النيل والفرات: ساق أحمد بن يوسف كتابه هذا على مدرجة من القول في المكافأة على الحسن والقبيح، وحسن العقبي في الصبر والتشدد ونفي الجزع عن النفس، وهو في أكثره يروي الخبر عمن حدثه به أو يصوغ في عبارته حكاية ما لقيه أو شاهده أو استخرجه. وهو في بيانه قليل التكلف، قريب اللفظ، بعيد عن الغموض. وسهل له ذلك أنه بفطرته محدث بارع، أو كما قال ياقوت: "حسن المجالسة". فكانت سياقة كلامه في كتابته أشبه بالحديث منها بالكتابة، وهو إذا لغرض أبان عنه بوضوح وترتيب وتساوق، ثم هو في خلال ذلك جزل الرأي، محكم الفكرة، قريب الفور. وسبب ذلك أن أحمد بن يوسف كان صاحب منطق، وحساب وهندسة، ومن طبيعة التحقق بدراسة هذه العلوم أن تجعل للرأي جزالة وأحكاماً ليست لغيره ممن عدم النظر فيها والتمرس بها. وقد اعتمد أحمد بن يوسف فيما يقصه أن يتبع رأي الجاحظ في رواية بعض القول على وجهه كما يجري في الحديث، غير مستنكر أن يكون فيه اللحن والخطأ في اللغة، ما دلّ ذلك على حكاية لفظ يختل حاله إذا أزيل عن الوجه الذي نطق به. وقد استعمل أحمد بن يوسف في كتابه هذا كثيراً من الألفاظ المصرية التي لا تزال باقية إلى يوم الناس هذا، وعرض بعض العادات القديمة التي لا تزال تنحدر من ذلك العصر، ولكنه كان قليل الحفل بالبيان عنها وكشفها ووصفها واستيعاب القول فيها، وذلك لأنه كان يرمي إلى غرض بعينه، فلم يسر في قصصه سيرة الجاحظ في الاستطراد والتوسع، وتشغيف المعاني العارضة في وجوه كثيرة، وكأن ما تعوده من الضبط في الحساب هو الذي حمله على الضبط في الحديث، ولو فعل لكان في كتابه بعض التاريخ الاجتماعي الضائع للعصور العربية الزاهرة التي لم يعرف إلا بعض رسمها وأشتات من صفاتها.
أديب بغدادي الأصل، هاجر أبوه إلى مصر، واشتغل كأبيه باستثمار الأرض. درس الطب والفلك والرياضة والفلسفة، وكان له ديوان شعر. ألف في التاريخ والفلسفة والأدب، ومن مؤلفاته «سيرة أحمد بن طولون»، و«سيرة أبي الجيش خماروية»، و«سيرة هارون ابن أبي الجيش»، و«أخبار الأطباء»، و«أخبار المنجمين»، و«مختصر المنطق». وأهمها «المكافأة» الذي يضم أقاصيص خلقية، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: المكافأة على الحسن: 31 قصة، تبين حسن مكافأة صانعي الجميل، ومثلها المكافأة على القبيح: 21 قصة. وحسن العقبى: 19 قصة. وهو من أجمل كتب القصص العربية القديمة أسلوباً وصياغة وفناً، وأهمها دلالة اجتماعية، ومن أقدم الآثار الأدبية المصرية العربية.
