الرسائل الحقيقية لا تنتهي فور إرسالها؛ فهي إضافة لتجاربنا وخبراتنا في الحياة، الحياة التي هي نفسها تمثل رسالة مقدسة في جوهرها، رسالة قد تكون دواء للفراق الحتمي أو هناء للتواصل الأبدي. هكذا تحملنا هذه الكتابة لتطوف بنا في جنبات مشاعرنا وتقتحم أرواحنا، لنعيد ترتيب مفردات هذه الحياة وفقا لما اكتسبناه في التو من خبرة جديدة؛ لندرك بوضوح أنه لا حياة دون محبة، ولا محبة دون رسالة.
*قرأت كتاب إلى صديقي للكاتبة منى ياسين *صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في 285 صفحة
-ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها للكاتبة منى ياسين، ولكن يمكنني القول أنني عاصرت كل خطوة في تطورها في مجال الكتابة وكل مجال كتبت فيه بداية من الخواطر والقصص القصيرة وحتى الرواية إلى أدب الرسائل، مما يجعلك تنتظر ما الجديد الذي ستقدمه وكيف يمكنها أن تفاجئك. عندما عرفت أن كتاب إلى صديقي ينتمي إلى فئة أدب الرسائل تحمست للغاية، خاصة أنني في فترة ما كنت أكتب رسائل إلى صديقي وصديقتي على مدونتي، فشعرت وكأن هذا الكتاب تعرفت عليه سابقًا وبيننا قصة قبل حتى قراءته. أما عن كيف جاء وقت قراءة الكتاب في هذا الميعاد بالتحديد، فكان السبب الخطة التي وضعتها في بداية العام وهي أن تصنع عائلتي قائمة بكتب من مكتبتي وترقيمها دون أن أعرفها وأختار كل رقم يوازي رقم الشهر الحالي، وكان كتاب شهر يناير بترتيب لا يد لي فيه هو إلى صديقي.
-الكتاب ينقسم إلى أربعة أجزاء، الجزء الأول وهو رسائل (إلى صديقي)، توقعت في البداية أن الرسائل ستكون لشخص واحد، ولكن مع الاستمرار في القراءة وجدت أن كل رسالة متعلقة بذاتها ولشخص مختلف حتى وأن كانت بعض الأشخاص تتشابه في الموضوع. في مرة تكتب إلى صديقي المنشغل عني، وفي مرة إلى صديقي الثرثار، أو صديقي القوي، أو كاتم الأسرار، أو الناضج وغيرها من الصفات التي وجدتها الكاتبة في كل رسالة وتنطبق على صاحبها. هناك بعض الرسائل التي شعرت إنها يمكن أن تصبح قصة منفردة وقصة جذابة أيضًا، وبعض الرسائل إذا ما جمعناها مع بعضها البعض ستكون أيضًا قصة، فأتضح في هذا الجزء قدرة الكاتبة على كتابة الصور والتفاصيل وروح القصة التي تتسلل من بين حروف قلمها. الكثير من الرسائل كانت قريبة لقلبي واتخذتها اقتباسات، شعرت في بعض الأوقات بظهور الكتابة الذاتية بوضوح من بين الرسائل، ولكنني أعتقد إنها جزء أصيل من فكرة أدب الرسائل ككل.
-أما الجزء الثاني وهو (توهمته صديقًا) تكشف فيه الفتاة السابقة عن أن صديقها كان كاذب في الكثير من الأشياء، بداية من رؤية زوجته لرسائلهم وحتى عدم اهتمامه بذلك، ومحاولاتها للبعد عنه.
-الجزء الثالث (إلى صديقتي) تحكي الفتاة التي تكتب إلى صديقتها كيف أمكنها أن تواجه ألمها بعد اكتشافها لخيانة الصديق بالكثير من الأشكال، كيفية تفكيرها في إنهاء حياتها ومحاولة الهروب من كل شيء إلى عرض البحر الذي يمكن أن يكون مجازًا.
-الجزء الرابع (رسائل جدتي)، في هذا الجزء تكتشف الكاتبة أن جدتها تركت لها بعض الرسائل من خلال البريد الإلكتروني والتي تخبرها فيها بعض النصائح عن الحب والحياة بصدر رحب، نصائح شعرت في الكثير من الأحيان إنها مباشرة ولم أفضلها.
