ثمرة من ثمرات الجهاد العلمي الطويل والشاق كان هذا الكتاب ’رسائل الإصلاح. بذل فيه الإمام محمد الخضر حسين الكثير من الوقت والعمل، وخطّه بحسن أسلوبه، وغزارة مادته، ودقة تحقيقه، وسعة اطلاعه، وسلاسة عبارته، وبلاغة بيانه وتبيانه، حتى كأن كل مقال فيه كتاب قائم بذاته، صيغ بموجز من الكلمات في صفحـات، ومثله كمصباح يسـتضاء به في ظلمات الحياة. لهذا الأثر القيّم مكانة خاصة وشهرة لدى الفقهاء والأدباء ورجال الثقافة وأصحاب القلم، وكثيراً ما يشار إليه في المصادر والمراجع على أنه من أهم الكتب التي تضمنت مقالات الإمام الشرعية والأحوال الاجتماعية.
هو محمد الأخضر بن الحسين بن علي بن عمر، ولد في مدينة نفطة بتونس في أغسطس 1876م، وأصل أسرته من الجزائر، من عائلة العمري. نشأ في أسرة علم وأدب من جهتي الأب والأم، وكانت بلدة نفطة التي ولد فيها موطن العلم والعلماء، حتى إنها كانت تلقب بالكوفة الصغرى. ولما بلغ الشيخ سن الثالثة عشرة انتقل إلى تونس مع أسرته ودرس في جامع الزيتونة وتخرج عام 1898. أنشأ مجلة "السعادة العظمى”عام 1904 وهي أول مجلة عربية ظهرت في تونس، وكانت تصدر كل نصف شهر، ولم يصدر منها سوى 21 عددًا ثم انقطع صدورها . ولي قضاء بنزرت 1905م وقام بالتدريس في جامعها الكبير ، ومالبث أن استقال وعاد إلى تونس و تطوع للتدريس في جامع الزيتونة، وشارك في تأسيس الجمعية الزيتونية ، وخلالها عين مدرسا رسميا بجامع الزيتونة ، وقام خلال هذه الفترة بالتدريس والخطابة في الجمعية الخلدونية . أزمع الهجرة نهائيا بسبب مضايقة قوات الاحتلال الفرنسي له و اختار دمشق موطنا ثانيا له ، وخلال رحلته مر بمصر والتقى بمشايخها الكبار الساكنين بها مثل الشيخ طاهر الجزائري و محمد رشيد رضا و الشيخ محب الدين الخطيب. حصل على عضوية هيئة كبار العلماء برسالته "القياس في اللغة العربية" سنة ( 1950م)، ثم اختير شيخا للأزهر في (6 سبتمبر 1952م). استقال في (2 يناير 1954م) احتجاجا على دمج القضاء الشرعي بالمدني توفي في 28 فبراير 1958م من مؤلفاته : رسائل الإصلاح . ديوان شعر "خواطر الحياة". بلاغة القرآن أديان العرب قبل الإسلام تونس وجامع الزيتونة حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية الخيال في الشعر العربي.
سعيد جدا باكتشافي لأحد أبرز علماء الزيتونة والأزهر، العلامة محمد الخضر حسين، وقد علمت سبب حب الإمام طاهر بن عاشور لهذا الجهبذ في صرح العلم وسبب قرار الاستعمار الفرنسي بإعدامه إذ أن أمثال هؤلاء العلماء الربانيين يخشى من ظلهم الطغاة.
جمع كتابه رسائل الإصلاح مجموعة من المقالات التي كتبها الإمام محمد الخضر حسين، في مواضيع شتى تراوحت بين الأدب والأخلاق والتعرض للصفات الصالحة والطالحة، وتطرق في بعض مقالاته إلى السياسة الشرعية، وإلى وصف بعض الإشكاليات التي يعيشها العالم الإسلامي وبعض الأفكار خلال تلك الفترة.
وللكتاب رجاحة عقل وحجة إذ انه جمع للعلوم الشرعية العلوم العقلية وقد طاف البلدان بدءا من تونس إلى الآستانة وألبانيا وألمانيا وكذلك سوريا ومصر فله إطلاع يخول له رجاحة تمييز الآراء فضلا على إطلاع واسع للشعر واستشهادات كثيرة به، وكذا تعريضه لكثير مما قرره بأحداث تاريخية ومواقف لعلماء أجلاء. وله في كل ذلك لغة أدبية جميلة تشد القارئ لم أقف على مثلها إلا عند الإمام محمد الغزالي رحمه الله تعالى.
فأرجو أن أجد غير هذا الكتاب للكاتب لأطلع عليه فمثله لا يبخل عليه بالوقت.
الشيخ محمد الخضر حسين نابغة من النوابغ ومن أواخر شيوخ الأزهر العظماء نفسًا وعلمًا قبل أن نُبتلى بهذا الغثاء من أغيلمة لا يحسنون إقامة أَوَدِ جملة نحوية صحيحة فضلا عن إقامة درس ذي فائدة، ولا نسمع منهم إلا بغامًا ورطانة وغثّ الحديث وفارغه.