المُكافأة وحُسن العُقبى/ ابن الداية أحمد بن يوسف الكاتب حققه وشرحه وصححه/ محمود محمد شاكر مطبعة الإستقامة بالقاهرة – الطبعة الأولى – رمضان 1359 هـ - أكتوبر 1940 م الكتاب يقع في 178 صفحة ---------------------- • ( ابن الداية ) ، أبو جعفر أحمد بن يوسف بن الداية كاتب الدولة الطولونية المتوفى سنة 340 هـ / 951م، وكتابه هذا بعنوان ( المُكافأة وحُسن العُقبى )، الكتاب من التراث العربي الأصيل، ينتمي إلى فنّ الحكاية، الكاتب أسلوبه الحكائي فريد، والكتاب من أهم الكتب الحكائية التي ظهرت في القرن الرابع الهجري، مما يدعونا للدهشة ويصعب أن نتفهّم كيف لم يذع صيت هذا الكتاب بين كُتب الأدب على الرغم من فصاحته وأسلوبه المميّز ؟! • ( ابن الداية ) مؤلف الكتاب عرّف بكتابه في المقدمة، وذلك بعد مقدمة المحقق الأستاذ محمود شاكر، الكتاب احتوى على حكايات على لسان الكاتب، غير مرتبة تاريخيًا، والكثير منها في عصره، وكلّها تقع تحت مظلّة الموضوع الرئيس للكتاب وهو أخبار في المكافأة وحسن العقبى. • الكتاب ينقسم إلى ثلاثة فصول، الفصلان الأول والثاني عن المُكافأة، بينما الفصل الثالث والأخير عن حُسن العُقبى، وجاء الفصل الأول بعنوان ( المكافأة على الحسن )، والثاني ( المكافأة على القبيح ) ، والثالث ( حُسن العُقبى ). • تجد الكاتب في خاتمة الفصل الأول يقول : " ولأنّ المرغوب إليه إذا كان يحتاج إلى مُطالعة حُسن المكافأة للإحسان فيثابر عليه، وسوء المكافأة على الإساءة فيتأخر عنه، كان الراغبُ محتاجًا إلى أن يكون في خَلَده من أخبار من أساء الصنيع فساءت مكافأته، ما يوازي ما أثبتناه من حُسن المكافأة للإحسان " كإجمال لما جاء به من قصص في هذا الفصل. • ثم جاء في خاتمة الفصل الثاني قول الكاتب : " وإذ وفّينا ما وعدناك به -من أخبار المكافأة على الحسن والقبيح – ما رجونا أن يكون ذلك عونًا للاستكثار من مواصلة الخير، وتطلب العارفة في الحسن، وزجر النفس عن متابعة الشر وإبعادها عن سورة الانتقام في القبيح ". ثم جعل ذلك الكاتب دافعًا له لأن يصل الفصلين بفصل ثالث بعنوان ( حُسن العقبى ) ذكر فيه أخبار من ابتُلي فصبر فكانت عاقبته حسنة؛ مُعللًا ذلك بقوله " رأيت أن أصل ذلك - حفظك الله – بطرفٍ من أخبار من ابتُلي فصبر، فكان ثمرة صبره حُسن العُقبى؛ لأن النفس إذا لم تُعن عند الشدائد بما يُجدِّد قُواها، تولّى عليها اليأس فأهلكها، وقد علم الإنسان أن سفور الحالة عن ضدّها حتمٌ لا بدّ منه، كما علم أنّ انجلاء الليل يُسفر عن النهار. ولكنّ خَوَر الطبيعة أشدّ ما يلازم النفس عند نزول الكوارث، فإذا لم تعالج بالدّواء، اشتدّت العلّة وازدادت المحنة. والتفكّر في أخبار هذا الباب، مما يشجع النفس، ويبعثها على ملازمة الصبر وحسن الأدب مع الرب عزّ وجل، بحسن الظن في مواتاة الإحسان عند نهاية الامتحان". • ثم جاءت خاتمة الكتاب جميلة بقول الكاتب: " ولله تعالى رَوح يأتي به عند اليأس منه، يُصيب به من يشاء من خلقه، وإليه الرَّغبة في تقريب الفرج وتسهيل الأمر، والرجوع إلى أفضل ما تطاول إليه السُؤُل؛ وهو حسبي ونعم الوكيل ". • ليست كل الحكايات في هذا الكتاب من مشاهدات الكاتب وحده، وإنّما تجد بعضها نقله عن غيره بإسنادٍ إليهم، وتجده يُشير إلى ذلك بدقة مُنقطعة النظير، مما يتبين معه جُهد المحقق ( محمود شاكر ) في إخراج هذا الكتاب الأدبي الثمين. • هذا النوع من القصص التراثي أو الخبر القصصي تجد له الكثير من النظائر في كُتب التراث التي يمتليء بها تاريخ الأدب، مثل ( البُخلاء ) و( أخبار الحمقى والمغفلين ) وغيرها، تلك الكتب تتشابه في بنيتها الأدبية القائمة على الحكايات، فتجد فيها اللأدب والتسلية ورسائل النُصح والتأديب. -------------------- أعجبني في الكتاب: • لغة الكاتب وسهولة السرد على لسان قلمه وحُسن حكايته للقصص. • تفاصيل القصص والأشخاص والحوار الدائر بينهم. • المعاني الجميلة والحكمة الدائرة بين قصص الكتاب، والتسرية علوب المُبتلين والتي جاءت لطيفة في الفصل الأخير من الكتاب. --------------------- اقتباسات من الكتاب: • في قصة الورّاق ومكافأته على صبره، أعجبني قول من حمد صنيعه وبعث إليه بالمالق إذ قال: " هذه ثمرة صبرك عليّ! ". • " ولم يُؤت الجود من مأتى هو أغمض من مُغادرة حسن المكافأة ". " فإنّ عارًا ونقيصةً على الكريم أن يموت وعليه دين من ديون المعروف ". " ولكن ينبغي أن لا تنسى نصيبه منك في الشدِّة، كما عُني بك في النِّعمة ". " بحُسن المكافأة تُستحث الصنائع، وتزكو العوارف ". " وقدّ مثّل بعض الفلاسفة لحسن المكافأة، بالحسام الصقيل الذي يحدث له وقوع الشمس عليه: انبعاث شعاع منه يجلو غياهب الأمكنة المظلمة، ويكون وفور شُعاعه على حسب صقاله ". " أنا وإيّاك في قبضة من حنثت في اليمين به، وهو عزّ وجلّ يشكر للمحسن إحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته. وقد أنعمت عليك، وأحسنت إليك، وأنا أُخوّفك الله وأحذِّرك سطواته، فإنّي أعلم أنّ حياءك مما جرى عليك هو الذي ردّك، فينبغي أن يكون استحياؤك من الله عزّ وجل أشدّ من استحياءك من خلقه ". " ومِلاك مصلحة الأمر في الشدة شيئان: أصغرهما قوة قلب صاحبها على ما ينوبه، وأعظمهما حسن تفويضه إلى مالكه ورازقه وإذا صمد الرجل بفكره نحو خالقه، علم أنّه لم يمتحنه إلّا بما يُوجب له مثوبة، أو يمحص عنه كبيرة، وهو مع هذا من الله في أرباح متصلة، وفوائد متتابعة ". قال أفلاطون: " حافظ على كل صديق أهدته غليك الشدائد، والهُ عن كل صديق أهدته إليك النعمة ".
كتب د. سيد محمد السيد قطب كتاب المكافأة وحسن العقبى لأحمد بن يوسف بن إبراهيم المعروف بابن الداية المصري
هذا الرجل مؤرخ له سيرة أحمد بن طولون التي احتفظ بها ابن سعيد المغربي في كتاب المغرب في حلى المغرب واعتمد البلوي على هذه السيرة تماما في كتابه عن ابن طولون ، وتأثر به ابن زولاق المؤرخ المصري وهو تلميذ مباشر لأحمد بن يوسف ، كان يجلس معه ويسمع منه وكتب على نسقه سيرة الإخشيد ، ولأحمد بن يوسف كتاب اسمه العهود اليونانية وهو استلهام لأفكار فلاطون في المدينة الفاضلة صاغه ابن الداية في شكل ثلاثة عهود الأول عهد من ملك لابنه والثاني عهد من وزير لابنه والثالث عهد من رجل من أرفع طبقات العامة لابنه ، الغرض من الكتاب رسم ملامح المجتمع المثالي وأفكار ابن الداية فيه تفيد من التاريخ العربي الإسلامي ومن تجربة أحمد بن طولون في مصر وقد عاصرها أبن الداية كاملة ومن مؤلفات يونانية