في الصفحات القادمة التى بين يدى القارئ تعريف بالمفكر والفيلسوف فرنسيس باكون الذى ينسب إليه بناء العلم الحديث على أساس التجربة والاستقصاء ، وينقسم هذا إلى قسمين الاول : شمل قسم عن باكون ويشمل النظر في عصره ونشأته وأخلاقه ورسالته الفكرية ومكانته الأدبية . والقسم الثانى : من باكون يشمل بعض المختارات التى كتبها والتى يخلد بها بين رجال القلم ولا تنقضى قيمتها الفكرية او الادبية بانقضاء فترة من فترات الثقافة الإنسانية أو الثقافة الاوربية ، وهذه الصفحات التالية تعرّف به من لا يعرفه ، وانها تضيف شيئاً ولو اليسير إلى وجهات النظرالعديدة إليه في رأى عارفيه .
ولد العقاد في أسوان في 29 شوال 1306 هـ - 28 يونيو 1889 وتخرج من المدرسة الإبتدائية سنة 1903. أسس بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان"، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق. عمل العقاد بمصنع للحرير في مدينة دمياط، وعمل بالسكك الحديدية لأنه لم ينل من التعليم حظا وافرا حيث حصل على الشهادة الإبتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب.
التحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية مل العقاد العمل الروتيني، فعمل بمصلحة البرق، ولكنه لم يعمر فيها كسابقتها، فاتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور، وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه. وتوقفت الصحيفة بعد فترة، وهو ماجعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطرإلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه.
لم يتوقف إنتاجه الأدبي أبدا، رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. منحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها، كما رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة. اشتهر بمعاركه الفكرية مع الدكتور زكي مبارك والأديب الفذ مصطفى صادق الرافعي والدكتور العراقي مصطفى جواد والدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ.
مقتطفات من كتاب فرنسيس باكون للكاتب عباس محمود العقاد -------------------- كان الانسان لا يختبر شيئاً لنفسه إلا بإذن من وليه وهو بين أمين جاهل او عاقل غير أمين .. فأصبح جريئاً على الاختبار الميسر له لا يقف به حد شأن من شئون عقله ولا جسده ولا عمل من أعمال دنياه أول اعمال دينه .. وكان كل شيء حراماً عليه حتى يقال له إنه حلال ..فأصبح كل شيء حلالاً له حتى يتبين أنه حرام ---------------- ان الناس لا يفهمون خيانة من الخيانات كما يفهمون الخيانة بين الاصدقاء .. وربما دق عليهم فهم الخيانة الوطنية لالتباس الرأي فيها بالتفاصيل الفقهية التي لا يفقهونها .. او لانطوائها في غمرة الخصومات الحزبية والعصبيات المذهبية .. بل يدق عليهم احيانا فهم الخيانة في العرض لما يحيط بها من الاستهواء القصصي والعلاقات الشعرية او المسرحية التي تمتزج بأحاديث الغرام .. اما خيانات الاصدقاء فهي من الخيانات المفهومة في كل بيئة وعلى كل حالة --------------- الاخلاق لا ترجع كلها إلى العصور .. حتى ما كان منها سمة من سمات تلك العصور .. لان الانسان يأخذ منها او يدع على حسب طبعه الموروث او الاصيل فيه .. وقد ينبذها كلها ويثور عليها لفرط المناقضة بينه وبينها كلما بلغت هذه المناقضة حداً يتعذر فيه التوفيق -------------- ان الدول لا تستقر لها سيادة بغير النزعة العسكرية .. والا ركنت الامم الى السلم والدعة وشاع فيها الجبن والتفريط وانتظرت ساعة الهزيمة والخضوع وإن طال بها أمد الانتظار -------------- كل رسالة في عالم الفكر او الروح .. هي رسالة توكيد وتقرير او رسالة توسيع وتحويل .. ويندر جداً ان نرى في عالم الفكر والروح رسالة ابتداء وابتداع لم يسبق لها تمهيد طويل ----------- ان القياس فروض .. والفروض كلمات .. والكلمات رموز وخواطر .. فإذا التبست الخواطر فالبناء الذي يقوم عليها مضطرب الاساس ------------ ان الدنيا مسرح لا يملك الانسان ان يتفرج