الوثيقة هي الوصية السياسية لأحد أهم الشخصيات البارزة في الحركة الاشتراكية العالمية. وفي الحركة الفكرية الاشتراكية في روسيا.
ولعل بليخانوف.. صاحب الوصية.. هو أحد الآباء الروحيين للأفكار الاشتراكية في روسيا.
الأمر الذي يعطى هذه الوصية صفة الوثيقة التاريخية الخطيرة. خاصة وأنها قد تضمنت العديد من الأفكار الهامة والمركزة بخصوص ما حدث طوال القرن العشرين. وما يحدث الآن. وما سوف يحدث لسنوات طويلة قادمة.
وإذا كان انهيار الاتحاد السوفيتي يمثل واحداً من أهم أحداث القرن العشرين. بالضبط مثل قيامه. وإذا كان قيامه ببداية الثورة البلشفية عام 1917 قد غير وجه الخريطة السياسية والجيوبوليتيكية للعالم. فهو في المقام الأول قد غير الخريطة الاجتماعية للعالم طوال القرن.
فهذه الوثيقة الهامة في إطار ما يطرح اليوم من أفكار حول انهيار التجربة السوفيتية والعولمة وتلاشي الأيديولوجيا وصراع الحضارات تمثل وجهة نظر هامة للغاية.
مؤلفات: 1- "قصيدة سرمدية في حانة يزيد بن معاوية"، مجموعة قصصية. دار النهر، القاهرة 1996. 2- "خرابيش"، مجموعة قصصية. دار النهر، القاهرة 1997. 3- "العطش"، مجموعة قصصية. دار سما، القاهرة 1997. (طبعة ثانية)- الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة-2002. 4- "المسرح الروسي بعد الانهيار". هيئة قصور الثقافة، القاهرة 1999. 5- "غواية إسرائيل: الصهيونية وانهيار الاتحاد السوفيتي". دار حور، القاهرة 2000. 6- "عشر سنوات على انهيار الاتحاد السوفيتي". مؤسسة سطور، القاهرة 2001. 7- "يناير"، رواية. دار ميريت. القاهرة 2002. 8- "مقاطع من حياة أبو الوفا المصري"، رواية. "الدار للطبع والنشر"، القاهرة 2006.
ترجمات من الروسية: 1- "نتاشا العجوز وقصص أخرى"، مجموعة قصصية للكاتب الروسي فالنتين راسبوتين. المجلس الأعلـى للثقافة، القاهرة 1998. (طبعة ثانية)، مكتبة الأسرة، القاهرة 2005. 2- "الابتزاز الصهيوني والهم الإنساني". المجلس الأعلى للثقافـة، القاهرة 1999. 3- "الفنون التشكيلية في جمهورية مصر العربية". هيئة قصور الثقافـة، القاهرة 2000. 4- "السرد والمسرح". المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2000. 5- "المهلة الأخيرة"، رواية للكاتب الروسي فالنتين راسبوتين. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2000. (طبعة ثانية)، مكتبة الأسرة، القاهرة 2010. 6- "جوانب أخرى من حياتهم". المجلس الأعلى للثقافـة، القاهرة 2000. 7- "بلا غد: كونديرا بين بلزاك ودينون". المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2002. 8- "الأدب الروسي في السنوات العشر الأخيرة". المجلس الأعلـى للثقافة، القاهرة 2002. 9- "الوصية السياسية: أفكار بليخانوف الأخيرة". مكتبة "مدبولي". القاهرة 2010. 10- "في المستشفى". قصة للكاتب الروسي فالنتين راسبوتين. " مكتبة "آفاق". القاهرة 2010.
الوصية السياسية أفكار بليخانوف الأخيرة 1-2 أعداد : جاسم الزيرجاوي مهندس أستشاري
نشرت الصحيفة اليومية الروسية ( Nezavisimaya Gazeta ) بتاريخ 30-11-1999 وثيقة كتبها بليخانوف .