تتجاوز أفلاطون وقد نشر هذا الكتاب عبد الرحمن بدوي ، ولابن الداية أحمد بن يوسف رسائل علمية في الرياضيات والفلك مخطوطاتها في أكسفورد ومعظم من تحدثوا عن تاريخ العلم ذكروا جهده في ذلك ووصفه تلميذه ابن زولاق بأنه مجسطي إقليدسي أي دارس لكتاب المجسطى لبطلميوس وكتب إقليدس. عاش أحمد بن يوسف عمره في مصر فقد ترك والده يوسف بن إبراهيم وهو ابن داية إبراهيم بن المهدي ورضيع المعتصم بغداد عام 225 هـ ، والده يوسف بن إبرهيم له كتاب اسمه أخبار الأطباء اعتمد عليه سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل والقفطي وابن أبي أصيبعة تماما في تراجم أطباء بغداد بخاصة جبرائيل بن بختيشوع ويوحنا بن ماسويه وحنين بن إسحق العبادي ، كان يوسف صديقا لهؤلاء الأطباء قريبا منهم ، كان يحضر مجالسهم ليتعلم منهم من جهة وليروي نوادرهم من جهة أخرى ، كان يحفظ شعر هوميروس ويتعرف عليه عندما ينشده حنين بن إسحق ، أتى يوسف إلى مصر وعمل بإدارة الأرض الزراعية فيما يشبه نظام الالتزام أي يتقبل بعض الضياع ويدفع خراجها وأجور مزارعيها ويعيش من بيع محاصيلها ، عاش حياة ثرية وأنفق على فقراء وتعرض لشك ابن طولون نظرا لعلاقته القديمة بالقصر العباسي الذي دخل معه ابن طولون في شد وجذب ليحكم مصر بشكل شبه مستقل ، لكن أحمد بن يوسف كان محبا لابن طولون يرى فيه الحاكم المثالي الذي بنى دولة ورفع شأنها بخاصة أن ابن طولون قبض عليه يوم وفاة والده وأفرج عنه على الفور ليلحق بجنازة أبيه بعدما أخبره أحد جلسائه أن يوسف الراحل كان صاحب فضل على كثير من الناس. كتاب المكافأة وحسن العقبى نشر أكثر من مرة فقد عثر على مخطوطته أمين عبد العزيز ونشرها ثم حققه علي الجارم شاعر العروبة وأحمد أمين المؤرخ المعروف وكان ضمن مقررات مرحلة التوجيهية من قبل وزارة المعارف في أربعينيات القرن العشرين في مصر ، أمّا الطبعة الأكثر انتشارا فقد قام بها العلامة محمود محمد شاكر. كتاب المكافأة وحسن العقبى وثيقة تاريخية حضارية ثقافية لغوية للحياة في مصر في نهاية القرن الثالث الهجري ، أمّا من الناحية الأدبية فيمكن القول إنه أول مجموعة قصصية في تاريخ مصر العربية الإسلامية ، وقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية بمعرفة باولين جرجيوس ونشر في مجلة المجمع العلمي الفرنسي بالقاهرة.
يسرد هذا الكتاب اللطيف: " المكافأة وحُسن العُقبى " والقصير أيضاً ، 114 صفحة دون الفهارس، مجموعةَ قصصٍ حقيقية عاشها أو سمع بها وعنها المؤلف، تبين في عمومها جزاءَ من يُحسن الصنيع ويقدم المعروف والبذل للناس.
** الكتاب لمؤلفه: أحمد بن يوسف الكاتب، المعروف بابن الدّايَة، وهو من كُتاب الدولة الطولونية التي كانت في مصر زمن الخلافة العباسية، ونسخة الكتاب التي قرأتها من تحرير د. علي محمد عمر .
** الكتاب ينقسم لثلاثة أقسام: فقسمٌ يتحدث عن مكافأة من يُحسن ويقدم المعروف بالإحسان ورد معروفه، وقسمٌ يسرد أخبار جزاء من تنكّر للمعروف وأساء ردّه وكيف يخذله ويعاقبه الله عز وجل والناس جزاء إساءته وعدم حفظه للمعروف،، والقسم الأخير يبين العاقبة الحسنة لمن يصبر على الشدائد ويصبر على بلوغ ما يريد ويتخذ الرضا واليقين بالله زاداً في حياته ..
