كان المقھى یعج بكل ما له صلةٌ بما فات، الأزمان المثخنة التي خلفتھا وراءك، العمر القدیم دائماً، البدایات المنقطعة، النھایات الرثة، مجموعة من الناس الذین أنِسْت بھم وكانوا أصدقاءً ومعارف في یوم من الأیام، بیوتات اجتزت قوائمھا وأحشاؤھا لتستقر في ھذا المكان، لحظات علقت كثیراً في فتوتك وضاقت عن أن تتم؛ تجد لھا فسحةً ھاھنا، الأواني، اللوحات البالیة، التحف التي لم تعد تحوي معنى مناسباً، الكراسي المتطاولة، الطاولات، الصحف غیر المتداولة، التلفزیون الذي لا یعمل، الھواء الخانق الذي یحیط بكل ذلك، المشاھد بالعین المجردة، والمستعمل منذ عقود ولم تتغیر رائحته ولا طعمه
لا أخشى على القصّة السّعودية المعاصرة بوجود مبارك، فها هو في مجموعة أخرى بديعة يتقن السّرد مستخدمًا الذّهن ليسود على الزمن بشقيّه: الماضي بالنوستالجيا والمستقبل بالمفاجأة، على منحىً يفاجئ قارئه حدّ الغيظ لكونه منطقيًا وفي نفس الوقت غير متوقع. أحببت من القصص تحديدًا "ذكريات جديدة" و"تضاريس عالم مواز" و"العمى"، والبقية ما بين الجيد والجيد جدًا.
تتضح المجموعة بكامل قصصها وبكل وضوحها في الدلالات الداخلية لثيمة البحث عن الذات، وفكرة العائلة. رحيل الأب، أهمية الأم في تحوير العلاقات الاجتماعية والتركيز على أبعاد هذا التحوير، وثمة حكايات فرعية داخل الحكايات الأصلية انفردت بمنظورها الخاص للماضي، وبفكرتها الحاضرة للمستقبل، أحب أن تكون المجموعة القصصية متنوعة في منظورها نحو اتجاه معين، وهذا ما نلاحظه في هدا العمل، التنوع في فرد موضوع واحد على الطاولة.