و ترجمها د.أ شرف الصباغ , مراسل فضائية "روسيا اليوم" وتقديم الدكتور فيصل دراج، الناقد المعروف, و عن "مكتبة مدبولي القاهرية"، صدرت في أكتوبر/ تشرين الأول من العام [2009] بعنوان الوصية السياسية أفكار بليخانوف الأخيرة
وقد أثارت نشرها جدالا واسعا بين متشكك في صحتها وبين مؤيدا لها . ومن المؤدين لصحة الوثيقة د.فيصل دارج جاء في المقدمة والتي كتبها د.فيصل دارج للترجمة العربية:
في نهاية العام 1999 قام الفيزيائي الروسي «نيقولاي ايفا نوفيتش » بالكشف عمّا دعاه : «شهادة القرن. الوصية السياسية : أفكار بليخانوف الأخيرة .» تنطوي الشهادة - الوصية على أهمية خاصة لأكثر من سبب: فهي صادرة عن ماركسي روسي شهير، أدى دوراً كبير في الحركة الاشتراكية التي أفضت إلى ثورة أكتوبر العام 1971 ، واعتبر ذاته الأب الروحي - سيئ الحظ - لقائد الثورة الروسية : لينين، مؤسس الدولة الاشتراكية الأولى في تاريخ البشرية، التي أدت دوراً محورياً في القرن العشرين، تحت اسم شهير هو: الاتحاد السوفييتي. يعود السبب الثاني إلى التحليل - الرؤيا، الذي تضمنته الوثيقة التي تنبأت بالسقوط الحتمي للاتحاد السوفييتي – كتبَ بليخانوف أفكاره العام 1918 – وشرحت نظرياً أسبابه والعوامل التي دفعت إليه. يتمثل السبب الثالث في المعنى الرمزي لثورة أكتوبر على المستوى الكوني، التي بدت لملايين من البشر، ذات مرة، إعلاناً عن خلاص البشرية الأخير. يحمل السبب الثاني، من وجهة نظر «الوصية »، دلالة خاصة، تعود إلى وجهه التنبؤي، بلغة معينة أو إلى بصيرته النظرية، بلغة أخرى، ذلك أن بليخانوف أراد أن يكون ماركسياً وهو يحلل حدثاً تاريخياً يرفع راية الماركسية، ظاهرياً على الأقل، وأن يبرهن أن ماركسية لينين شوّهت ماركسية ماركس، وألحقت بها أضراراً جسيمة بعيدة المدى. سمح لنفسه، في الحالين، أن يأخذ بالمنهج الماركسي بشكل طليق، وأن ينبذ القراءة المتحزبة الفقيرة، القائمة على الاستظهار العقيم. لا غرابة أن يعدّه البلاشفة، أو بعضهم، «منحرفاً »، وأن يبدو «منحرفاً » عند «عقول ثورية » تمتد إلى اليوم.
جيورجي فالينتينوفيتش بليخانوف ترجمة: د. أشرف الصباغ هذا المقال عبارة عن وثيقة نشرت في ملحق "نيزافيسيمايا جازيتا" الجريدة الروسية المستقلة - رقم 8 تاريخ 30 نوفمبر 1999. في نهاية العام 1999 م قام أستاذ الفيزياء النظرية والرياضية نيكولاي إيفانوفيتش نيجيجورودوف الذي يعمل في جامعة بتسوانا بالكشف عن واحدة من أهم وأخطر الوثائق الخاصة بالثورة البلشفية في روسيا. وتكمن أهمية الوثيقة وخطورتها ليست فقط في الأفكار المطروحة، وإنما أيضاً في الشخصية التي طرحت هذه الأفكار في بداية العام 1918م ، أن في بداية الثورة وبداية التشكيل الجديد الذي سار عليه العالم طوال ما يقرب من قرن كامل على المستويين الإجتماعي والجيوبوليتيكي. الوثيقة هي الوصية السياسية لأحد أهم الشخصيات البارزة في الحركة الإشتراكية العالمية، وفي الحركة الفكرية الاشتراكية في روسيا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ولعل جيورجي فالنتينوفيتش بليخانوف- صاحب الوصية- هو أحد الآباء الروحيين للأفكار الاشتراكية في روسيا، هذا طبعاً إن لم يكن على رأسهم، الأمر الذي يعطي هذه الوصية صفة الوثيقة التاريخية الخطيرة، خاصة وأنها قد تضمنت الكثير من الأفكار المهمة والمركزة بخصوص ما حدث طوال هذا القرن، وما يحدث الآن، وما سوف يحدث لسنوات طويلة مقبلة. وإذا كان انهيار الاتحاد السوفييتي