** برأيي أن لغة ��لكتاب كانت صعبةً بعض الشيء وذلك لأسباب: منها كثرة ورود أسماء أشخاصٍ وأماكن لا نعرفها نحن، لكنها كانت معروفة جداً في زمن كتابة الكتاب. وبالتالي قد تقرأ القصة فلا تفهم لماذا غضب فلان على علان ولا أين هذا المكان المذكور ولا تعرف ما هو هذا الشيء الذي يتحدثون عنه، ولكن بالرجوع للمعارف السابقة في التاريخ نجد أن فلاناً مثلاً كان عدواً تاريخياً للآخر ! وهكذا... وكذا أنه كُتب في عصر قديم كانت فيه هذه لغتهم العادية بينما نحن الآن في عصرنا هذا نستصعبها قليلاً . ولكن هذه اللغة التي قد تبدو صعبة قليلاً سرعان ما تلين وتتذلل للقارئ مع استمراره في قراءة الكتاب ��عدم تراجعه.
** في ثنايا الكتاب تلمح بعض مظاهر الحياة الإجتماعية للناس في ذلك العصر ، وبصراحة، وفي رأيي الشخصي (( وبعيداً عن فكرة الكتاب الأساسية التي توضح انتشار قيم الشهامة والمروءة والكرم ورد المعروف وحسن مكافأة الناس على المعروف وغيرها من القيم النبيلة الجميلة في ذلك الزمن )) كم تنهّدتُ أثناء القراءة وقلت لنفسي: " ما أبعد هذا عن ما كان ينبغي أن يكون في مجتمعٍ اسلامي! " أو : " كم كان في تلك الأيام من تصرفات بعض هؤلاء الناس ما ليس منضبطاً على شرع الله بالشكل التام الذي ينبغي، تماماً كما يحدث الآن في زمننا هذا ! "
* جزى الله خيراً عظيماً من دلّني عليه وحثني على قراءته، الدكتور الفاضل الكريم: أ.د.محمد طوالبة وكافأه عني وأجزل مثوبته وأكثر من الإنعام والتفضل عليه، وبارك له في علمه وعمله وأهله وولده.
*** أتمَمتُ قراءته وكتبتُ هذا يوم: الجمعة: 7 / 12 / 2018 م الساعة: 3:55 عصراً #إنعام_عبد_الفتاح .
فقد عثر ع مخطوطته أمين عبدالعزيز ونشرها عام 1914 ، وطبعت الطبعة الأكثر انتشاراً بتحقيق شيخ العروبة محمود محمد شاكر 1940 ، طبعته المكتبة التجارية ، ثم قام بتحقيقه احمد أمين 'عميد كلية الآداب' وعلي الجارم بك 'وكيل دار العلوم' ،وكان ضمن مقررات التوجيهية في أربعينات القرن العشرين ايضاً من المطبعة الأميرية ، وذكر الشيخ شاكر في جمهرة مقالاته مقال بعنوان "عُدوان لطيف" تحكي عن عدوان وزارة المعارف ع طبعة محمود شاكر لتروج لطبعتها بتحقيق الاستاذين احمد امين وعلي الجارم
كتاب المكافأة وحسن العقبى يعتبر أول مجموعة قصصية في مصر الإسلامية ، ووثيقة تاريخية و ثقافية جزيلة اللغة ، وقرأت في احدى المجلات انه تم ترجمة الكتاب إلي اللغة الفرنسية ونشر في مجلة المجمع العلمي الفرنسي.
وقام الأستاذ محمود شاكر بترجمة بديعة لأحمد بن يوسف 'ابن الداية' ع طريقة الشيخ جزاه الله عنا وعن عمله خيراً ، وأنصح من لم يقرأ الكتاب يقرأ هذه الترجمة فقط.
