إبراهيم المصري : ---------------------- يبقى من رواد القصة التاريخية القصيرة قبل سعد مكاوي ، إبراهيم المصري الذى يستحق أن نقف عنده وقفة طويلة " فقد عمد إلى التاريخ ليتخذ منه منطلقاً لإبراز خياله الشاعرى ، ولإجراء تعادلية موفقة بين الخيال والواقع "(16) , ذلك أن الروائي لا يهتم بالتاريخ لذاته ، إذ ليس هو بمؤلف يتخذ التاريخ حافزاً لإطلاق خياله المضطرم وملكاته الشعرية الجامحة ، بيد أنه لما كان قادراً على إجراء التعادل بين الخيال والواقع وبين الشعر والحقيقة ، كان فناناً عظيما كشكسبير ، وكلما طغى فيه الخيال والشعر كان فناناً رومانتيكياً مولعاً بالمتاهات والتهاويل وبعيداً عن الحقيقة كما كان " فيكتور هوجو" في مسرحياته"(17) ويرى كاتب سيرة إبراهيم المصري أنه كان قادراً على إجراء هذا التعادل بين الخيال والواقع وبين الشعر والحقيقة ، وذلك لأن "عامل الزمن يفسح مجال الخيال في تصور قصصه ، ويمكنه ذلك من خلال إضفاء ألوان شعرية مثالية خارقة وألوان مبهرجة وغريبة يقربها من واقع الحياة اليومي كما يبدع منها واقعاً أجمل وأروع يهيمن على الخيال وإن لم تختف منه الحقيقة "(18). وبلا شك أن المصري يلتزم بالتاريخ وحقائقه ، ولكنه ذلك الالتزام الذي يصعب الوقوف عنده ، إذ هو لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أحداثاً ووقائع بقدر مع يتعامل معه كحقائق تاريخية تكمن خلف هذه الأحداث وتلك الوقائع ، أى أنه يفسر التاريخ ، " يقف عند مجرد الاهتمام به كإطار خارجي يمثل الهيكل المحتوى للمشكلة الإنسانية المعالجة حتى أنه لجأ إلى التاريخ الإنساني عامة كإطار شكلي لقصته التاريخية القصيرة"(19) . لذلك فإن أجواء التاريخ لديه تختلف من قصة إلى أخرى ، ونجد أن المصري حريص على هذا الاختلاف والتنوع في الأجواء التاريخية ، وإن كان هذا التنوع لا يغير كثيراً من طريقة استخدام المادة التاريخية ، تلك المادة التي يحاول من خلالها عن طريق النص إظهار قيم معينه مثل ، الشرف والواجب ، وحب الأوطان وغيرها ، أو بث سلوك خلقي معين في القارئ المتلقي للعمل ، مما يشي بوجود وظيفة تعليمية للتاريخ ، وذلك نابع من مفهوم للتاريخ يقترب من المفهوم الإسلامي الذي يرى في التاريخ عظة وعبرة * . على أن ميزة " إبراهيم المصري " في قصصه التاريخية القصيرة تتمثل في تغليبه الفن على التاريخ ، فالقصة التاريخية تأخذ جانباً فنياً عالياً ، متماسكاً يتفوق فيه على سابقيه في هذا المجال ، وإن كانت هذه القصص تقل في مستواها الفنى عن قصصه الأخرى التحليلية التى تميز بها ، وربما تكون المادة التاريخية قد لعبت دوراً هاماً في ذلك ، فهو – أىالمصري – لا يميل إلى التحليل النفسي والاجتماعي في قصصه المستمدة من التاريخ ، ورغم ذلك نجد أن الحدث التاريخي لا يلعب دوراً أساسياً في بناء القصة ، إذ التاريخ لا يمثل إلا إطاراً تدور في فضاءه الأحداث والشخصيات ، فيمكن حذف اسم الشخصية التاريخية ، وكذا الإشارات التاريخية التى تشير إلى الأحداث لنجد أنفسنا أمام قصة عادية يمكن أن تروى في أى مكان وأي زمان . ففي قصصه يكتفي بالمقدمات التاريخية القصيرة ليحاول من خلالها أن يوجد للتجربة الإنسانية المعروضة انتماءاً زمنياً ومكانياً في التاريخ ، فيقدم قصة" ساعة النصر", بقوله: " وقعت حوادث هذه في عهد أحمس وكان