يمثل واحداً من أهم أحداث القرن العشرين، بالضبط مثل قيامه. وإذا كان قيامه ببداية الثورة البلشفية العام 1917 م قد غير وجه الخريطة السياسية والجيوبولوتيكية للعالم، فهو في المقام الأول قد غير الخريطة الاجتماعية للعالم طوال القرن. وبمجرد انهياره وسقوطه تغيرت الخريطة الاجتماعية والجيوبوليتيكية مرة أخرى وبشكل حاد تماماً مثلما حدث في بداية القرن، فهذه الوثيقة المهمة في إطار ما يطرح اليوم من أفكار حول انهيار التجربة السوفييتية والعولمة وتلاشي الأيديولوجيا وصراع الحضارات تمثل وجهة نظر مهمة للغاية. الغريب أن مكتشف الوثيقة لم يقم حتى الآن بتسليم الجزء الأخير من الوثيقة إلى الحكومة الروسية (وذلك بناء على عبارة بليخانوف الأخيرة أو وصيته: "في النهاية أقدم بعض الأسطر التي يجب ألا تنشر، وإنما تنقل إلى السلطة الديمقراطية المقبلة في روسيا") نظراً لأنه يرى أن شرط بليخانوف لا ينطبق عليها! الوصية السياسية أفكار بليخانوف الأخيرة أنا جيورجي فالنتينوفيتش بليخانوف، الذي أعطى الحركة الثورية في روسيا وأوروبا كل حياته الواعية، والذي يعتبر ليس فقط شاهداً ومشاركاً، بل وبرأي الكثيرين، مذنباً مباشراً في أضخم الأحداث مأساوية في الوطن، لا أستطيع أن أرحل من الحياة من دون أن أعلن عن علاقتي بهذه الأحداث. فبعد أن قام البلاشفة بحل المجلس التأسيسي، صوبت نحوي الكثير من الاتهامات المريرة من جميع الجهات. وعلى الرغم من أنني أرى أنه لا داعي للتبرير، ففي كل الأحوال ينبغي الإشارة إلى أن ذنبي ليس هكذا كبيراً كما يعتقد ف.بشيرنوف وأنصاره(1). كما لا يجب إدانة بروميثيوس لان الناس يسيؤون استخدام النار، لا يجب أيضاً إدانتي لأن لينين يستخدم أفكاره بشكل ذكي من أجل تأكيد استنتاجاته الخاطئة وتصرفاته السيئة. من أجل أن أبدأ بطرح أفكاري، أرى أنه من الضروري أن أسبقها بملاحظتين: الأولى: لقد استخدمت في مؤلفاتي، وكقاعدة، كلمة "نحن" لأنني كنت أكتب دوماً باسم رفاقي. ولكن في هذه الوثيقة يجب أن يكتب كل شيء بضمير المتكلم "أنا"، إذ إن مسؤولية أفكاري التمردية يجب أن تقع على عاتقي وحدي أمام التاريخ، وليس على عاتق أي أحد آخر. ثانياً: لقد رفضت النضال إلى جوار البلاشفة – أسباب الرفض ستأتي لاحقاً – وبالتالي لا يجب نشر وصيتي طوال وجودهم في السلطة. 1- كلمات عدة عن نفسي إن طريق الإنسان ونشاطاته وتصرفاته تتحدد عن طريق الأهداف الموضوعة، وتتلون بالصفات الأصيلة والمكتسبة. أما عن صفاتي المكتسبة، فلا معنى للتوقف عندها – هي واضحة من مؤلفاتي. وأما عن طابعي، فينبغي قول عدة كلمات. طابعي صعب ومتناقض، وهو الأمر الذي عانى منه في كثير من الأحيان أقربائي وأصدقائي. ورثت عن أمي الإحساس العالي بالعدل، والثقافة، وحب الطبيعة، والتواضع، والخجل. وفي الحقيقة، سرعان ما تخلصت من الصفة الأخيرة حينما كنت طالباً في السنوات الأولى في كلية فورونيج الحربية – شكراً لنيكولاي(2). وعن الأب – الصلابة وقوة الإرادة، والقدرة على العمل، والشعور بالكرامة، والواجب والمسؤولية، والحسم والتصميم. وبسبب صعوبة طابعي تحديداً كثيراً ما كنت أبدي حدة في مناقشاتي. ورغم اعترافي بذلك، أود على أية حال تكرار أنني كنت أحترم الخصم دائماً، ولم أكن أخرج عن أطر اللياقة الأدبية، ولم أكن أنحدر، مثل لينين، إلى مستوى ألفاظ وشتائم الفلاحات الإيطاليات، ولم أكن أهجو الشخص، وإنما وجهة نظره. وبالتالي، فأنا واثق من أن الذين "أغضبتهم" سوف يغفرون لي. لقد منحت