كتاب خفيف لطيف يُقرأ في يوم واحد، لي عليه ملاحظة وهي أنه يورد أخبار المنجمين من غير نكير لصنيعهم، ومعلوم أن من ادعى علم الغيب فقد نازع الله في ربوبيته نسأل الله السلامة. والكتاب فيه عبر لمن اعتبر بأنّ الجزاء من جنس العمل وأنّ الأيام دول وأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، فكم من قصة خنقتني العبرة عند قراءتها ، والعجيب على قرب عهدهم من زمن النبوة والصحابة والتابعين إلا أنّ الظلم في الولاة وأمرائهم وأخذهم المكوس والضرائب متفشي والافتتان بالفلاسفة وتمجيد من تتبع أقوالهم ،فما بالك في هذا الزمان الذي بعدهم بأكثر من ألف عام فلا تعجب مما ترى وتسمع ،جعلنا الله ممن يعلمون الحق ويعملون به وأن يهدينا سبل الرشاد.
هذه المرة الثانية التي أقرأ فيها هذا الكتاب. وكنت قد عزمت على إعادة قراءة ما قرأته سابقاً وأعيد قرائته خلال هذه السنة لتكون أقرب لتجديد الصلة بالقديم.
نحن هنا أما سرد تاريخي اجتماعي جدير بالملاحظة دون حمل تخوفات الأحكام المسبقة أو الرغبة في تتبع السقطات. ببساطة هذا الكتاب يدعوك لتحكم على ذلك الزمان بمنطق ذلك الزمن ووفق المرجع الذي يتحاكم إليه ذلك الزمان ثم إن المجتمعات أبناء أزمانها لا أزمان اللذين قبلهم أو اللذين بعدهم. وفي النفس الكثير الذي أود قوله عن هذا الكتاب وعصره. ولكني أأجله إلى حين القراءة الثالثة ففيها تزداد قدرة الوصف والنقدبإذن الله
أنهيته في عام الكورونا في رحلاتي الطويلة بين المدن، لا أتذكر دافع القراءة حينها تحديدا للأسف لكنه كان من قديم واحدا من الكتب التي رغبت بقراءتها لاتصالها بالأستاذ شاكر رحمه الله وقد بلغ منا حبه والتعلق به أن كان الأمر كما وصفه صديق "انا طلبنا جميع ما كتب رحمه الله ولو على ورق لحمة"، فكان من ثم الطمع و الرغبة في كل ما مسته يداه واتصل به سببه من كتابة أو تقديم أو تحقيق أو تعليق حتى.
لا يحضرني كذلك من الكتاب شئ سوى الفقرة التالية والتي كنت احتفظت بها من حينها للطفها ورقة أسلوبها وجماله وكذلك كان أسلوب الكتاب جميعه فيما أتصور.
"وملاك مصلحة الأمر في الشدة شيئان: أصغرهما قوة قلب صاحبها على ما ينوبه واعظمهما حسن تفويضه إلى مالكه ورازقه، واذا صمد الرجل بفكره نحو خالقه علم إنه لم يمتحنه إلا بما يوجب له مثوبة أو يمحص عنه كبيرة وهو مع هذا من الله في أرباح متصلة وفوائد متتابعة...
ولله تعالى روح.. يأتي عند اليأس منه.. يصيب به من يشاء من خلقه ، واليه الرغبة في تقريب الفرج وتسهيل الأمر و الرجوع إلى أفضل ما تطاول إليه السؤل وهو حسبي ونعم الوكيل. "
قال أردشير: "الشدة كُحلٌ ترى به ما لا تراه بالنعمة"
كتاب قصصي قليل الوعظ كثير السرد.. كثير من القصص قرأتها من قبل في كتب أخرى.. وقد أثارت إحدى القصص اهتمامي وهي قصة تاجر البصرة وزواجه من المرأة القبيحة التي ملكت قلبه... وهذه القصة أعجبتني كثيرا وقرأتها أول مرة في كتاب وحي القلم للرافعي والتي ظننت أن الرافعي ابتدعها من خياله.. لكنني استغربت ورودها في هذا الكتاب القديم -340 هـ- على لسان أحمد بن أيمن كاتب أحمد بن طولون والذي التقى بالتاجر ورأى ابنيه الذين ابتدأ بهما التاجر قصته...
