تُنبئ وتبشّر بوعد كبير في حقلها، حيث يسرد الكاتب حكاياته، ويقدّم شخوصَه، ويرصد بيئتَه وقضاياه من بؤرة الطفولة وببوصلتها، فيبدو كلُّ شيء بكراً، وطازجاً، وبسيطاً وشعريّاً ومَبعثَ إثارة وفضول، ما يدفع القارئ إلى أفق المغامرة والتوقّع، ويشدّ البصرَ للمرئيّات والنفسَ للإحساس، معتمداً الوصف أداةً أولى؛ إمّا لرسم الشخصيّة أو لوحات البيئة، وإمّا لتوليد الإحساس، وهي مهارة مطلوبة في فنّ القصّ عندما يتضافر عنصرا السرد والتشخيص، ويوظَّفان لبناء القصّة ونقل محكيّها وتوصيل خطابها وضمنه مرماها ومعناها. لا تخفق أيّ قصّة في إثارة الدهشة وقدرة الكاتب على تنوّع عوالمه وتعدّدها، وقدرته على تشكيل هذه العوالم المتنوّعة بالمهارة نفسها، كاشفة عن كتابة ممتازة واستثنائيّة، وأسلوب خاصّ ومتفرّد يحوي السخرية اللاذعة، وذكاء الالتقاط، وخفّة السرد في قصص فلسطينيّة تروي اليوميّ والمنسيّ في التفاصيل الصغيرة للحياة تحت الاحتلال، وفي ظلّه.
- من بيان لجنة تحكيم مسابقة الكاتب الشاب للعام 2019.
لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفس قريبة من طفولتها ومرح الطفولة ولعبها وهذيانها وهذا ما أظهره الكاتب، فالخروج من الطفولة جسّد تكراراً أزلياً أبدياً لمسألة الخروج من الجنة. هذه السنون البكر التي جسدها الكاتب بقصصه بأحداثها العفوية انتزعتني من واقعي ثم أعادتني إليه بصعوبة.
تميز أسلوبه القصصي بتوصيف يحرك فيه الجمادات كأنه يهبها مادة الحياة بتعبيرات بليغة فصيحة تكاد تكون نهجاً في البلاغة، تأخذك لعوالم أبعد من بيض الأَنُوق، وآلف من حمام مكة، وشخصيات بسيطة دون تعمق بأبعادها، وسرد سهل ينساب في أفق القارئ انسياب الماء في الجداول، وتشبيهات أدبية كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة، تتناغم فيما بينها لترسم لوحة ملونة في مخيلته. فهو يكتب قصته القصيرة بقلب شاعر ويد روائي وذاكرة مؤرخ.
كتاباته كانت دليلاً على موسوعيّة ثقافته لترسم شخصيته الأدبية المتأثرة بواقعه السياسي، وتدل على كينونته المتّزنة الراجحة، فالعقل غريزيّ مطبوع يتزايد بالتجارب والأدب، وغريزته مكنونة في الانسان كمون النار في الحجر لا يُظهِرها إلا قادح، وكذلك العقل كامن في الانسان لا يَظهَر حتى يُظهِره الأدب وتَعْضُدَه التجارب.
لست أديباً أو كاتباً أو شاعراً أو قاصّاً أو روائياً أو حتى ناقداً، لكن كان يقال إنّ من كتم السلطانَ نصيحتَه والاطباءَ مرضَه والاخوانَ رأيَه فقد خان نفسه. أرى في استخدامه لبعض الجمل باللهجة العامّية احتلالا لأصل اللغة كبُغاثٍ استَنسر بأرضنا، هذا الخلط طغى على عذوبة ونقاء هذا العمل الادبي الرائع، فهذا التزاوج العُرفِيّ بين الفصحى والعامّية ولّد مسخاً عقيماً بطفرات شوّهت أصل اللغة وأبعدتها عن بوصلة القوة والمواكبة، كتائهٍ يسير دون هداية كلما ازداد بالسير جَهداً ازداد عن القصد بُعداً، فالعامّية تهدم كل قواعد اللغة التي هي اللَّبِنة الأساسية المكونة لحضارتنا، ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.
حقٌّ علينا شُكرَ الكاتب على هذه المعزوفة الأدبية الرنّانة كما حق لها ان تُنقَش على صفائح من الذهب بكل لغات أهل الأرض لتخلد في خزائن النفائس والثمائن، فليس أَضْيَعُ من جميل يُصنَع مع غير شاكر ولا أَخسرُ من صانعِه، فلن يشكرك الأعمى على مرآة تهديها له. فالأدب يُذهِب عن العاقل الطيش ويزيد الأحمق طيشاً، كما ان النهار يزيد كل ذي بصر نظراً ويزيد الخفاش سوء النظر.
اشتريت هذا الكتاب من معرض الدوحة للكتاب، بعد عام من قراءتي لتعليق الكتابة المصرية العظيمة منصورة عزالدين عنه، والتي أثق كثيراً في نظرتها إلى الأدب الجيد، حيث قالت عن هذه المجموعة القصصية في حسابها على تويتر
قبل أن ينتهي العام: مجموعة "جيجي وأرنب علي" لأمير حمد؛ الفائزة بمسابقة الكاتب الشاب، التي تمنحها مؤسسة عبد المحسن القطان، واحدة من أفضل المجموعات القصصية العربية التي قرأتها في 2019. قصص أمير حمد تتسم بالذكاء والحس الساخر والمخيلة التلقائية المدهشة.
والحقيقة أنني بعد أن قرأت المجموعة عدة مرات تأكدت من صدق رأيها، إذ إنها مجموعة قصصية نادرة في الأدب العربي، دُهشت عندما علمت أنها الكتاب الأول لصاحبها، قصص بمستويات عديدة قادرة على أن تؤسطر اليومي بطريقة شعرية وطفولية وصوفية و حتى ساخرة، أفكارها شفيفة وعميقة، ليست للمواعظ، أو المباشرة التي يتميز فيها الكثير من الأدب العربي والفلسطيني، وحتى عندما تستفيد من الموضوع الفلسطيني فإنها تستفيد منه دون أن تجعله يسيطر عليها، كأنّ الموضوع الفلسطيني ذريعة للجمالي
لا بأس بها، ليست رائعة ولا قوية، بل سرد جميل لحياة الطفل ومراهقته وشبابه في القدس، ولعل السرد الجميل هو ما ساعدها لتفوز بجائزة مؤسسة القطان، لأنها تقريباً فارغة من الأفكار الجدية. عسى أن نقرأ للكاتب محاولات أفضل.
مجموعة قصصية مذهلة لا ينصح بها للقراء المتسرعين أو المكتفيين بالعتبة فقط، أو الذين (واللواتي) لا خبرة لهم في جنس القصة القصيرة وتطوراته المتنوعة في القرن العشرين وبعده
أتمنى أن يتعلم بعض القراء الفرق بين القصص القصيرة وبين حكايات إيسوب وعالم صوفي على سبيل المثال