كان السؤال الذي يراودني باستمرار سؤالاً حول سبب انفضاض القارئ من حول الرواية السوريّة التي بقيت للنخبة الأكاديميّة، لغايات الدرس النقديّ، أو للنخبة "الثقافيّة جدّاً"، في أحسن الأحوال. وكان هذا السؤال يلحّ عليّ حينما أرى الأكفّ في كلّ معرض للكتاب تتعاور نسخ روايات مترجمة، وعربيّة مغاربيّة بشكل خاص، في حين ندر فيه أن يطرق مسامعي عنوان نصّ روائيّ سوريّ مطلوب. انطلاقاً من ذلك كلّه، جاء هذا الموضوع بحثاً في النصّ الروائيّ، وليس بحثاً في الظروف خارج النصّ، من مثل وضع المتلقّي العربيّ والسوريّ، وظروف الساحة الثقافيّة العربيّة عموماً.
تتّفق الحداثات كلّها، سواء أكانت كونيّة شموليّة أم محليّة، في أنّها ردّ فعل على التطرّف الأقصى الذي وصل إليه العالم. ويتمثّل ردّ الفعل هذا في رفض الواحديّة التي تحمل سمات التسلّط والقمع، فالحداثة ثورة على الواحديّة، والعكس صحيحح أيضاً: فثمة من النقاد من يرى أن كلّ واحديّة نفي لفعل الحداثة الشمولي، ويبدو أنّ أيّ واحديّة مضطرّة إلى أن تلجأ إلى القمع بكلّ أشكاله وأنواعه لتوطيد سلطتها. إنّ الواحديّة ترفض أيّ مظهر من مظاهر المعارضة، وكلّ مثاقفة تقوم بها الواحديّة ترمي إلى تعزيز قدرتها، وتوطيد سلطتها، وبسط شموليّتها، إنّها تدّعي أنّها خاتمة المطاف، وأنّها تشتمل على كلّ شيء، وأنّها في خدمة الإنسان، تعمل على سعادته، وبالتالي فإنّ أيّ انشقاق عنها يعدّ تخريباً لمسيرة الرفاهية والسعادة