عندما يُذكر اسم الماسونية في جلساتنا يتبادر إلى ذهننا العديد من النظريات والآراء، ولكن ما هي الماسونية؟ ما أصلها؟ والأكثر من ذلك الذي يلعب من خلف الستار.. لن نجد شخصا يتفق مع آخر على أي شيء يخصها رغم ذلك السيل من الكتابات عنها. وقبل أعوام قليلة أدرك قادتهم أنه لا يكون في صالحهم تماما أن يلف ذلك الغموض طقوسها ورموزها، ودعوا الإعلام إلى الإطلاع على بعض أمورها، لكن الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الجميع ولن يسمحوا به أبداً، هو ما يحدث في اجتماعاتهم.
إن التنظيمات الماسونية تعد من أعرق التنظيمات التي كان وما يزال لها أثر بالغ الأهمية والفعالية في المجتمعات الإنسانية. وقد تتفق الماسونية مع غيرها من التنظيمات السرية الأخرى في الأهداف التي تصبو إليها وتسعى لتحقيقها، ولكنها تختلف عن بقية التنظيمات السرية في الأسلوب الذي تنتهجه لتحقيق تلك الأهداف.
تحاول الماسونية دائماً إضفاء صورة اجتماعية خدمية على نشاطاتها. ولكن ما هو مفهوم الفلسفة الاجتماعية لديها؟ وهل هي تؤمن بالإنسان في نطاق المجتمع؟ وهل خير الناس عندها هو أكثرهم نفعا لمجتمعه أم لمحفله الماسوني؟ وما هي مقاييس الفضيلة والرذيلة لديهم؟ وهل تتفق أعمالهم ودستورهم الذي ننشر ترجمته العربية كاملة لأول مرة؟
ورغم التزام الماسونية جانب الحيطة والكتمان واصطناع السرية في طقوسها وبرامجها لتبدو محافلها منظمات اجتماعية محايدة وبعيدة عن كل التيارات السياسية والدينية، فإن كثير من أصول تلك المحافل وشاراتها وشعائرها وطقوسها، بل وأن في سلوك المنتسبين إليها من رجال السياسة والدين ما يريب.
ولقد كتب العديد من الكُتاب عن علاقاتها المشبوهة مع الصهيونية، ودعا البعض إلى صهيونية التنظيمات الماسونية وقدموا الدلائل على ذلك. أما البعض الآخر فقد نفى ذلك واحتمل دون تأكيدات أن الصهيونية استغلت الماسونية كأماكن لعقد الاجتماعات وحبك المؤامرات التي أدت في النهاية إلى نشأة دولة إسرائيل. واتخذ البعض جانب الحيطة والحذر بين ذلك وهؤلاء نظرا لخطورة الخوض في تلك الموضوعات.
ومن جانب المؤلف، فقد اتخذ موقفا علمياً محايداً يعرض لجميع الآراء، ويحاول تحليلها التحليل العلمي المناسب دون اتخاذ موقف محدد تجاه أي طرف من الأطراف. ومن الممكن أن يجعله هذا أحيانا، موضعاً للاتهام من البعض نتيجة الرؤية العلمية الوثائقية التي من الواجب أن تتخذ موقف الحيدة وعدم التحيز.
والماسونية ليست تلك المنظمة الغامضة التي يصعب دراستها، فقد كتب عنها العديد من الكُتاب الماسون وغير الماسون، وفضح أسرارها العديد ممن انشقوا عنها. وليست الماسونية تلك الجماعة المتضامنة المتوافقة فهي في أغلب الأحيان متصارعة. فالخلافات بين محافلها عديدة ولا تنتهي، ومن الصعب أن تتضامن لتحقيق هدف واحد إلا فيما ندر، وعلى سبيل المثال كانت المحافل الماسونية الفرنسية قبيل الثورة الفرنسية في أغلب الأحيان تتصارع، وأثناء الثورة الفرنسية وفي خضم أحداثها لم تكن بذلك التضامن والتآخي الذي يمكن أن نتصوره. وهناك من المحافل الماسونية التي لا تقبل اليهود وسط صفوفها، ومنهم من يقبلونهم ويتضامنون معهم في قضاياهم.
وقفت الماسونية بجانب الحكومات في العديد من المسائل الوطنية، وفي أحيان أخرى يختفي دورها بشكل يوحي بأنها لا تمثل جزءا من المجتمع.
في صفحات الكتاب حاول المؤلف أن يلقي الضوء على تاريخ الماسونية العام من خلال وثائقهم وكتابات الماسون الغربيين ودساتيرهم. أيضا يناقش المصطلح والمبادئ الأساسية والجذور التاريخية للماسونية في العالم، والهيئة التنظيمية للمحافل الماسونية. ويحاول أيضا أن يناقش لمؤامرات الاستعمار ضد الأمة العربية ودور الماسونية فيها. ومؤامرات الماسونية ضد الخلافة الإسلامية ونجاحها في إسقاطها والعمل على عدم قيامها مرة أخرى.
ويعرض لاستغلال الصهيونية للمحافل الماسونية، وما كتب في بروتوكولات حكماء صهيون وما مدي صدق أو كذب تلك البروتوكولات. وما هي أصول الماسونية، مصرية أم يهودية أم إسلامية.
وعلى ضوء المكتشفات الحديثة كمخطوطات قمران أو ما كتب عن جماعة سيون السرية أو فرسان الهيكل يضع أيدينا على العديد من الحقائق الجديدة عن تاريخ الماسونية ومدى قدمها في التاريخ الإنساني.
ويأتي الجزء الأهم من الدراسة لتتبع النشاط الماسوني في البلاد العربية من المحيط الأطلنطي إلى الخليج العربي. وقد حاول جاهدا الحصول على معلومات دقيقة، ومناقشة تواريخ تأسيس المحافل والشروق الماسونية بكل دقة حتى يتلافى كل الأخطاء التي وقع فيها غيره من الكتاب الذين اهتموا بتاريخ الماسونية في البلاد العربية.
وفي النهاية ناقش لأهم مصادر تاريخ الماسونية ونقدها نقدا علميا، وكان منهجه في الكتابة متخذا لطريقة Chicago Manual of Style في كتابة الهوامش السفلية، التي تتبع حالياً في أغلب دول العالم، وهو أسلوب سهل الاستيعاب عن الطرق الأخرى، يتناسب في بحوث الإنسانيات وهو المفضل في كثير من الكتابات مثل التاريخ والفنون. هذا الأسلوب يعرض المعلومات الببليوجرافية بشكل يستوعب مصادر متنوعة.