🔸️عنوان الكتاب: المكافأة وحسن العقبى 🔸️المؤلف: أحمد بن يوسف بن الكاتب ابن الداية 🔸️حققه وشرحه وصححه: محمود محمد شاكر 🔸️الناشر: مطبعة الإستقامة بالقاهرة 🔸️سنة النشر: 1940 🔸️رقم الطبعة: 1 🔸️عدد الصفحات: 178
قال الله تعالى في كتابه الكريم: { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }
الجزاء من جنس العمل قاعدة وسنة كونية ثابتة إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ولو بعد حين . . أبو جعفر أحمد بن يوسف بن الداية كاتب الدولة الطولونية المتوفى سنة 340 هـ / 951م ، عالج هذه القاعدة من خلال كتابه (المكافأة) .
وهو مجموعة من الأخبار والقصص تصور الحياة الاجتماعية الإسلامية في عهده، يذكر من خلاله مجموعة من المعاني النبيلة من خلال ذكر نماذج من التاريخ لأناس أحسنوا فلقوا جزاءهم خيرا ، وأناس على النقيض اساءوا فلقوا جزاء ما فعلوا ، ونماذج اخرى صبروا واجتهدوا فكان جزاؤهم حسن العاقبة .
💡 قسم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة أقسام: ▪في المكافأة على الحسن ▪ وفي المكافأة على القبيح ▪ وفي حسن العقبى
💡 وضع في القسم الأول إثنتان وثلاثين حكاية، ختمها بحكاية رجل وقف بين يدي المنصور، وكان من رجال هشام بن عبد الملك، فكان المنصور يسأله عن سيرة هشام؛ لأنها كانت تعجبه، فكان الرجل يترحم عند كل جار من ذكره، فأحفظ ( أغضب ) ذلك حاشية المنصور، فقال له الربيع: «كيف تترحم على عدو أمير المؤمنين؟» فقال الرجل للربيع "مجلس أمیر المؤمنين -أيده الله أحق المجالس بشكر المحسن، ومجازاة المجمل، ولهشام في عنقي قلادة لا يتزعها إلا غاسلي». . فقال له المنصور: وما هذه القلادة؟ قال: قلدني في حياته، وأغناني عن غيره بعد وفاته. فقال له المنصور: أحسنت، بارك الله عليك، وبحسن المكافأة تستحق الصنائع، وتزكو العوارف. ثم أدخله في خاصته وأنهى هذا القسم ببعض من اقوال الفلاسفة متعلقة بموضوعه قائلا : وقد مثل بعض الفلاسفة الحسن المكافأة بالحسام الصقيل الذي يحدث له عند وقوع الشمس عليه انبعاث شعاع منه يجلو غياهب الأمكنة.
💡 في القسم الثاني إثنتان وعشرين حكاية وأكثر قصة أثرت بي قصة (ابن الزيات والمتوكل) [ كان محمد بن عبد الملك الزيات الوزير قد إتخذ تنوراً ( موقداً ) يعذب فيه من يتعمد عقوبتهم . فإذا بلغ بأحد العذاب وقال له : " ارحمني أيها الوزير " يقول له " الرحمة خور في الطبيعة " فلما أدخله المتوكل في تنوره ( لأساءة الزيات له زمن اخيه الواثق ) ، استعاذ به وقال ما كان يُقال له: " ارحمني يا أمير المؤمنين " ، قال: " الرحمة خور في الطبيعة "] !!
