تتميّز «غربان الزرع» بتبنّيها أسلوب المونتاج السينمائي في سرد الأحداث. ففي مطلع الستينيات، وبينما كانت حرب الجزائر تضع أوزارها مُسدلةً الستار على حقبة الاستعمار الفرنسي، رسم الشيوعي الفرنسي «جان كانابا»، عبر مشاهد سريعة وحورات مكثّفة، تفاصيل الشتاء الباريسي الحافل الذي عاشه المخرج «هوبنر» إبّان حقبة تعجّ بالتحوّلات.
وعلى الرغم من أنّ هذه البنية غير المألوفة للعمل، الذي يسلّط الضوء على تشتّت المثقّف بين الفردانية والجماعة، وإلى صراع الفن مع السلطة والرقابة، قد تُربك القارئ في بعض الأحيان، إلا أنّها في الحقيقة روحه التي تجعله متفردًا، والتي يستطيع المتلقّي أن يعتبرها أحد أوجه جماله بمجرد تصالحه مع الشخصيات الثانوية العابرة، والأحداث السريعة التي لا تتصل كلّها ببعضها بالضرورة.
عربيًا، يندر أن تعثر على من يتطرّق لهذا الكتاب الصادر عن «دار الفارابي»، الأمر الذي لعلّه يعكس الواقع الذي آل إليه اليسار — في الجغرافيا العربية على الأقل — منذ شتاء «هوبنر» الحافل ذلك العام وحتى اليوم.