مؤخّرا توالت على مسامعنا أنباء عن اتخاذ الأمم المتحدة عهد علي (ع) لمالك الأشتر كإحدى وثائق التشريع في القانون الدولي. قراءة هذا الكتاب كافية لتقنع القارئ بصوابية خيارهم. لقد أبدع الأستاذ جورج جرداق في إظهار مقارنة بين التراث الثمين الذي خلّفه علي بن أبي طالب في أقواله وخطبه ورسائله وبين مفكري عصور النهضة في أوروبا وفلاسفة الثورات والمنظّرين للدول الحديثة. فشخصية عليّ الخالدة قد جمعت في ذاتها عقول الفلاسفة والمفكرين والثوار والمصلحين، وكأنّ هؤلاء المفكّرين استمدّوا أفكارهم من تراث عليّ لكثرة ما تتطابق معه. يأخذنا الأديب جورج جرداق في رحلة ذهنيّة حول تاريخ الأفكار التي شكّلت الأسس لحقوق الإنسان المعروفة في عصرنا الراهن، فينتقل بنا من كلمة فيلسوف إلى خطاب ثائر إلى حكمة مفكّر ثم يجد مقابلا لها نطقته حنجرة علي. يلاحظ في شخصية عليّ التماسك المتين والرؤية الواضحة التي تنعكس آراءً ومواقف منسجمة ضمن منظومة فكرية واحدة، وكأنّ عليّ يقرأ أحكامه من كتاب علميّ متين لا تجد فيه قيد أنملةٍ من تناقضٍ حتّى في تفاصيله. لا بد للقارئ أن يستمتع بجمال أقوال الإمام حين يتحدّث عن العلم والفكر والمعرفة والعمل تارة ثم عن القضاء وعلاقة الحاكم والمحكوم والحقوق والواجبات وعن حريّة الأفراد فيما يعتنقون وعن سيادة الشعب الذي هو مصدر السلطات وعن الضرائب والعقوبات تارة أخرى. يبيّن الكتاب حجم الضريبة وفظاعتها وما كبّدته للبشرية من قهر ودماء ودموع في مسيرتها نحو الاعتراف بحقوق الإنسان على ما هي عليه اليوم. ثم يقيم الكاتب مقارنة بين المبادئ السبعة عشر لوثيقة حقوق الإنسان الفرنسية التي تولّدت من الثورة الكبرى عام 1789 وبين سيرة علي مع الحكم. فيظهر جليّا للقارئ حجم التطابق بينهما، فتجد لكل مبدأ مقابلاً له في عدة مواقع من كلام الأمير. كلامُ حق يقال أنّ الكتاب يستحقّ القراءة واعتماده كمرجع في البحوث. تغمّد الله روح الكاتب بعظيم رحمته وأسأله أن يجزيه خيرالثواب على ما خلّف من آثارٍ لا تقدّر بثمن
الكاتب الكبير جورج جرداق غني عن التعريف في سلسلته ،
وفي كتابه هذا حاول ان يركز على علاقة علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) وما قدمه من فكر وانه مهما يختلف الحاكم عن المحكومين بالمذهب والعرق و الدين و غيرها فانه الرحمة و المساواة و العدل هي الهدف من ذلك من زاوية انسانية
تحدث الكاتب عن ايام العصور القديمة و العصور الوسطى وخص بالذكر بعض من طالب بتلك الايام بالحرية وطالب بالغاء نظام الرق في محاولات فاشلة وقد اخمد الحكم الجائر وبالتعاون مع الكنيسة وطبقة النبلاء هذه المطالب خاصة بدول مثل اسبانيا و ايطاليا و المانيا و فرنسا وكيف انه هنالك بالتاريخ شخصيات تتقابل في الافكار كسافونارولا الذي تتساوى شخصية كشخصية علي بن ابي طالب عليه السلام على حد وصف الكاتب
الى ان وصل الى الثورة الفرنسية و نهضة الحرية و التحرر من محاكم النجمة ومحاكم التفتيش و غيرها ،
انتقد بعض اراء المسلمين ممن يبررون بثراء و غنى الحكام الاسلاميين ويقول ان الثراء الفاحش كان مقابل كبت الحريات و المعاملة اللانسانية ايام الدولة الاموية او العباسية
في الفصل الاخير يتحدث عن بنود وثيقة الثورة ، ويقول هي ايضا موجودة من قبل في دستور علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) وانه حكم بحكم انساني بحت ، يقوم على مبدأ الانسانية والمساواة والحرية المطلقة المقيدة بالمصلحة العامة كالحرية الشخصية و حرية المسكن و حرية التملك و حرية الفكر وحرية الصناعة والعمل والتجارة و التجارة والزراعة
وقفت امام هذا العمل مبهوتا, لا ادري هل من المفترض بي ان افرح لسبق الامام, ام اتحسر علي مدي تأخر الفكر الانساني؟
الم تكن الانسانية اولي بتلك السنوات الضائعة بين قانون الإمام و قانون الحريات؟ الم يكن ذلك ليوفر علينا كثيرا من العناء؟ و لكُنَّا الآن نتفكر في امور " ما بَعد" اطلاق الحريات و ما يترتب عليها من رغد في العيش و تقدم للبشرية في كل امورها؟ .... "الم؟"
بعد قراءة الكتاب يدرك القارئ بأن شخصية الشرق الخالدة الامام علي ابن أبي طالب ادرك حقيقة الحكومة وواجبتها تجاه الشعب وادرك مبدأ التكافل الاجتماعي والحياة الكريمة وحقوق الإنسان قبل 14 قرن من تاريخ إعلان حقوق الإنسان !
لم أكن اعرف عن الثورة الفرنسية شيئا فعرفت من هذا الكتاب الكثير ولكن لن يقتنع كل قارئ بالمقارنة بين مبادئها وبين افكار وقيم علي بن ابي طالب, مقارنة الكاتب رائعه و لكن اقتناع القارئ يعتمد على المذهب الذي يتبعه وعلى افكاره. كتاب انصح به لمن يحب التاريخ