كتاب جيد فى عرض مناهج النقد الأدبى الغربى الحديثة، فمروراً بمدارس النقد الحديثة "التقليدية" أو القديمة بالنسبة إلى مابعدها، فمناهج النقد التقليدية ومنها المنهج التاريخى والنفسى والاجتماعى ، إهتمامهم الأكبر والأهم بخارج النص الأدبى والحوم حوله ، لإقتناص المعنى والأفكار المجتمعية والنفسية والتاريخية المؤثرة سواء على المؤلف او القارئ، وتطرف بعضهم أحيانا فى إهمال النص بالكلية، كما فعل النقاد الماركسيون ومدرسة الواقعية الاشتراكية ، بتحديد جودة الأدب من عدمه بمدى حديثه واهتمامه بقضايا الطبقات العاملة والصراع بين الطبقات، بغض النظر عن جودة لغة الأدب وبنية النصوص الداخلية المكونة لها.
وبعد هذا مناهج النقد الحداثية وما بعد الحداثية؛ فوصلنا الى الشكلانية ثم البنيوية التى خرجت من رحمها، وصولا الى التفكيكية ، وقد كانت هذه المناهج على عكس سابقتها التقليدية، فقد اهتمت بالنص فقط وببنيته الداخلية واصبحت تتعامل مع اللغة وشكلها فقط ، وقد أبعدت أى مؤثر خارجى فلا تاريخ ولا مجتمع ولا فكر أو فلسفة يمكن أن يكون ذا أهمية فى جودة الأدب أو خلوده، النص فقط ولغته ، كان الشكل فقط ولا يوجد مضمون يُقَدَم فى الأدب ليرفَع او يَحُط من القيمة، فكانت البنيوية والشكلانية قد جعلت النص هو الأساس وسلطته فوق كل شيئ، لكنه فى النهاية -رغم وجود تفسيرات عديدة له- محكم وله شفرات يمكن حلها للوصول للمعنى وجماليات النص بدون أى مؤثر خارجى حتى وإن كان المؤلف نفسه، ووصل التطرف فى هذه المناهج حتى ظهور التفكيكية التى أعلنت "موت المؤلف" ، ومن ثم ، اتاحة الفرصة للقارئ ، والقارئ فقط فى فهم النص واستنتاج مدلولاته من اللغة المكتوبة، وفتح احتمالات لا نهائية لفهم النص ، بل وان كل القراءات غير صحيحة لأنه سينتج عدد لا نهائى من القراءات والفهم للنصوص.
الكتاب يعرض المناهج وتاريخها وبدايتها وملامحها،وانها رغم إدعاء حياديتها وانسلاخها من أى مرجعية ؛ فهى فى النهاية قد خرجت من رحم أيديولوجيات وفلسفات غربية تطورت حتى وصلت لمرحلة ما بعد الحداثة ، او مرحلة اللايقين وتفكيك كل الثوابت،تناول الكتاب أيضاً النقد الموجه لهذه المناهج، وإيجابيات وسلبيات كل منهج نقدى ، ومدى ملاءمة تطبيق هذه المناهج النقدية فى أدبنا العربى الاسلامى ، وطريقة تعامل هذه المناهج مع النصوص المقدسة.
الكتاب جيد لكنه جامع لاقتباسات وكلام من نقاد ومنظرى هذه المناهج او نقد لهذه المناهج ،ورأى الكاتب لا يأخذ حيزاً كبيراً إلا فى بعض الفقرات الصغيرة جداً أو فى الخاتمة البسيطة،ومن الممكن بعدها قراءة كثيرا من مراجع النقد الأدبى وكتب هذه المناهج تفصيلاً.
يعالج هذا الكتاب ضربين من المناهج النقدية الغربية الحديثة، أحدهما المناهج النقدية التي أصبحت في نظر بعضهم تقليدية قديمة، والثاني المناهج الأحدث التي تمخض عنها القرن العشرون، وتسمى المناهج الحداثية وما بعد الحداثية، أو المناهج البنيوية وما بعد البنيوية التي كانت ثورة على الأولى و نقض لها؛ فهذه الأولى مناهج تتعامل في نقدها النص الأدبي من الخارج، ولا تولي لغة الأدب، ولا خصائصه الجمالية، ولا فنيته أي اهتمام؛ لذلك اتجهت المناهج النقدية الحداثية وما بعد الحداثية اتجاها ماديا محضا في التعامل مع الأدب ونقده؛ إذ لم تر فيه إلا شكلا لغويا جماليا، ولم تعد تعبأ بما يقدمه النص الأدبي من قيم أو مثل أو فلسفة أو فكر، ولم تعد تسأل عن وظيفة النص ولا عن دوره في المجتمع.
وقد اتضح من خلال العرض ما هو أدعى إلى الحيطة والحذر، وهو أن هذا النقد الأدبي ليس نقدا أدبيا فحسب، ولا هو آراء وأفكار تتعلق باللغة والأدب والفن وما شاكل ذلك وحده، ولكنه عقائد وفلسفات وإيديولوجيات عن كل شيء عن الإنسان والحياة والكون والإله والأديان وغيرها.