"نحو آفاق أوسع" لأبكار السقاف في أجزائه الأربعةصودر عام 1962 لجرأته العقلية والعلمية، وظلت كتاباتها مطمورة كالكنوز تحت ركام النسيان والتجاهل، إلا أن شقيقتها الفنانة "ضياء السقاف" ظلت حارسة لهذا الكنز محافظة عليه، حتى يخرج إلى النور ، كما تمنت أن يكون بستاناً عظيماً يقطف منه العقل الإنساني. وسيذهل العقل العربي عندما يطلع على كتابات هذه السيدة المنسية.
كانت أبكار السقاف تنتمي إلى أسرة مرفهه وتلقت تعليماً مميزاً حيث أجادت اللغات العربية و الإنجليزية و الفرنسية.
قال عنها ذات مرة الأديب والمفكر عباس محمود العقاد وهو المعروف بآرائه المتشددة تجاه المرأة: (إنها امرأة بعشر رجال)، وكان العقاد على إطلاع بمؤلفاتها وكثير الثناء والإعجاب بكتاباتها. وقال عنها الباحث مهدي مصطفى: (لم يشأ القرن العشرون أن ينتهي حتى يدهشنا بالمخبوء في أحشائه وكأننا على موعد مع المفاجأة إذ يتم تقديم روح الحياة أبكار السقاف إحدى الكاتبات التي تم غيابها زمنا طويلا وهي تستحق أن تكون في المقدمة، وعلى راس كوكبة من المفكرين). عاصرت أبكار السقاف كوكبة من رموز الفكر العربي أبان عصر النهضة، واحتكت بالعديد منهم وكانوا على معرفة بها وبإبداعاتها الفريدة أمثال العقاد، وصالح جودت، ونجيب محفوظ، وأنيس منصور، ومحفوظ الأنصاري، ومحرم كمال باشا – عالم الآثار الشهير- ووكيل الأزهر سابقا الشيخ محمود أبو العينين، واحمد الصاوي محمد الذي كتب عنها مقالا رائعا في صحيفة "الأخبار" المصرية في الأربعينيات من القرن العشرين قال فيه: ( إن هذه الكاتبة التي قرأت ألف كتاب وكتاب لتضع كتابها"نحو آفاق أوسع" جديرة بالبحث والتأمل جدارة مؤلفها الضخم).
إنّ ما كتبته هُنا أبكار السّقاف يمثّل كنزًا عظيمًا للمهتمّين بمعرفة تسلسل الأديان بشكل شامل، بدءًا من الحضارة الإغريقية وانتهاءً إلى أفكار المسيحيّة حتى العصور المظلمة.
عظيم جدًا، رائع، تنتقل أبكار من فكرةٍ إلى أخرى بمنتهى السلاسة، بل إن بعض الأجزاء كُتبت بطريقة روائيّة، مما زادها جمالًا ..
أُخذ عقلي إلى مختلف الحضارات بمختلف فلاسفتها، وبالرغم من استصعاب بعض الأفكار واستغرابي من الجرأة في طرحها إلا أنني استمتعت بالقراءة بشكل عام
الدين عند الاغريق : الدين الاوليمبي : ان الدين الاغريق في المرحلة الاوليمبية قد طبعه طابع التفكير الالهي والمعتقدات الدينية للعصور البرونزية العائد بأصوله الى الاسس المصرية المذهب الابولي : التطهر النفسي اتخذ الكهنوت الابولي الوسيلة الوحيدة التي لا يمكن الا بها تطهير النفس وهي ارضاخ الجسد لحكم النفس فكان التجهد والتقشف والصيام ، مظاهر هذه السيطرة تتخذ تلك الصور التي تقرها المذاهب الصوفية كافة من الوان الجذب والوقوع في تلك الغيبوبة اليقظة . وليتهذ بمظهره الرسمي شيد اللاهوت الابولي في دلفي "معبد الوحي" وبدأ يختار الواحدة بعد الاخرى من كاهنات هذا المذهب تمكنها من الاتصال بالرب ابن الاله ليصبح لها نعتاً اسم"بثيا" او المتكلمة بلسان الوحي . ان باب التوبة على مصراعيه مفتوح يكفل لكل من يلجه المغفرة والغفران والمذهب الابولب يكفل محو كل ما قد سيق ان اتيت من ذنب المذهب الارتميزي: استقرار الكهنوت الارتميزي في افسس استقرت عبادة السيدة العذراء كان السبب الذي لعب به هذا المذهب خطير دوره في تاريخ التفكير الديني والمعتقدات الدينية في إلزام المرء بالتطهر الداخلي الى جانب التطهر الخارجي زاحم المذهب الارتميزي المذهب الابولي . المذهب