💡 في القسم الثالث تسعة عشر حكاية جميلة ولنقل أجمل ما في الكتاب ، كلها تدور حول المعنى الذي يعتقده المؤلف وهو أن المحن والشدائد من اجمل ما يهب الله لعباده الذين يعدهم لعزائم الامور وبرز ذلك واضحاً في خاتمة هذا الباب الرائعة👇
"وملاك مصلحة الأمر في الشدة شيئان : أصغرهما قوه قلب * صاحبها على ما ينوبه ، وأعظمهما حسن تفويضه إلى مالكه ورازقه وإذا صمد الرجل بفكره نحو خالقه ، مسلم أنه لم يمتحنه إلا بما يوجب له مَثُوبة ، أو يُمحِّص عنه كبيرة ، وهو مع هذا من الله في أرباح. متصلةٍ ، و فوائد متتابعة فأما إذا اشتد فكره تلقاء الخليقة ، كثرت رذائله ، وزاد تصنعه، و برم بمقامه فيما قصُر عن تأميله ، و استطال من المحن ما عسى أن ينقضي في يومه ، وخاف من المكروه مالعلّه أن يخلعه وإنما تصدُق المُناجاة بين الرجل و بین ر به لعلمه بما في السرائر، و تأييده البصائر . وهي بين الرجل و بين أشباهه كثيرة الأذية ، خارجة عن المصلحة والله تعالى رَوْح ( رحمة الله ) يأتي عند اليأس منه يصيب به من يشاء من خلقه ، و إليه الرغبة في تقريب الفرج و تسهيل الأمر .
✍ الكتاب رائع ، عميق الأثر ، غني بالعبر والمعاني ، تسبح الله العدل الرحمن ا��رحيم وأنت تقرأ ، أسلوب الكاتب سلس ماتع مع واجهت صعوبة في بعض الحكايات فكنت اضطر لإعادتها أكثر من مرة وهذا مما يبعث على الأسف . من خلال الكتاب نتعرف على بعضٍ من معالم عصر الكاتب وطبيعة الناس في ذلك العصر . انصح بقراءته خاصة للناشئة لما فيه من حث على الفضيلة والمروءة .
حاجة محترمة، فكرة شاملة تتفرع ثلاثة محاور، وتنصب في سرد يصطاد الحكايات التي طالعها المؤلف وشارك فيها وسمعها وخرج منها بمفهوم التوازن، الحياة ميزان دائري وممتد وكفتين لك وعليك، قريبا من جامع ابن طولون في السيدة الآن وفي الفسطاط مصر القديمة أو مصر العتيقة، معظم الحكايات حصلت، بعضها امتد للدلتا أو للصعيد، وبعضها من بغداد، وبعضهما من كريت في الشمال، وبعضها من الهند في الشرق، 71 قصة عن العدالة في الكون والنفس والواقع والحلم والصبر على الألم والفقر والفقد وكل أشكال المعاناة، فكل ليل له نهار، والشمس تشرق كل يوم، وابن الداية عالم هندسة وفلكي ومحاسب ومدير أطيان وعارف الغني والفقير والأمير والغفير والغلبان والشقيان، مثله مثل المبدعين في كل مكان وزمان، الكتاب نشره أمين عبد العزيز، ومحمود شاكر، وأحمد أمين وعلي الجارم ودرسه الدكتور عبد الله خورشيد في محاضرات الأدب المصري في ألسن عين شمس زماااااان، وله ترجمة في مجلة المعهد العلمي الفرنسي بمعرفة باولين جرجيوس فيها قصتان مضافتان من سيرة ابن طولون المنشورة في أجزاء كتاب المغرب في حلى المغرب لابن سعيد، وأخذ معظنها البلوي في السيرة التي كتبها عن ابن طولون وهي الأكثر انتشارا مع أن ابن الداية الأصل، كتاب المكافأة من نماذج التأليف القصصي في التراث العربي لمؤلف جمع الأدب والعلم ووالده كان عالما باليونانية والطب وصديقا ليوحنا بن ماسويه قبل أن يأتي إلى مصر، أبوه صاحب أخبار الأطباء الموجود معظمه عند ابن أبي أصيبعة والقفطي، لكن أباه يميل إلى المرح أما أحمد بن يوسف فشخصية جادة كتابته السردية مرسومة بالقلم والمسطرة في شكل مثلث منفرج الزاوية، لأنه بدأ بالمكافأة على الحسن وأعقبه بالمكافأة على القبيح، وختمه بحسن العقبى