أكثر من أربعين عاماً من عمري في خدمة العمل الثوري، بادئاً الطريق من نارودنيك* مفتون بأفكار باكونين** إلى ماركسي دياليكتيكي صلب. وفي حينه شاع رأي بأنني ابتعدت عن النارودنيكيين لسبب واحد فقط ألا وهو أن العنف كأداة للنضال السياسي لم يكن مقبولاً بالنسبة لي. ولكن الأمر ليس كذلك. لقد كنت أجيز إمكانية ممارسة العنف – كإجراء استثنائي – إذا كان يخدم الظرف الاجتماعي. ولحسن الحظ أنه لم يقتل أحد من خصومنا بمشاركتي أو موافقتي. بيد أن ذلك كان ممكن الحدوث – ثلاثة أعوام لم أفارق المسدس والقبضة الحديدية(3). إنني "خنت" النارودنيكيين لسبب آخر: فأيديولوجية النارودنيتشيستيفو، المبنية على روح العصيان والتمرد الباكوني، سرعان ما خيبت أملي. وكان السير على مبادئ نيتشايف*** – الصيغة المشوهة للباكونية – أمراً كريهاً بالنسبة لي. ولم تكن ترضيني أيضاً مبادئ بلانكي**** التي كان يميل النارودنيكييون إليها تدريجياً. كل ذلك إلى جانب بعض الظروف اضطرني إلى الهجرة في بداية العام 1880 م. وليست هناك ضرورة لإثبات أنني ابتعد عن النارودنيكيين، ولكنني لم أخنهم كما فعل خصمي اللدود ليف تيخوميروف(4) "الثوري" الذي تراجع، والباكوني بوجهات نظر بيوتر تكاتشيوف***** والكارثة أيضاً. ولكن الخروج من النارودنيتشيستفو لم يتوافر لي هكذا بسهولة. فقد بقيت طوال ثلاث سنوات في تفكير مجهد، وتوتر عصبي، وفي إيجاد حلول وسط، وفي نقاشات ساخنة مع الأصدقاء في منظمة "إعادة التقسيم الأسود"****** ومع المهاجرين من منظمة "الإرادة الشعبية"، وفي محاثات ومكاتبات مع لافروف. وكان لافروف، الصديق القريب جداً من تشيرنشسيفسكي في الماضي، في تلك الفترة معروفاً جداً وله مكانته المهمة التي دعمتها جهوده الثورية النشطة وأعماله الشهيرة ومشاركته الفعالة في كومونة باريس والأممية الأولى، والصديق القريب لكارل ماركس وفردريك إنجلز. كل ذلك إلى جانب بعض الاختلافات الطفيفة في العلاقات الشخصية اضطرني إلى الإنصات إلى آرائه وتأجيل صياغة آرائي الماركسية. في البداية حاولت العثور على الحقيقة النهائية كما فعل كل من بلينسكي وتشيرنشيفسكي في زمنها. ولكن لحسن الحظ سرعان ما أدركت أنها غير موجودة ولا يمكن أن تكون موجودة. ولكن الحقيقة هي أن تخدم في اللحظة الراهنة العمل الثوري، وهي كل ما يتفق ومصلحة الشعب. وتوصلت بشكل نهائي إلى الموقف الماركسي في منتصف العام 1883 م فقط، وذلك عندما اكتسبت فكرة عملي الماركسي الأول والأصيل "الاشتراكية والنضال السياسي" ملامحها الحقيقية. على هذا النحو كانت مدة خبرتي كثوري – ماركسي قد تجاوزت العقد الرابع منذ زمن. وأنا مدين بتكويني الماركسي، قبل كل شيء إلى، أعمال ماركس وإنجلز. بيد أن الذي لعب دوراً مهماً في هذه العملية أيضاً هو جول جيد الذي تعرفت إليه، إذا لم تكن قد خانتني الذاكرة، في نهاية العام 1880م، والذي ربطتني به في المستقبل وجهات النظر وعلاقات الصداقة(5). إذا قام، فيما بعد، أي كاتب سيرة غير عميق التأمل بتحليل الفترة الماركسية لنشاطاتي، سوف يقسمها إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى (1880 م – 1882 م) – ��ليخانوف الماركسي "الذي يشك"، وذلك عندما حاول فهم بأية درجة يمكن تطبيق تعاليم ماركس في الظروف الروسية. المرحلة الثانية (1883 م – 1905 م) – بليخانوف الماركسي "الأرثوذكسي" الذي، بناء على ذلك، ناضل ضد نقاد ماركس، ولكن ليس دائماً بنجاح (تلك حقيقة!). المرحلة الثالثة: بداية من