الاثيني : هناك على سفوح ومعتليات الاكروبوليس عند البيت المقدس يطوف الحجيج ويقوم بشعائر ومناسك حج المنتهية بذبح الذبائح ورفع القرابين وارسال المحرقات دخاناً يحمله الفضاء الى سيدة السماء القائم تمثالها في ال "بارتنون "وعليه قد خلع الجديد من اللباس متبركة من كل جانب افواج المؤمنين المذهب الديمتري :اسس على عقيدة البعث الجسدي والوعد بحياة اخروية تعوض الخير مضاعفاً عن هذه الحياة . ان الطهارة بنوعيها الجسدي والنفسي فرضه الديمتري على اتباعه . "العماد " السنة المرعية والاصل الاول من اصول هذا المذهب فهو شرط اولي من شروط الانخراط في مذهب ربة الخلود المذهب الديونيزوسي: فمن الاغريق كانت تراكيا اقل تحضراً وعلى ارضها تعيش امة حياتها الزراعة . تحت هذه الصفة طلع على سجل التاريخ الديني إله تراكيا الزراعية وعرف رباً للنبيذ من الخمر لتبدأ عبادة تستهل طقوسها بهذه المناولة ولتستحكم عقيدة تقول ان الرب انما في القرص من الخبز الممثل للكدح الزراعي متمثل ، انما في النبيذ روح متمثل فإن هذه النشوة التي تسري في الاوصال ليست الا لروح الاله في الاوصال سريان والرب فيها رب بآلام البشر دري وبأوجاع البشرية شاعر ، الى القلب الاغريقي لج هذا المذهب وجرى دينه الرسمي مذهبا رسمياً دعامته الاسطورة التي جعلت ديونيزوس ابناً للإله من عدزاء وحملت العالم اثقال "الخطيئة العالمية" هذه الخطيئة التي اثقلت الكاهل البشري بجريمة قتل "ابن الاله" اتى استشعار الندم على ما قد اقترفت البشرية من خطيئة لن يمحوها الا العزوف عم الدنيا وطلب الغفران المذهب الاورفي : تسجل وثيقة بندار هذه العقيدة لأولئك الذين عاشوا حياة ارضية ووفوا بالعهد حياة اخروية ان من آمن واتقى وعاش عيشةفاضلة فله العالم العلوي مكان وليس الا بعد حيوات ثلاث يحياها على الارض طبقاً لقانون الصيرورة المذهب الفيثاغوري : متمثلاً العقل الانساني خطى على الاجيال فخطى بفكر عمله الرياضة وبنفس الزهد لها طابع والصوفيةلها في الطبع فكونا مذهباً سمت وفيه التقوى صحت رياضي اللوالب الفكرية مشبوب العاطفة الدينية ، فإن الاله الذي تعترف بوجوده الصوفية الفلسفية انما المجرد . وعلى قاعدة استرسل يشيد فلسفته فيقول اذا كان الانسجام في الكون ظاهرة سببها العدد فإن مفتاح الطبيعة انما الاعداد . فليس للاجسام الطبيعية خصائصها البادية للحواس وانما كل ما فيها فانسجام سببه الاهداد فإن "العدد" مفتاح الطبيعة والعدد انما هو المكون للطبيعة والاتي بالوجود الى الوجود . وهنا يسترسل الفكر الفيثاغوري فيقول ان بينما اضحت الثنائية تقابل " الهيولي" او المادة اضحت الوحدة بهذا الانفصال تقابل الصورة وهذه الصورة المجردة هي الإله. خلود النفس انما المحور الذي تستدير من حوله الفلسفة الفيثاغورية الانسان في حقيقته انما نفس ومن ثم فإن بموت الكائن لا تموت الكينونة الدين في العصر الهلليني الروماني : التفكير الديني في الفلسفة التهكمية : هذا هو العالم الذي اتى بالتهكمية كفلسفة سجلها التفكير البشري في غضون القرن الثالث ق.