بين سكان المدينة رجلٌ وُجد غريب وسط برابرة وسوقة وأغفال، لا هو من أهل الأرض ولا من أهل السماء، لا هو منهم ولا هم منه، رغم أنه منهم، عرف المال والشهرة وأعجب به الملوك قبل العامة، غزير العلم، بحر سحيق، محقق بارع، نار تحرق وأسد مطرق، زعّارة عضّ على العلم بضرس قاطع، فلا يُعرف إن كان من أهل الأرض أم من أهل السماء. ورغم العلم والجاه والسلطان ورغم أن الدنيا جاءته مستسلمة راضية طيعة إلا أنه أعرض عنها ورفض ضيافتها ولسان حاله يقول: الرحيلَ الرحيلَ، ما بقي من العمر إلا القليل. غادر المدينة الجاهلة وهو يبكي بكاء ابن عائشة الحرة على فقدان الأندلسي، ويتساءل: تُرى هل طُردت من هذه المدينة كما يُخرج البحر الخبث؟! هؤلاء قوم غرب وأنا شرق والشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، هم رعاع سقاط جهال لا يتلون