العام 1906 م لي أن قمت بإدانة انتفاضة موسكو المسلحة – بليخانوف الذي انحدر تدريجياً إلى صفوف "المحبطين"، وابتعد رويداً رويداً عن النضال الثوري النشيط. يبدي البلاشفة رد فعل محدداً ومعروفاً على المرحلة الأخيرة – "خان البروليتاريا وذهب إلى معسكر البرجوازية". ولقد أوردت التعريفات الثلاثة بين أقواس لأنها جميعاً بعيدة عن الحقيقة. بالنسبة للمرحلة الأولى كل شيء واضح: لا يجوز الشك في ما لم يدرس أو يفهم بشكل كاف. وبالنسبة للمرحلتين الثانية والثالثة يمكنني أن أقول شيئاً واحداً فقط: إنها غير صحيحة. فأنا لم أكن أبداً ماركسياً أرثوذكسياً، وبالتالي لم أحبط أو يخيب أملي أبداً. وعليه، فمن أجل أن أظل ماركسياً – ديالكتيكيا منطقياً، كنت أساند في كل مرحلة زمنية محددة واحدة من تلك الجماعات الاشتراكية – الديمقراطية التي كانت أكثر قرباً من أفكار ماركس، وتتفق في الوقت ذاته مع وجهة نظر جماعة "تحرير العمل"(6). وبالطبع، فقد كانت علاقتي بماركس تتغير تدريجياً – فما المدهش هنا إذا كان حتى أصحاب هذه النظرية ذاتهم كانوا أحياناً يغيرون وجهات نظرهم مع تغير الظروف. ومع ذلك فلم يمنعني لا ارتقاء وجهات نظري ولا اختلافي مع ماركس وإنجلز في تقدير دور العنف في الحركة الثورية في روسيا ببداية الثمانينيات(7) من التأكيد على أنني كنت وسأظل دوماً حليفاً مخلصاً لأساتذتي. أما في حياتي، فأنا مثل أي إنسان، ارتكبت عدداً غير قليل من الأخطاء. ولكن خطأي الرئيسي الذي لا يغتفر – هو لينين. فأنا لم أقدر جيداً إمكاناته، ولم أمعن النظر في أهدافه وإصراره الذي ليس له مثيل، وكنت أنظر إلى تطرفه بعين العطف والسخرية. لقد أدخلت لينين إلى دوائر الاشتراكيين الديمقراطيين الأوروبيين المؤثرين والمعروفين، ورعيته، وقدمت إليه كل ما استطعت من عون، وبذلك مكنته من الوقوف على قدميه. زد على ذلك: ففي العام 1903 م وقفت إلى جانب لينين في خلافه مع مارتوف في مؤتمر حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي وهو الأمر الذي أدى إلى ولادة البلشفية. آنئذ بدا لي أنه من الممكن أن أعمل تدريجياً على تليين موقف لينين، وأن أؤثر على الجانب المرغوب فيه لدى مارتوف ومن ثم أحافظ على وحدة الحزب. ولكن سرعان ما أدركت أن الوحدة مستحيلة لأن كل ما كان ليس على هوى لينين، لم يكن يمتلك الحق في الوجود. كان لينين مع الوحدة، ولكن تبعاً لمبادئه، وبما يتماشى مع أهدافه وتكتيكاته وشعاراته. بيد أن البلشفية الوليدة سرعان ما استجمعت قواها، أحياناً بسبب جاذبية تكتيكاتها وشعاراتها بالنسبة للبروليتاريا الروسية المتخلفة، وأحياناً أخرى بسبب التصميم غير العادي للينين وقدرته الجبارة على العمل. عندئذ كان قد مضى الرقت وأصبح إصلاح الخطأ أمراً غير ممكن. وهذا هو السبب في أن تأكيد تشيرنوف بأن البلاشفة – أولادي، وأن مزحة فيكتور أدلر بخصوص "أبوتي" للينين، كانت أموراً غير خالية من الصحة(8) إن خطأي هذا قد كلف روسيا، وسوف يكلفها ثمناً باهظاً. واتضح لي أنه كان خطا قاتلاً بالنسبة لي أنا أيضاً . وليس هناك شك في أنه في حال وصول البلاشفة الفعلي إلى السلطة، فسوف يلطخون اسمي ثم يدفعون به إلى النسيان. ولكن لحسن الحظ لن يحدث ذلك. فأنا أدرك بوضوح مكانتي في التاريخ الروسي. أنا لست بروميثيوس، ولا سبينوزا، ولا كانط، ولا هيجل، ولا ماركس. أنا لم أهب الناس النار، ولم أؤسس فلسفة جديدة، أو تعاليم اجتماعية جديدة. ولكنني مع ذلك أسهمت بقدر ما في قضية تنوير البروليتاريا الروسية، وفي قضية تطوير الفكر الاجتماعي الروسي. ولذا يمكنني أن أتجاسر على التفكير بأن التاريخ والأحفاد سوف يحاكمونني برحمة. 