-بالنسبة لتقسيم الكتاب فكان الجزء المفضل بالنسبة لي هو رسائل إلى صديقي، ولم أفضل أو أربط ما بين توهمته صديقًا وإلى صديقتي فكان يمكن أن تكون وصلة ربط ما بين الجزء الأول والأخير بشكل أكثر ترابطًا خاصة وأنني سمعت من الكاتبة في لقاء مباشر تفسيرها لتقسيم الكتاب بهذا الشكل ولكن لم يتضح هذا جليًا وقت القراءة مما قد يسبب فقد الترابط ما بين أجزاء الكتاب الذي يمكن بالفعل إن قمت بربطه ببعضه البعض أن تجد نفسك أمامك رواية بشكل ما.
-لم أحب فكرة أن الفتاة حاولت الذهاب إلى جدتها وهي رفضت، لم أفهم كيف يمكن للجدة الحنونة التي تترك تلك الرسائل لحفيدتها أن ترفض اقامتها معها، ولكن الفقرة الختامية في الكتاب أوضحت لي ذلك وربطت الجزء الأول والأخير من الكتاب ببعضه البعض.
*اقتباسات:
-"أحيانًا أتساءل؛ هل واقع العلاقات أجمل أم الخيال؟ هل كلمة جبران: "هم في البعد أحلى" تجوز على جميع العلاقات، على اعتبار أن القمر جماله في بعده مثلًا؟ فهو بالقرب صخرة صماء والشمس تحرق من يقترب منها"
-"قد علمت مؤخرًا بأن القوة في الاستغناء، ولهذا حين استغنيت عني منحتني قوة أن أكتشف نفسي، فاكتفيت بها عن العالمين"
-"هناك علاقات لا مسمي لها، هي أقوى من الصداقة وأعمق من الحب، وهناك ما هي أقوى من رابطة الدم وأكثر من الجيرة، وهناك ما هي ترابط أرواحًا وتألف طباعًا أكثر من كونها معرفة عابرة، وغيرها من الأمثلة الكثيرة، الفيصل الوحيد أن تكون حقيقية، والمواقف وحدها هي من تثبت ذلك"
-"أعلم تمامًا بأن الموت هو النهاية المحتومة، ولهذا أحاول جاهدة ألا أزيد من عدوات الأخرين ل، ولكن إذا سعي لها أحد فليهنأ بها"
-"إن لم يكن كتفك ملاذي لأذرف ما بي من يأس وإحباط فوقه دون الشعور بالخجل أو دون الاكتراث لانطباعاتك عني ككئيبة أو ضعيفة أو مثيرة للشفقة، حضن من سيسعني ويستوعب كم هشاشتي؟"
-"سأحدثك اليوم عن أمي، كم كانت رائعة، تجيد التواصل بالنظرات، تفهم كل شيء من مجرد إيماءة منى أو غمزة إذا جمعنا مكان، وباعدت بيننا المسافة، محترفة في قراءة العيون وتعبيرات الجسد. صديقة هي نادرًا ما يجود الزمن بمثلها، من وجدت في حياته هو من المحظوظين حقًا، كنت أنا ابنتها الوحيدة وكانت هي صديقتي الوحيدة"
-"الحزن كائن شرير ياصديقي، لا تجعله يطيل البقاء حاول أن تلفظه سريعًا؛ كي لا يتمكن منك فيطرحك أرضًا"
-"أخبرتك سابقًا كالشتاء أنا؛ بردي قارس، لكن دفئي منعش، قد أفسد عليك يومك بزعابيب غير متوقعة تنذر بسوء الأحوال الجوية، وقد أجعل يومك مبتهجًا بشمس منتعشة تعم الأركان في سلام."
