" تعرفت على الشيخ جهجاه بو علي عن طريق وداد، حرمة خيي يونس. وداد ماتت قبل ما إتزوج وتركت أربع خمس ولاد، بعد فترة خيي يونس تزوج حرمة ثاني. هلق هو كمان مات، قبل ما توقع الحرب. بعد ست سبع سنين بيقلنا إنه وداد نطقت في قرية كفر بركة. خيي يونس كان بيّاع زيت. كان مرة في كفر بركة ورا دبته وقت اللي سمع صوت بنت صغيرة عبتناديله (يا يونس) تطلّع وبقت تناديله وتقلّه (ما عرفتني، أنا وداد؟) هالبنت كانت بنت الشيخ جهجاه. عزموه لخيي واطلع لعندهم، والكل عرفوا إنه هالبنت هي روح وداد. بعد كم يوم إجا الشيخ جهجاه وعيلته عاضيعتنا، وتعرفت البنت اللي اسمها نهلا عاولادها وعالقرايب. وبعدهم ولادها بيزوروها وبيحبوها. الشيخ جهجاه زلمي مقتدر ووجيه، ما كان يعتقد بالتقمص حسب ما قليّ حتى تأكد من بنته". "جسد كان لي" رواية تحكي عن التقمص، مؤكدة حدوثه في إحدى البلدات اللبنانية، حيث نطقت فتاة صغيرة بتفاصيل ما حدث لها في جسدها السابق حيث كانت تعيش مع زوجها وأخيه في الإمارات العربية المتحدة.
قرأته منذ سنه تقريبا ولازلت اذكر بعض الاحداث منه من عمق تأثير قصه الكتاب علي. جريمه قتل حدثت لفتاة متزوجه بعيدا عن اهلها وعند موتها بظروف غامضه تم ادعاء انها انتحرت وهي بالحقيقه تم قتلها. وتحكي ظاهره التقمص عند الدروز ولكن بأطار حكايه اجتماعيه.
صدرت رواية " جسد كان لي " للروائي والباحث التاريخي أنيس يحيى، عن دار الفارابي ببيروت عام 2002، وبعنوان فرعي " قصة تقمص حقيقية "، وبين لفظة " رواية " ولفظة " قصة حقيقية " يتفتق عالمٌ ملتبس بين الواقع والمتخيّل، متردد بين كينونتين، ونحنُ هنا لكي نرصد بعضا من ملامح هذا العمل.
لغة صوفية
تبدأ الرواية بـ " شطحة أولى " وتختتم بـ " شطحة أخيرة " ويمتلئ جسد العمل بأحداث الرواية في برزخ المابين، في إشارة أولى، بدئية، وأخرى، ختامية، إلى الروح الصوفية التي تكتف العمل وتعبئ لغته، ومحاولة لإثارة أسئلة عما يعرف بالتقمص، أو تناسخ الأرواح، بالأخص عند عقيدة الدروز، وفي كثيرٍ من الثقة - برأيي - يخاطب الراوي قارئه بقوله " في مطلق الأحوال لن تبقى يا أخي نفسك بعد تقليب أوراقي، أو حتى مداناتها "، وبعد أن يصطدم القارئ بسطرٍ كهذا في الصفحة الثانية من الكتاب، فإنه لا بد سيتمّ قراءة هذا العمل فقط ليتأكد من صحة مزاعم الراوي، هل سنتغير بعد قراءة هذه الرواية / القصة الحقيقية، فعلا، أم لا؟
الحكاية
تبدأ الرواية من مجلس العزاء الذي أقيم في قرية " بيت شمون " على " نجلاء " ، المرأة الشابة التي توفيت وهي في الثامنة والعشرين من عمرها، في الإمارات العربية المتحدة، بعيدة عن أسرتها وقريتها اللبنانية، في صورة غامضة تحرض أهل المتوفاة على أن يتهموا زوجها وأخيه بتهمة قتل ابنتهم، متكئين بدرجة أساسية على حدسهم، ومشاعرهم الداخلية بأن الفتاة لا يمكن أن تكون قد غرقت بفعل حادث، أو انتحرت، وأن الاحتمال الأكثر ورودا هو أنها قتلت من قبل أسرة زوجها التي عاشت بينهم حياة بائسة لثمان سنوات، يبدأ المحامي / الشخصية المحورية في النص، الأستاذ راجي في تولي القضية، وتستمر القضية معلقة لسبع سنواتٍ، تنتهي بصحة مزاعم أهل نجلاء، القائمة على الحدس وحده، بأن ابنتهم قد ماتت غرقاً على يد شقيق زوجها .. ويتأكد الجميع من هذا الأمر بعد أن تنطق " روح نجلاء " في جسد الطفلة " صالحة " التي تقمصتها بذاكرة " منتعشة " على حد التعبير المستخدم في النص، لتقول الطفلة صالحة ذات الثلاث سنوات بأنها روح نجلاء، التي قتلت غرقاً في بحر الإمارات العربية ..