2- حول الماركسية والرأسمالية إن الماركسية كنظرية متناسقة تجمع بشكل عضوي بين كل من المادية الديالكتيكية والاقتصاد السياسي والاشتراكية العلمية – هي أعظم منجزات الفكر البشري. وظهور "البيان الشيوعي" (المانيفستو) في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر – هو ظاهرة طبيعية. فمنذ لحظة ظهور الرأسمالية على الساحة التاريخية لم يكن قد حدث إطلاقاً في السابق أن وصل استغلال الطبقة البروليتارية إلى تلك الدرجة التي وصل إليها في أوروبا في تلك الفترة. كان الفكر الاجتماعي الأوروبي يفوز، وأخذت الثورات التي كانت تتوالى واحدة بعد الأخرى تهز المجتمع البرجوازي، ولكن حركة البروليتاريا ظلت عفوية وغير مفهومة. كان الأمر في حاجة إلى ذلك الشخص الذي يمكنه أن يضع في يد البروليتاريا سلاحاً رهيباً – نظرية اجتماعية جديدة ترفع الطبقة العاملة إلى مستوى فهم دورها التاريخي وتمنحها آفاقاً مستقبلية. وبالفعل دفع التاريخ بهذاالشخص. ولعب "البيان الشيوعي" دوراً هائلاً في قضية تربية البروليتاريا وتنظيمها، وفي التقدم الاجتماعي أيضاً. وقامت البرجوازية المرعوبة من المنطق الحديدي "للبيان الشيوعي" و"شبح الشيوعية" بتقديم تنازلات من ناحية، ولكنها من ناحية أخرى حاولت بشتى الطرق التشهير بنظرية ماركس والحط من قيمتها. وبالتالي لم يكن هناك أي قصور إطلاقاً في الانتقادات التي توجهها الماركسية، خاصة وأن هذه الانتقادات قد تزايدت منذ نهاية التسعينيات. أما نقد أولئك السادة، فلم يكن شريفاً، إضافة إلى أنه لم يكن إبداعياً. ففي البداية قاموا عن وعي، أو عن سوء فهم، بتشويه ماركس على المستوى الشخصي، وبعد ذلك راحوا "يصححون" ما فعلوه بعين العطف. وتم توجيه النقد إلى جميع جوانب نظرية ماركس، ولكن الجانب الأكثر حدة من هذا النقد كان موجهاً على الدوام إلى نظرية التطور الاجتماعي، وخاصة إلى "البيان الشيوعي". وهذا ليس مصادفة، إذ إنه بمرور خمسين عاماً صار "البيان الشيوعي" مقتحماً ومجرّحاً في جوانب عديدة منه. فالتحليل الموجود في "البيان الشيوعي" والصحيح تماماً بالنسبة لعصر التصنيع البخاري، أخذ يفقد أهميته مع دخول الكهرباء. كما أن التطور الاجتماعي للمجتمع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد أخذ يسير ببعض الانحرافات والانعطافات رغم أنها لم تكن مهمة جداً أو مؤثرة، عن الاستنتاجات التي وردت في "البيان الشيوعي"، وهو الأمر الذي كان على أية حال ملحوظاً في أثناء حياة مؤلفيه ومعترفاً به من قبلهما. ولكن الفكرة الأساسية التي تخللت "البيان الشيوعي" كله بقيت صحيحة إلى يومنا هذا. تلك الفكرة تتلخص في الآتي، درجة الإنتاج المادي تحدد التركيبة الطبقية للمجتمع: طريقة تفكير الناس، وإدراكهم، وأيديولوجيتهم، ونشاطهم الذهني...