إن نشر هذه المجموعة من المقالات المختارة في الشأنين السوري والسوري-اللبناني يرمي في الآن نفسه إيفاء سوريا حقها، فلا تختزل بالسياسة المتحكمة بها، وإلى تظهير هذا الرابط القوي بين مستقبل البلدين. بتعبير آخر، إن التأريخ لهذه الحقبة من التاريخ السوري واللبناني تهدف إلى الشهادة لسوريا وللبنان، كل على حدة والاثنان مجتمعان متلازمان. فسوريا تستحق التغيير لذاتها ولبنان يستحقه لذاته، لكن مآل التاريخ جعل التغيير في كليهما مترابطاً. فلا عودة إلى عهد كان كل من البلدين يسير في اتجاه معاكس. غير أن نشر هذه المجموعة يهدف أيضاً إلى استرجاع أجواء "المعركة" وإلى تبيان كيف استعدنا، نحن اللبنانيين والسوريين، حرية الكلام. تعود هذه المقالات في معظمها إلى مرحلة 2000-2004. إلا أني ضمنتها مقالات أقدم، لا سيما في ما يتصل بالعلاقات اللبنانية-السورية، من باب التذكير بأن ارتفاع حدة الكلام اللبناني لم يكن مربوطاً بضعف مستجد في سوريا إثر وفاة حافظ الأسد. وهي منشورة هنا بكاملها باستثناء واحدة حذفت منها مقطعاً مفرطاً في الحدثية الانتخابية اللبنانية. كما إنها منشورة بالشكل الذي ظهرت فيه، ومن دون تصحيح لا حق، ما عدا الأخطاء المطبعية. وقد رتبت المقالات في أبواب خمسة. في الأول، وهو "أوان الربيع" مقالات المرحلة الانتقالية بين آخر عهد حافظ الأسد وغلق باب التغيير بعد نحو عام على توريثه السلطة، وما تلي ذلك من محاكمات. الباب الثاني هو "ما صنعه الله..."، في إشارة إلى جملة منسوبة إلى حافظ الأسد تقول "إن ما صنعه الله بين سوريا ولبنان لا يفكه إنسان"، وهو يجمع أربع مقالات تحمل طابعاً نظرياً، ثلاث منها صدرت في "الملحق" والأخيرة في العدد السنوي من "النهار"، وهي تعالج السياسة السورية في لبنان في نظرة شاملة وتاريخية. الباب الثالث أو "تلازم ما لا يلزم" يتناول ما يمكن اعتباره يوميات العلاقات المميزة، وقد عدت فيه إلى عام 1997. في الباب الرابع "سؤال جديد ولا جديد" استعدت سلسلة المقالات المتمحورة حول سؤال بدا مجنوناً حين طرح وهو "ماذا لو تنسحب سوريا؟". الباب الخامس، أو "مغامرة الديمقراطية"، يغطي السنة الأخيرة، بما شهدته من ضغط خارج على سوريا ومن استنهاض للمعارضة السورية نفسها. المقالات مرتبة إذن وفق معياري التاريخ والموضوع (سوري داخلي أو لبناني-سوري). لكن القارئ سوء يتبين بسهولة أن الفصل بين الموضوعين يكاد ينتفي في البابين الأخيرين، حيث أن كل مقال عن السياسة الداخلية السورية يتعرض أيضاً للبنان ولكل مقال عن العلاقة بين سوريا ولبنان يتعرض لسياستها الداخلية. وكأني استنبطت لا شعورياً التلازم بين ديموقراطية سوريا واستقلال لبنان. أن تراهم القيمين على مصير البلدين وقعوا بدورهم ضحية التلازم، وإن لم يدركوا. (مراجعة موقع أبجد)
سمير قصير (1960 - 2 يونيو 2005). صحفي وأستاذ لبناني من أصل فلسطيني وأمه سورية. كان أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت ودرس في جامعة السوربون في باريس. وهو من الداعاة للديمقراطية ومعارضي التدخل السوري في لبنان، ويحمل الجنسية الفرنسية. شارك عام 2004 في تأسيس حركة اليسار الديمقراطي وكان من أبرز مجوهها إلى الياس عطاالله ونديم عبد الصمد. ساهم في صنع وقيادة انتفاضة الاستقلال قبل أن يدفع حياته ثمنا لمواقفه. في 2 يونيو 2005 تم اغتياله عن طريق قنبلة في سيارته، وما زالت هوية الفاعلين مجهولة. هناك تخمينات حول تورط جهات أمنية سورية ولبنانية في عملية الاغتيال، إلا أن أيا من هذه التخمينات لم يتم تأكيده أو نفيه.
وهو متزوج من الإعلامية اللبنانية جيزيل خوري المذيعة في قناة العربية، وله ابنتان من زواج آخر.
بلدان يتشاركان هموم الحاضر و عصبيات الماضي منذ خُطَّت حدودهما و ظهرا للوجود. سمير قصير بتحليلاته الدقيقة و الرصينة و بسعيه الجاد لاستقلال لبنان و بوعيه السياسي و الفكري رغب أن يتموضع كلبناني على الجانب الوطني غير المناوىء لعدو أو حتى لحليف؛ وحدها حليفته الديمقراطية و التعددية السياسية هي ما ابتغى تحقيقها و ارتأى خلاصاً يستحيل دون تشكلها في "معقل الوصاية" عند "الشقيق الأكبر". دمقرطة سوريا شرطٌ وجودي لاستقلال لبنان و تحرره، هذا ما قاله و سعى إليه، و هذا ما ألقى به إلى حتف الاغتيال، و لأنه ربط بين ديمقراطيتـ"نا" و استقلالـ"هم" كان شهيد الكلمة في البلدين و عدو السلطة في البلدين. تحرر الآخر هو شرطُ تحرري؛ أي شعار أسمى من هذا!
جميل هذا الكتاب، لا يزال جزء من محتواه صالح حتى يومنا هذا، إلا إني لم أتمكن من إكمال الكتاب نظراً لأنني لست من عشاق فن المقالة وكتب التجمعيات، تلك الكتب التي تستعرض تقلب مزاج المؤلف. كتاب جيد لمن يحب العيش في المدة ما بين 2000 - 2004 من وجهة نظر صحافي لبناني محترم، لقي حتفه في حادثة اغتيال سياسي بسبب آرائه. مكانة سمير قصير وأسلوبه يستحق تقييم أفضل، أنا فقط لا أحب كتب تجميعات المقالات.