م متمثلاً بأنتيثينس نادى بالانطلاق الى احضان الطبيعة والاشاحة عن المال واقامة شريعة الاخاء وهجر مل المذاهب عن الدين الرسمي الى دين شخصي بأن الاله الحق ليس له صورة ولا يمكن ان تراه العين . يتبين للانسان ان الدين الحق يتحصر في المساواة واللاملكية وحرية العقيدة وان شريعة هذا الدين الفضيلة وهي الاساس الذي يقوم عليه في ثبات صرح الحرية الفكرية والقيم الاخلاقية من قيد الشهوات والتحرر من الخوف التفكير الديني الابيقوري: تتحول الابيقورية بالانسان الى الناحية الاخلاقية والى السلوك الشخصي والعمل محاولة ان تقوده الى ما ينشده من طمأنينة فتتخذ لمذهبها الاخلاقي ومن ثم طلوعها على عالمها ناهية عن الافراط وعن التفريط وهو الاعتدال خير وسيلة تكفل للمرء حياة مطمئنة هادئة على هذا النطاق من الوجود فليس هناك "فيما بعد" ولا هناك بعد هذه الحياة حياة . ان الصدفة المحضة هي التي قد اوجدت الوجود وان الصدف فيه انما هي ما نعرفه بالقانون البرهان العالم بأحداثه يقدم البرهان على انتفاء العناية وبطلان العدالة ومن ثم فلا ألوهة هناك فإن احداث العالم تعلن ان الوجود انما بطبعه اللاكتراث . التفكير الديني الرواقي : "زينو" جاء العقل الانساني يمثل حالة السكينة الفكرية التي تكتنف العقل ابداً في اعقاب حالة الاضطراب ويصور حالة الهدوء النفسي الذي يغمر الوجدان وعلى أسس عقلية وقف "زينو" في تأييد لبارمنيدس ينفي "الجوهر الفرد" الابيقوري وعلى الوحدة الكونية وانتفاء التعدد والتغير او الحركة . فلقد كان هذا الوجود الواحد منفرداً فشاء ان يكون كوناً فاصبح هواء واصبح الهواء ماء وجرت في الماء مادة الحياة او كلمة الحياة كما تجري مادة التوليد من الاحياء فبرزت منها الاشياء وهي العناصر الاربعة ثم برزت بتركيب هذه العناصر الاشياء كلها على نحو تطوري ليس له من سبب الا لان الاله انما فيها حال . على اساس ان الاله هو القوة العاقلة الحالة في جميع اجزاء المادة المتكون منها الكون وان "الكلمة "هي القوة الحالة فيجميع اجزاء الكون التفكير الديني في الطور الثاني للعصر الهلليني الروماني : سادت عقيدة الكلمة ارجاء التفكير البشري ومن ثم مثل هذا الطور سيطرة الرواقية المتأخرة ففي هذا الطور رجعت الناحية اللاهوتية المتأثرة بالفكر الدينية للقدامى ومن ورائها العقل الجماعي اصداء عقيدة الناحية الفكرية المتأثرة بالرواقية. ان "الكلمة" والكلمة هي الله والله روح الوجود انما روح قدس رفرف "الروح القدس" على افق التفكير البشري بسط جناحيه الدين السرابيسي : انشأت الدوافع السياسية للحكم البطليموسي هذه الالوهة التي ما رفعت عنها الايدي اللاهوت المصري والاغريقي على مسرح التفكير الديني .بهذه المعتقدات استقر الزحف الديني السراسيبي في سويداء القلوب فليس الا بمنحة الخلود يعد هذا الدين النفس المرهقة من اتباعه ويجعل شرطاً للخلود الابتعاد عن الاثام ومن الشر الخلاص واول هذه المراسيم صلاة القبول - التطهير - وصلاة البعث . ان الايمان "بالكلمة" كان اهم العناصر الاساسية لشروط الايمان الصحيح كما كان عنصراً هاماً في تركيب الدين السراسيبي الدين عند الرومان : التفكير الديني في العهد الاغسطسي : هذا هو العهد الدي نبتت في احضان تربته بذرة المسيحية . بيد ان سمة التفكير الديني في غضون هذا القرن الجامع بين ما قبل الميلاد وما بعده كان العهد الاغسطسي انما عهد تأليه المخلص وبعثه بعد موته حياً ورفعه جسداً الى السماء فان الايمان برجعة المخلص الى الارض انما نتيجة حتمية لمنطق العصر التفكير الديني الفيلوني: امتداد اليد الفيلونية تسند الصرح المتداعي بالمدد العقلي بإمالة العقيدتين الاغريقية والعبرية . سلك العقل الفيلوني مسلكاً وعراً نأى به عن واضح العبارات فقد جاء بصور هي بالخيال شبيهة وعلى أسسها اقام للنصوص الدينية الصريحة تفسيراً غاير منها الاصل والجوهر فقد ادخل المجاز وبه تجاوز عن صريح النصوص