إلخ والصراع الطبقي الذي تعتمد حدته على درجة التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، يعتبر المحرك الرئيسي للتقدم الاجتماعي. قام منتقدو ماركس في تعاضد يبعث على الحسد بممارسة محاولات لدحض ونفي فكرة ديكتاتورية البروليتاريا. إلا أنه من البديهي أن الطبقة العاملة التي تقود النضال ضد البرجوازية وتدافع عن مصالحها مثل أية طبقة أخرى، تمتلك أيضاً حقها في الديكتاتورية خاصة وإذا كانت هي الأكثر عدداً. إن ديكتاتورية الأغلبية على الأقلية لا يمكن أبداً أن تعد ديكتاتورية بالمعنى الكامل لهذه الكلمة. إضافة إلى أن ذلك أمر مطلوب في المرحلة الانتقالية من أجل كبح مقاومة البرجوازية. ولكي لا يثرثر السادة نقاد ماركس كثيراً، مهما كانت حججهم وذرائعهم ودلائلهم، يجب الاعتراف على أية حال بأن المجتمع إلى وقتنا هذا يتطور في الأساس طبقاً لتعاليم ماركس. إن عدد البروليتاريا يتزايد على الرغم من عدم سرعة هذا التزايد كما قال ماركس. وتزداد حدة فقر الجماهير – إن لم يكن بشكل مطلق، فبشكل نسبي. وتتنامى عملية الإفقار، والجريمة، وجميع العيوب والنقائص الأخرى للرأسمالية. وإذا كان الصراع الطبقي في حالة خمود أو كلل، فهذا لبعض الوقت فقط. ولقد بدأت أزمات عملية إعادة الإنتاج تظهر بحدة ووضوح. فهل كومونة باريس، وثورة العام 1905 في روسيا، والحرب العالمية التي مازالت مستمرة حتى الآن، لا تثبت صحة استنتاجات ماركس؟ لا، أيها السادة نقاد ماركس، من السابق لأوانه إلغاء أو استبعاد التعاليم الاجتماعية لماركس! وبالطبع فقد كان لدى السيد برنشتاين والسيد سترويف(9) والنقاد الآخرين بذور منطقية ولكنها ضاعت في قشور انتقاداتهم التي كانت ترى كل شيء على نحو سيئ. وكانت مهمتهم الرئيسية ليس تطوير الماركسية، بل دحضها ونفيها. وقد ألحق ذلك ضرراً هائلاً بالحركة الثورية لأنه قاد البروليتاريا إلى الموافقة مع البرجوازية على رفض الصراع الطبقي، وأدى إلى الانشقاق في صفوف الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، وفي نهاية المطاف قاد إلى الحرب العالمية: حيث قامت البروليتاريا الألمانية، التي تم تضليلها، بمساندة نشطة للطموحات الاقتصادية والعسكرية للبرجوازية الألمانية والروح الحربية لها. أنا الآن، كماركسي – ديالكتيكي، سأسمح لنفسي لبعض الوقت أن أكون "ناقداً " لماركس. ودون أن أتخلى عن أو أتبرأ من أي شيء كتبته في الماضي، سأفصح عن "حماقة" لا تغتفر من وجهة نظر البلاشفة. وأعتقد أن وجودي بين الماركسيين لسنوات طويلة يمنحني الحق في ذلك. أما لماذا قمت بوضع كلمة "ناقد" بين الأقواس، فهذا ما سيصبح واضحاً فيما بعد. خلال الأشهر الأخيرة التي أظهرت بصراحتها أن أيامي قد أصبحت معدودة(10)، أمعنت التفكير كثيراً، وفي النهاية قررت صياغة ما كان يقلقني منذ زمن بعيد بحداثته، ويحيرني لعدم وجود إثباتات. أنا أعتقد أن ديكتاتورية الطبقة العاملة بمفهوم ماركس لن تتحقق أبداً – لا الآن ولا في المستقبل، وها هو السبب. فبقدر تغلغل وترسيخ آلات الإنتاج الجديدة المعقدة المصممة على العمل بالكهرباء، وعلى ضوء إنجازات العلم التالية، سوف تتغير التركيبة الطبقية للمجتمع ليس في صالح البروليتاريا، بل وستصبح البروليتاريا نفسها طبقة أخرى. وسيبدأ تعداد البروليتاريا، تلك التي ليس لديها ما تفقده، في التقلص، ومن ثم ستحتل الإنتلجنسيا المركز الأول من حيث التعداد ومن حيث الدور في عملية الإنتاج. لم يقم أي أحد بعد بالإشارة إلى هذه الإمكانية على الرغم من أن الإحصائيات الموضوعية تتحدث عن أن صفوف الإنتلجنسيا منذ بداية القرن العشرين تتزايد في علاقة تناسبية أسرع من صفوف العمال. وعلى الرغم من أن الإنتلجنسيا تبقى، إلى وقتنا هذا ، مجرد "خادمة" للبرجوازية، إلا أنها في الوقت ذاته تبقى أيضاً تلك الطبقة المميزة والتي تمتلك مهمة تاريخية لها خصوصيتها. فالإنتلجنسيا باعتبارها أكثر طبقات المجتمع تعليماً وثقافة مكلفة بحمل مشعل التنوير والأفكار الإنسانية والتقدمية إلى