قراءة الأجساد
لغة النص تحليلية بامتياز، تقرأ جميع الإشارات التي يزخر بها العالم الروائي، منذ ملابس الشخوص وحتى وجوههم، وإذا كان عنوان العمل يشير بالدرجة الأولى إلى الجسد، فإن الراوي يمعن في قراءة أجساد الشخوص وتفسيرها، فهو يقول مثلاً، عن والد نجلاء السيد فؤاد " عيناه لم تكن مغمضتين، لكنهما لم تكونا تتطلعان إلى شيء، فهو سيد نفسه بامتياز " وفي قوله " الاسترخاء هو السمة المسيطرة على كامل الجسد، وكأنه يعتاد على ما ينتظره من استرخاءٍ نهائي " أو قوله " صوته يوحي بأنه لجسد آخر " وفي وصفٍ دقيق آخر يقول "بدا أنفه الموصل إلى رئتيه يضيق لما يحتاجه من هذا الهواء المحيي، فابتعدت شفتاه عن بعضهما مستعينا بفمه للحصول على المطلوب "
الروح
ما الذي يعنيه التقمص، أو تناسخ الأرواح؟ أن يموت المرء من هنا لكي يبعث من هنا، يخرج من هذا الباب لكي يدخل من تلك النافذة؟ أن ينسلخ عن ذاك الجسد لكي يولد في جسد آخر؟ أن الروح تخلع أجسادها كالقمصان واحدا فالآخر، أننا نحن دائما ونحن أبداَ، أزليي القدم سحيقي المنشأ؟ في نص يتمحور بالدرجة الأولى حول التقمص وتناسخ الأرواح نجد أن الراوي كان يزرع تأملاته الدينية والفلسفية على طول جسد النص، بكل ما يدعم معتقده بأن الروح قديمة والأجساد متبدلة، بأننا نعود إلى حيث نأتي ونجيء من حيث ينبغي أن نعود، فهو يقول مثلاً في تقديمه لعمله " هي لعبة حرة إلا من شرط وحيد، المجاهرة بالاستدارة والتكور " فالدائرة، هذا الشكل الأزلي، شكل الأرض وشكل العالم وشكل الحياة وربما شكل الروح، هو ما ينبغي أن نوافق عليه كقراء، أيا كانت اعتقاداتنا، لكي نقرأ هذا العمل..
تحفظات ومآخذ
شاب النص - برأيي - بعض القصور الإجرائي من قبل الشخصية المحورية / المحامي الذي تبنى القضية، بدون مستند أو دليل أو حتى شبهة يتكئ عليها في ادعاءاته، كان تصرفاً غريباً ( غير واقعي بالأحرى ) أن يقف المدعي أمام القضاء معلنا التهمة بدون النظر في الأدلة أو حتى محاولة التقصي في ماضي المتهمين وإضاءة جوانب من حيواتهم قد تكون ذات علاقة، مثلاً .. يكتشف المحامي، صدفة وبعد سبع سنوات، بأن سليم الذي قتل نجلاء يعمل في تهريب المخدرات، وهو الأمر الذي ذكرني بالوقت الأبدي الذي تستغرقه مشاوير المعاملات الحكومية في العالم العربي، سبع سنوات؟! كما أنه من المستبعد أن يتبنى المحامي قضية هزيلة وهشة كهذه بدون سبب قوي، فهو يقول على لسان المحامي مثلا " الحدس يبقى المعول عليه عندما تضيق دروب العقل " والقول بهذا أمام القضاء من شأنه أن يحول أبرع المحامين إلى نكتة، لقد خلت الرواية من كثير من الضرورات الإجرائية التي ينبغي أن يتبناها المحامي ويشير إليها ويستثيرها في النص لكي تصبح الشخصية الروائية أكثر إقناعاً وحقيقية، وأشك بأن القصة الحقيقية التي اتكأ عليها الكاتب في صياغة الرواية قد تمت بالطريقة الـ " حدسية " اللا عقلانية التي وصفها الكاتب في العمل.
أضف إلى ذلك أن الرواية كانت هزيلة وباهتة في كثيرٍ من المواطن، وليس هذا مستغرباً بالنسبة لقضية لا تستند إلى برهان أو دليل ويستغرق إنجازها سبع سنوات، وهي مليئة بالانتظارات والمواعيد التي لا تضيف إلى الأحداث تصاعدا درامياً كان النص في أحوج ما يكون إلى وجوده.
اللهجة العامية
استخدم الكاتب عموماً الحوارات العامية مما أضاف إلى العمل طعماً محببا من العفوية والمصداقية وأحيانا "الظرف"، كما أنه عمد - عند الحاجة - إلى التحول من الحوار العامي إلى الحوار الفصيح برشاقة جميلة حتى نكاد لا ننتبه لها.
ملاحظة أخيرة
أن نكتب فنا جميلا، لا يعني دائما أننا نكتب فنا مدهشا، وأن نكتب فنا مدهشا لا يعني بأننا نكتب فنا ثورياً "يغير" القارئ إلى الحد الذي ادعاه الراوي في بداية الكتاب!
كنت مولعة بموضوع التقمص والقراءة عنه, وبعد البحث الطويل وجدت رويات تتحدث عنه منها لغادة السمان ومصطفى محمود واخيرا لأنيس يحيى, أي أن هذا السبب الاساسي لقرائتي لهذا الكاتب, يبدو الكتاب عادياً لكنه جيّد.
رواية جميلة في مضمونها، ولكنها معبرة وتثقيفية في أحداثها التي تصف مبدأ التقمص عند الموحدين الدروز، عبر محاولة معرفة هوية فتاة في حياتها السابقة أستناداً ألى أقوال وأحداث لها