عبد الله حبيب علامة فارقة في المشهد الثقافي العماني والعربي، لا سيما في معرض اشتغاله على فن الشذرة (Fragment). فعند الغوص في مختبره الكتابي، نجد سعيًا حثيثًا —كما أشار الكاتب سليمان المعمري— لتفكيك مصطلح الشذرة جذريًا وتمييزه عن مفهوم الحكمة (Aphorism)؛ فبينما تنزع الحكمة نحو الانغلاق على خلاصة ناجزة ويقينية، تنفتح الشذرة على آفاق المجهول والقلق.
من هذا المنطلق، اجترح حبيب مصطلحه الخاص «الشَظَرَة» —في مزجٍ عبقري بين «الشذرة» و«الشظية»— ليعبر عن حالة من «التشظي» التي تضرب الشكل والمضمون معًا، ليتحول النص لديه إلى «نص مفتوح» بامتياز؛ يرفض الوصاية على المعنى أو تقديم إجابات نهائية. إنه نص يترك «بياضات» وفجوات مقصودة تعيد صياغة دور القارئ من متلق محايد إلى «مؤلف مشارك». فالشظرة عند حبيب لا تنتهي بنقطة الختام، بل تبدأ فعليًا في وعي القارئ الذي يجد نفسه مضطرًا للملمة الشظايا وإعادة صياغتها وفق أفقه الخاص مما يجعل العمل الأدبي في حالة تولد دائم وتأويل مستمر.
في كتابه «تشظيات أشكال ومضامين» —وهو عنوان يصفه بأنه مبدئي في أحسن أحواله وأسوئها— يستقصي النص العلاقة الملتبسة بين الشكل والمضمون، واتصالهما وانفصالهما؛ سواء في الشعر، أو السينما، أو الفن، وقبل ذلك كله، في حياة عبد الله حبيب نفسه. إن النص الذي نعاينه كقراء يتجاوز التصنيفات التقليدية؛ فهو يعبر فوق تخوم اليوميات، ويتمرد على صرامة السيرة الذاتية، ويتحلل من قيود السرد القصصي أو الحكائي، ليتخلق في هيئة نص عابر للأجناس. إنه نص يفيض بذاتية مفرطة وشعرية عالية، حيث تتحول الكتابة فيه إلى فعل مقاومة يرمم شتات الروح.
وقد كتب جعفر الجمري في مقالته المعنونة ب"في المعرفة المستوية والمنفتحة على الأشكال والمضامين بعينِ الشاعر السينمائي": "في اليوميات التي امتلأ بها الكتاب لا يكتب حبيب عالمه المحدود والخاص. يكتب العالم الذي يتكرر كثيراً، ولكن قليلين هم من يستطيعون القبض عليه كما يجب، وليس ذلك فحسب. أن يملكوا القدرة على التعبير عنه من دون فذلكة أو تصنُّع أو مباهاة، أو ادِّعاء. أكثر ما يفسد هذا العالم: عالم الكتابة هو المرض بالإدِّعاء. ادِّعاء الحالة عدوى ليس بالضرورة أن تكون جميلة. قد تكون مُهلِكة من دون أن نعي مؤديات ذلك الهلاك. يقودك السرد في اليوميات. تشدك الأفكار العميقة التي تبدو بسيطة لكنه يلغِّمها بدهشة في النهايات. أنت أمام راءٍ كأنه بؤرة العدسة التي يرى بها العالم. بتلك الشفافية التي تبدو جارحة في كثير من الأحيان، لكنك لن تتأوه لتجريحها وستكتفي بتنهيدة تحبُّها من دون شك".
ولأن شهادتي في الأستاذ عبد الله تظل "مجروحة" مهما أوتيت من علم، أضع هنا رسالة شخصية كنت قد أرسلتها إليه (مع بعض التعديلات والإضافات):
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أ. عبد الله، بشرني عن حالك، عساك طيبًا. اشتقنا لك يا أستاذ عبد الله، فقد وحشتنا الجلسة معك.
على الرغم من أنني جلست مع عبد الله حبيب — بشحمه ولحمه — مرة يتيمة في إحدى ليالي مسقط الصيفية، فإنني أجالس عبد الله حبيب الآخر في المنفى بشكل يومي، وأقاسمه كآبة تلك الشقة التي شهدت على صخبه الداخلي. أرافقه إلى صالة السينما لمشاهدة الأفلام، أو أسترق السمع خفية إلى شيء من موسيقاه الأثيرة، وأمضي معه إلى مكتبة الجامعة؛ لا لنبحث عن كتاب منسي فحسب، بل لنستنشق عبق الورق حد الثمالة.
أتلصص على انكساراته العاطفية، ورغباته الانتحارية، وأصغي لزفرات حنقه وهو يشتم برودة هذا العالم وقسوته اللامبالية، مفككًا بسخرية مريرة وثنية الرأسمالية وتشييء الإنسان، كما أحضر ندواته التي يجادل فيها عن الخطاب الاستشراقي وعقلية الاستعمار.
أراه يقف بشجاعة في محافل الفكر محاججًا عمالقة الفلاسفة كأنه صنوهم؛ يجادل "الشيبة العود" ماركس، ويستحضر صرخة نيتشه، ويمضي في دروب الوجودية مع سارتر، متأبطًا ذراع صديقه الوفي كيركيجارد.
أستجديه دروسًا خصوصية في محراب "تاركوفسكي"، ذاك الذي ينحت في الزمن ليخرج منه الأبدية، وفي سينما "بازوليني"؛ الممزق بين مادية ماركس، وقداسة المسيح، وسيكولوجية فرويد.
أرقبه بأسى وهو يرثي فلسطين بوصفها الاختبار الأخلاقي الأكبر لهذا العالم؛ نكبة تتوالد، وانتفاضات تؤجل خلاصها. يرقب فجر التحرر، مؤمنًا بأن الطريق لا يختصر في شعار، بل يشق بمعادلة شائكة تجمع بين البندقية في يد، وغصن الزيتون في اليد الأخرى. كذلك الحال عن العراق، فقد فاض قلبه بالمرارة وهو يشجب غطرسة البلطجي الأمريكي؛ فيما تتردد في روحه "أنشودة المطر" للسياب مخضبة بدموع بغداد.
أستعذب قصائده الغزلية التي يبعث بها إلى محبوبته المجهولة، ورسائله الموجهة إلى أصدقاء تواروا في العدم، وحنينه الموجع لأماكن لم يبق منها سوى الصدى. تلك النصوص الميلانخولية التي يدونها بصيغة الغائب، وكأنه يرمم بها استحالة تصديق الحقيقة، سواء وقعت أم كانت محض طيف.
يقف ماثلاً أمامي وهو يتجرع أدويته، تهدهده رغبة الاستلقاء لئلا تنهش الذكريات والكوابيس والخيالات سكونه، بينما يجافيه النوم الذي وصفه "كافكا" يومًا في رسائله إلى ميلينا: "النوم هو أكثر مخلوق مسالم في الوجود، والرجل الذي لا ينام هو الأكثر ذنبًا".
ذاك هو "عبد الله"؛ المترنح أبدًا بين وهج الكتابة، وسحر الشعر، وعوالم السينما. يلوذ بعزلته في كوكبه السولاريسي، ويترقب الموت الذي يلاحقه آناء الليل وأطراف النهار، تمامًا مثل صورة "البيت" في "مجز الصغرى" الذي انفتحت جهاته الأربع خارج مدارات الطبيعة ونواميس الكون".