الهكسوس وهم قبائل آسيوية همجية ، قد اغتصبوا أرض مصر ، وظلوا يعيشون فيها ويسومون أهلها الاستبداد والظلم فلما ظهر في أواخر القرن السابع عشر قبل الميلاد فرعون أحمس ،قاتلهم وانتصر عليهم ورد فلولهم إلى أسيا ، ثم أقام إمبراطورية مصرية صميمة هي إمبراطورية طيبة"(20) . وهكذا الحال في جميع قصصه التاريخية القصيرة وهو تقديم - كما نلاحظ – ليس له أهمية تذكر في إحياء الجو التاريخي ، وليس معنى هذا أننا نطالب الكاتب بإحياء الجو التاريخي لقصته من خلال مقدمات تاريخية للقصة . والتجربة المتناولة بعد ذلك في قصص " إبراهيم المصري " التاريخية القصيرة تجربة إنسانية عامة تتمثل أغلب المشاعر والقضايا الرومانسية خلال عنصري الحب والصراع"(21)، بالإضافة إلى المبالغة في تصوير هذه المشاعر ، وهى مبالغة ترجع إلى ا تقاد الخيال الشعري عنده كما أدرك "فوزي سليمان " إذ يقول :" فالمهم في المسرحية أو القصة التاريخية هو اتقاد الخيال الشعري ، مع الحرص على جوهر الحقيقة الإنسانية الأبدية ، وهذه هي الغاية التي تطلع إليها كاتبنا في قصصه التاريخي"(22) . على أن هذه المبالغة قد تجور أحياناً على الصدق الفني والتاريخي معاً ، فنجد في قصة ، " السادة والعبيد " من مجموعة " ساعة النصر" ، بوريس بطل القصة يرميه سيده من المركبة ، فيسترد أنفاسه مع الفجر بعد أن نجح في قتل ذئب ، ليعود إلى القرية ، وهنا ينتظره الجلد بالسوط من قبل سيده ، حتى ليكاد يلفظ أنفاسه " فلما أتى الفلاح على أخر سوط أرسل " بوريس" أنة طويلة مخفوقه ثم تداعت قواه وانهار على الأرض ، انهار على الأرض كالكتلة الصماء ، فارتمت أمه عليه ، وجعلت تحسه في جنون وتقلبه وهى تردد : - لم يمت ! لم يمت ! أسعفوه بكوب ماء . - فتقدم " لاديلاس" ليرى ، تقدم ليستمع ، تقدم ليتشفى ، عندئذ تململ "بوريس" وتحرك وفتح عينيه ، ونظر إلى سيده ، نظر إليه نظرة لم يرها مولى سوى في عين عبده ، نظرة سريعة نظرة هائلة ، نظرة منها كل عذاب العمر ، وكل الحنق على الظلم ، وكل الثورة الجارفة الطاغية على الجور والاستبداد ، فارتجف " لاديلاس" وتقهقر ، ولكن بوريس أمسك بذراعه وتشبث به ونهض ، نهض بالرغم منه ، نهض مدفوعاً بقوة طارئة خارقة لم يعلم من أين واتته ، نهض كالجبار واستقام كالطود ، وتلفت … تلفت وهو مخبول ، تلفت وهو دهش من يقظته ، مأخوذ بنشوته ، غير شاعر بجراحة ، مذهول من عزيمته وقوته وفكرته … ولم يتردد وفى مثل ومض البرق ، دفع" لاديلاس" في عنف ثم انقض على الصبي " يافيل" واختطفه ، ثم غافل الكل وأسرع إلى جواد السيد فامتطاه ، وانطلق بالجواد والصبي إلى قمة الربوة الواقعة في مؤخرة المزرعة والمشرفة على الواد السحيق"(23) . آثرت أن أنقل هذه الفقرة الطويلة من القصة لأدلل من خلالها أيضاً على المبال...
إبراهيم سليمان حداد الذي اشتهر باسم إبراهيم المصري كان مولده في مطلع القرن العشرين، ووفاته في 13 من أكتوبر (تشرين الأول) 1979، يأتي في طليعة كتاب القصة المصرية التي وصلت قامته فيها إلي مكانة عالية منذ بواكيرها وما زالت مجموعاته القصصية الكثيرة تقرأ لما فيها من نظرات صحيحة وتماسك وحبك، وغوص في بواطن النفس مع جمال العرض وطرافة العبارة وشاعريتها إلي جانب ما أسبغه عليها من تأملات وعطف كبير علي كثير من شخوصها المنتمين إلي الطبقات المتدنية.