جوهر الرسالة والدور الّذي أراد الشيخ فعله، وأنصح بالعودة إلى الكِتاب للمزيد وإنما سأذكر جانبًا موجزًا في بابٍ من الأبواب الثلاثة وهوَ: الديني: قدّر محمد عبده العقل الإنساني حق تقديره ومكانته وقدراته في البحث والنظر والوصول إلى حقائق الأشياء في هذا الكون، وهذه الحياة، حتّى إنه قد جعل منه المرتكز الأول والأساس للنشاط الإنساني في حقل التربية والتعليم، فنحن نشهد إعلاءه شأن العقل في تفسير القرآن وهو كتاب الدين الأول، ورأيه في وجود أن يطرح الذين يريدون تفسير القرآن حديثًا مستنيرًا أن يطرحوا جانبًا رؤية السابقين من المفسرين، وأن يتردّدو فقط بالأسلحة والأدوات اللغوية ومعلومات السيرة النبوية، ومعارف التاريخ الإنساني عن حياة الكون والشعوب التي يعرض لها القرآن. إنه يعتبر أن رؤية المفسّرين الأسبقين قد ارتبطت بالمستوى العقلي ودرجة العلم الّتي بلغوها وتحصلت لمجتمعاتهم وبيئاتهم الثقافية، وليس بالضرورة أن يكون عقلنا واقفًا عنذ ما بلغوه فقط، ولا أن تكون حصيلتنا الفكرية هي ما حصّلوه فقط...لقد أعلى شأن العقل كقوّة من قوى الإنسا عند مقارته بالقوى الأخرى التي يتمتع بها هذا الإنسان. وهو يقف في هذا الأمر قريبًا جدًا من موقف الفلاسفة الإلهيين ومنهم المعتزلة ... كما لا يخفى إقترابه من السلف في باب الإعتقاد كما أشار إلي ذلك أ. عكّاوي في غير ما موضع..
أريد الإشارة إلى نقطة أظنّها ملمح رئيس إقتطفتها من حياة الإمام وهو العمل الدؤوب فهو بالكاد يلتقط أنفاسُه ويستريح، ولا ينشغل بما يتعرّض إليه، بل تجده متأهبًا للعمل في أسوء الأحوال على الدّوام فحين نُفي من مصرَ، بدأ مباشرةً تدريس القُرآن في بيروت، وكتب رسالة التوحيد وحرّر المقامات، فلم ينشغل وهو في هذا الوضع والحال بالرثاء على نفسِه وإطالة الفكر والنظر وإنماأ إنشغل بالعمل الجاد المُخلص..جزى الله مسعاه على ما بذل فكما أشار عكّاوي في مقدِّمته تجد ظِلال الإمام في كلِّ زاوية من نهضة مصر الفكريِّة فالعقّاد قد كتب عن الشيخ كِتاب، وفعل عبدالرحمن بدوي ذات الشيء، وأنتهج نهجه في النقد الجاهلي طه حسين كما يقول عكّاوي وحضر محمد أمين عليه دروسًا في الأزهر - كما يقول في سيرته - فأُخِذ بجمال جلاله، تجده عبق رحيقه في زوايا كثيرة...ولعلّ في هذه إشارة على ما كان عليه من الإخلاص فهو يرى أن ما يلزم المصلح هو الإخلاص وقوّة الأخلاق..والله الموفّق وإليه المرتجى