-"أفتقد أن توقظني أمي وهي سعيدة برؤيتي كأنني أفضل إنجازاتها في الحياة، أفتقد أن تحضر لي الغداء وأنا اتناوله فقط دون المشاركة في تحضير أي شيء. مازالت فجوة رحيلها في اتساع، وأتعجب ممن يقول أن الحزن يبدأ كبيرًا ويصغر؛ فحزنها بداخلي يزيد ويكبر، مازالت أحادثها كأنها موجودة وأنادي عليها إذا ما صادفني مشهد أو برنامج في التلفزيون يستهويها، أستحضر روحها معي في معظم الأوقات، أناديها فور عودتي من الخارج وأنا أعلم أنها لم تعد في استقبالي، ولكنني أثق أنها دومًا في انتظاري"
أحب أدب الرسائل لذا كنت متحمسة لقراءة "إلى صديقي" خاصّة لمعرفتي بقلم منى ياسين وبأنها بارعة بهذا النوع من الكتابة. الكتاب مُقسم إلى أربعة أجزاء، الجزء الأول بعنوان "رسائل إلى صديقي" ولكل رسالة عنوان خاص بها.. في البداية كنت أحسبه نفس الصديق والرسائل متكررة إليه لكن مع توالي الرسائل وجدت أنها موجهه إلى عدة أصدقاء أو ربما هذا شعورى فقط. جاء في هذا القسم 80 رسالة، تبدأ ب "رسالة إلى .. " وتُضيف صفة أو وصل للصديق كونه قريب أو بعيد أو مهتم أو متحرر أو دافئ.. والكثير من الصفات أو الميزات الأخرى.. البعض من الرسائل كنت أشعر بأنه لنفس الشخص والبعض الأخر لعدة أشخاص، هذا التذبذب في الربط بين الرسائل كان يُثير حيرتي ويجعلني أقف في المنتصف لا أجد رابط بين الرسائل. أحببت رسالة "إلى صديقي المكبل بالقيود" والمشاعر الفياضة بالأمومة، ورسالة "إلى صديقي طيب الذكر" والتي شعرت معها بأن الصديق المقصود هو المُدون الراحل "إبراهيم رزق" لمستنى الرسالة بشدة وارغمتني على البكاء.
الجزء الثاني "توهتمه صديقًا" عبارة عن رسالة طويلة بعض الشيء مترابطة إلى حد كبير، أسلوب السرد بها أجمل من الجزء الاول لوجود موضوع محدد، وهذا الجزء عبارة عن رسالتين ثم عنوان "الخطيئة" وكأنه نتيجة لما تم توضيحه بالرسالتين كنت أُفضل لو كُتب كتذييل للرسائل أو عنوان أخر أكثر ارتباطًا بالجو العام للرسائل. الجزء الثالث "إلى صديقتي" مُقسم إلى 10 رسائل كل يوم رسالة مختلفة إلى صديقة يتم تذييل الرسالة بوصف.. كصديقتك التي تقاوم، صديقتك العائدة، صديقتك التي تهتم بالتفاصيل، شعرت بأن الرسائل بهذا الجزء مُميزة وصادقة بدرجة كبيرة الترابط بين الأحداث والتصاعد بها رائع أحببت هذا الجزء أكثر مما سبقه. الجزء الرابع "رسائل جدتي" كتبت الجدة إلى حفيدتها زينة 22 رسالة، بها مشاعر فياضة كُتبت بأسلوب حنون فيه الكثير من النصائح التي تمنحها الجدة لحفيدتها بناء على خبرتها بالحياة، تتناول فيه اجابات عن أسئلة الحفيدة حول ماضِ الجدة، وردود أفعالها تجاه اسئلة الحفيدة المختلفة كذلك نصائح حول الزواج واختيار الزوج المناسب، أحببت هذا الجزء أيضًا للغاية. غلاف الكتاب رغم غرابته بعض الشيء إلا أنه مٌميز ويثير الفضول حول مدى ارتباطه بالمحتوى، الأسلوب بسيط وقريب للقلب، اللغة سهلة بعيدة عن التعقيد، تؤكد الكاتبة على معاني الصداقة والمواقف التي يبرز فيها دور الصديق ومدى تأثرها بأصدقائها وكذلك مشاعرها تجاه صرفاتهم المختلفة وكيف يتجلي ذلك في تعاملها. من أكثر الجمل التي أعجبتني " الصديق الحق ليس بحاجة أن أؤكد عليه أن لا يفشي سر صديقه حتى لو كان الموضوع بسيطُا ولا يستدعي الحذر..ولكنها الأمانة يا صديقي" "مارس الحزن كما يليق ولكن لا تستسلم له" "أستعيد صوتك كترنيمة تجلب لي الراحة كلما اشتدت ضربات الألم" "أحدثك الآن من عرض البحر، بلا عوامة إنقاذ أو شاطئ قريب على مرمى البصر، وقطعًا وحيدة، لا توجد سفن أو مراكب صيد بالقرب.. أنا هنا وحدي في هذا الفضاء الأرزق، انتظر ما تجود علي به الرياح" "الرسائل الحقيقية لا تنتهي فور إرسالها، فهي إضافة لتجاربنا وخبراتنا في الحياة، الحياة التي هي نفسها تمثل رسالة مقدسة في جوهرها، رسالة قد تكون دواءً للفراق الحتمي أو هناءً للتواصل الأبدي" " اعلمى طالما مازالت لديكِ القدرة على السجود فأنتِ غارقة في النعم"