الجماهير. إنها – شرف وضمير وعقل الأمة. وأنا لا أشك إطلاقاً بأنه في أقرب وقت ممكن سوف تتحول الإنتلجنسيا من "خادمة" للبرجوازية إلى طبقة لها خصوصيتها وتأثيرها بشكل خطير من حيث تعدادها الذي ينمو باطراد. ومن حيث دورها الذ�� سيتركز في أثناء عملية الإنتاج في توصيل قوى الإنتاج إلى حد الكمال: ابتكار آلات جديدة، وأدوات جديدة، وتكنولوجيات جديدة، وخلق عامل رفيع التعليم والثقافة. إن تنامي دور الإنتلجنسيا في عملية الإنتاج لا بد وأن يؤدي إلى تخفيف التناقضات الطبقية، خاصة وأن تلك الحدود التاريخية الاجتماعية الفلسفية، مثل الأخلاق والعدالة والمبادئ الإنسانية والثقافة والحق، التي تنطوي على جانبين: عام وطبقي، هي حدود قريبة إلى الإنتلجنسيا بالذات. وإذا كان الجانب الثاني كوظيفة للتناقضات الطبقية يمكنه أن يتعرض إلى طفرة ثورية وتشكيل مبادئ مسيطرة، فالأول – يتحدد كلياً وبالضبط بدرجة الإنتاج المادي. وبالتالي يتطور بصورة متزايدة وارتقائية. ونظراً لأن هذا الجانب يعتبر إنسانياً عاماً من حيث الطابع – حيث الإنتلجنسيا بالذات هي المنوطة به بدرجة كبيرة – فسوف ينعكس بصورة مفيدة على جميع طبقات المجتمع، ويخفف من التناقضات الطبقية، ويلعب دوراً متنامياً باستمرار. وعلى هذا النحو ستكون إحدى النتائج الرئيسية للتقدم المادي هي تقليل دور الجانب الطبقي للحدود المذكورة وزيادة دور جانب المبادئ الإنسانية العامة. وعلى سبيل المثال، ففي المستقبل لا بد وأن تتسع أطر المبادئ الإنسانية (كحد من الحدود السابقة)، التي تفهم في أيامنا هذه كمنظومة التصورات حول قيم الإنسان ومصلحته وحقه، إلى مفهوم ضرورة الاهتمام بكل ما هو حي، وبالطبيعة المحيطة، وهذا هو تطوير وتقوية دور الجانب الإنساني العام لهذا الحد. ولعل التطور الشديد لقوى الإنتاج، وتزايد عدد الإنتلجنسيا سوف يعملان بشكل مبدئي على تغيير الظرف الاجتماعي. والعامل المطلوب منه معرفة أكثر من أجل توجيه الآلة المعقدة سوف ينتهي دوره كزائدة إضافية أو كذيل لها. وسوف يتزايد من كل بد ثمن قوة العمل، وبالتالي أجر العامل، لأنه من أجل إعادة إنتاج ذلك العامل يتطلب الأمر مصروفات أكبر. وسوف يتم الاستغناء عن استغلال جهد الأطفال نتيجة لتعقيد الآلات. وعلى ضوء التعليم ومستوى الثقافة والأفكار سوف يرتفع العامل إلى مستوى الإنتلجنسيا. وستكون ديكتاتورية البروليتاريا في هذه الحالة نوعاً من أنواع العبث. ما هذا؟ هل هو ابتعاد أو انحراف عن الماركسية؟ لا، وألف لا! أنا واثق: أن ماركس مع هذا الانعطاف للأحداث، وحدوث ذلك في أثناء حياته، كان سيرفض على الفور شعار ديكتاتورية البروليتاريا. وبقدر التغير النوعي لقوى الإنتاج سوف تتشكل طبقات جديدة، وعلاقات إنتاج جديدة، وسيجري الصراع الطبقي بشكل جديد، وستتغلغل الأفكار الإنسانية بعمق في جميع طبقات المجتمع. وسوف يتعلم المجتمع، حتى الذي بقي منه رأسمالياً من حيث الجوهر، تجاوز أزماته. وستعمل الأفكار الإنسانية والإنتاج الضخم على تحييد عملية الإفقار. إنني أحياناً أفكر في الفترة الأخيرة أنه حتى نظرية ماركس التي ولدت في ظروف الحضارة الأوروبية، من المشكوك فيه أن تصبح نظاماً عاماً لوجهات النظر، لأن التطور الاجتماعي – الاقتصادي للعالم يمكن أن يسير على نمط المراكز المتعددة.
هو عبارة عن كتيب وليس بكتاب،وأجمل مافي هذا الكتيب هو الفصل الأخير ففيه قراءة مرعبة للمستقبل مع الاشارة إلى مشكلات لم تكن في وقت الكاتب(التغير المناخي وغيرها)