ببدعة التأويل . ان الفيلونية تجعل " اللوغوس " مبدأ للوجود وتجعله من صفات الاله صفة العلم وتجعله يمثل عقلاً اول تقول انه قد صدر عن الاله صدوراً خارجيا فتقسم الكلام الى كلام نفسي او التغيرات وكلام خارجي اي الكلام الذي يعبر عنه باللفظ او الصوت ان للاله كلاماً ينقسم الى قسمين كلام نفسي وهو اللوغوس باعتباره هو العلم الالهي . وكلام خارجي وهو ايضاً اللوغوس الصورة المنقولة نموذج الاشياء. التفكير الديني الافلوطيني : الوجود تدرج تنازلي من الكامل الى الناقص ومن النور الى الظلام ومن ثم فإن المادة لوقوفها في اخر مراتب الوجود ومن ثم فالمادة اصل النقص ونفس الشر ان في قمة الوجود يوجد مبدأ الوجود انما الاله ومن ثم الاله انما الواحد . الدين المسيحي من العصر الهلليني الروماني : ولد هذا الدين كمذهب من الموسوية بدأ له تاريخ انسلاخ وفي الطور الثالث من العصر الهلليني تحول الى دين ان الاساس من الصرح المسيحي لم تك مادته الا العقيدة القديمة التي انبثقت في افق الاسر البابلي بمطلب " المسيح" . ان التطهر بالماء شعيرك تعرفها الامة العبرية من شعائر دينها وهي الوضوء قبل الصلاة بيد ان يوحنا يأتي بهذه الشعيرة تحت صورة جديدة تتخلص في النزول الى الماء والانغمار فيه وجعلها شرطاً للمهتدين الى التوبة . العماد وهي مقتبسة من شعيرة صابئية بتلك التي تؤدى في مياه بنارس من انهر الهند انما هذه الشعيرة التي يدخلها يوحنا الى قلب الدين العبري ونشرها في التدعيم . الروح القدس يقيناً ان هذه الدعوة الطالعة ذات نغمة فريسية والى النغمة الفريسية حتماً كان ان يتنبه الانتباه الى الصدوقيين العهد الجديد: لهذا الكتاب الذي لم يكون ككتاب الا لقرون ثلاثة خلت الميلاد كتبت بأيد مختلفة وفي امكنة مختلفة وفي ازمنة مختلفة فمن اثبت المصادر التاريخية ان الانجيل الاقدم اسم "مرقص" اقل الاناجيل قراءة وان يك في الحقيقة لقربه من المصدر ينبغي ان يكون الاهم الاكثر اعتماداً يعود تاريخه الى حوالي ٧٠م . وتاريخ الاحدث من الاناجيل اسم "يوحنا" اكثر الاناجيل قراءة وابعدها عن المصدر ولكنه اكثر اعتماداً يعود الى مطلع القرن الثاني ميلاد حيث سطرت منه السطور لمزج الدين العبري بالفلسفة الاغريقية وبالمذهب الرواقي . هذا الكتاب المقدس للدين المسيحي دون ان تنسب اليه قدسية الوحي الهابط فليس لهذا الدين كتاب تنسب اليه قدسية التنزيل اما قصة الصلب ان اورشليم تعرف ان من يلقى حتفه صلباً فعادة لا يقضي نحبه قبل مرور ايام اقلها ثلاثة لان هذه الطريقة في الاعدام كان يقصد بها انزال اقصى العذاب باطول مدة ممكنة من التعذيب لأنه بعد مرور ساعات قليلة على الصلب يمكن الاسعاف الطبي بالعلاج والعودة الى الحالة الطبيعية التي كان عليها المصلوب قبل الصلب . يسوع لم يمكث على الصليب الا ساعات قلائل وبالتحديد من الثالثة حتى التاسعة ساعات ست ثم صرخ واسبل جفنيه علامة على انه قد قضى . وفي اثرها اسرع اليه يوسف الطبيب ذلك الصاحب الثري المادة كان لشخصه خفية صديقاً وفي الخفاء لدعوته مؤيداً ومن كان قد استصدر امراً من بيلاطس الحاكم الروماني لأورشليم بتسلم يسوع عقب وفاته فتسلمه وذهب . يقيناً ان هذه الساعات الست قط لا تكفي لان يقضي على الصليب مصلوباً لا سيما وان في يسوع لم تنفذ العادة التي كانت تسري على كل مصلوب فقد جرت العاد ان تكسر ساقا المصلوب توكيداً لوفاته - "واما يسوع فلما جاءوا اليه لم يكسروا ساقيه " الاصحاح التاسع عشر من انجيل يوحنا