عليه لأنه هو اللاعب فيه .. وانما يقف منه موقف المتفرج ملائكة السماء فحسب ----------- أوثان القبيلة هي نزعات العقل الطبيعية التي تصور الاشياء على صورة سابقة لا برهان عليها من التجربة والمشاهدة .. وهي كاستراحة العقل الى صورة من الصور وتطبيق كل شيء عليها واجتهاده في ليّ الحقائق لموافقتها .. معرضاً عما يخالفها او ينبهه الى خطئه في الاستراحة إليها .. وهذه الاوثان هي التي تفسر لنا ولع الانسان بالتطير وتصديق الخرافات والاكاذيب الملفقة من خداع الحس او الخيال ---------- اوثان السوق هي إلحاق الافكار بالكلمات التي جرت على ألسنة العامة وتداولها بغير تمحيص ولا اقتدار على الفهم الدقيق .. ومتى اجتمع الناس كما يجتمعون في السوق فهم يتبادلون الافكار بألفاظ لم توضع للدرس والعناية بالحقيقة .. وانما وضعت للمقايضة والمساومة والتفاهم على سفاسف الامور .. فلا مناص في هذه اللغة من التشويه والاختزال ----------- من العبقريين من تعرف مداه بكتاب واحد او قصيدة واحدة .. لأنه يرتقي الى اوجه في بعض أعماله فيأتي بخير ما عنده او بكل ما عنده .. وتعرفه حق عرفانه فلا تحتاج الى تجربة له بعدها ولا نصيب في التجربة الجديدة الا تكراراً لا جديد فيه ----------- حين يقال ان رجلاً يكذب .. فكأنما قيل انه جريء على الله جبان بين يدي خلقه .. لأنه يواجه الله بالكذب ويفر به من الناس ------------ نلاحظ انه لم يكن قط من العظماء وذوي النباهة سواء رجل فرد قد أصيب بلوعة الطب او طوح به الخب الى درجة الولع والهيام .. مما يدل على ان الافكار الكبيرة والهمم الجادة تظل بنجوة من هذه الخالجة الضعيفة ------------- إن الانسان كما قيل أكثر ما يكون ملقاً لنفسه وخداعاً لعقله في تعظيم قدره .. ولكن العاشق يذهب في الخديعة وراء ذلك لأنه ما من احد يضل في تعظيم قدره كما يضل العاشق في تعظيم معشوقه وتجميل صفاته .. ومن ثم قيل بحق أنه لا يجتمع عقلٌ وغرام مُطلقاً ------------- خير ما يصنعه المرء إذا لم يكن له بد من الحب .. أن يكبحه ويفصل ما بينه وبين شؤون جده وشواغل حياته .. لأنه لم يتسرب قط إلى اعمال أمرئ الا أوقع الاضطراب في حظوظه وحال بينه وبين الصمود إلى غاياته -------------- إن الحية لا تصبح تنيناً حتى تبتلع حية أخرى --------------- قلما ينشغل احد بالاستطلاع والتحري الا وهو منطوي الصدر على كراهية و بغضاء --------------- ان اليائس من اصلاح حاله يبذل ما في وسعه لإفساد حال سواه --------------- من مشاكل الشبان في سياسة الامور انهم يحيطون بأكثر مما يقدرون على حمله .. ويحركون أكثر ما يقدرون على تسكينه ويندفعون الى الغاية دون مبالاة منهم بالوسائل والدرجات ويعتمدون على قليل من المبادئ التي اتفقت لهم بغير روية .. ويعتسفون المسائل التي تقحمهم في العواقب المجهولة .. ويبدأون بالعلاج الحاسم من الوهلة الاولى .. ويضاعف اغلاطهم انهم لا يعترفون بها ولا يرجعون فيها كالجواد الجامح الذي لا يقف ولا يلتفت يمنة ويسرة --------------- من مشاكل الشيوخ انهم يعترضون كثيراً ويتشاورون طويلاً ويقتحمون قليلاً ويسرعون الى الندم والنكوص وقلما يدفعون الامور الى اقصى غاياتها بل يقنعون من النجاح بالخطة الوسطى --------------- لا تقرأ لتعارض وتجادل .. ولا لتسلم وتستسلم .. ولا لتطرق باباً من ابواب الاحاديث والأقاويل ولكن لتزن وتفكر وتعيد النظر فيما قرأت --------------- القراء يقتبسون الحكمة من التواريخ .. والفطنة من الاشعار والدقة من الرياضيات والعمق والرصانة والمنطق وقوة العارضة من الفلسفة الطبيعية والعلوم التجريبية --------------- ان الذين ينكرون الله يهدمون كرامة الانسان .. اذ كان الانسان بجسده قريباً من الحيوان .. فإن لم يكن بروحه قريباً من الله فهو مخلوق لئيم خسيس --------------- ان العدوان الاول لا يتجاوز ان يكون اساءة الى القانون اما الانتقام لذلك العدوان فهو يعطل عمل القانون وينزع وظيفته من بين يديه --------------- المنتقم ند للمعتدى عليه .. ولكن المسامح الغفور اعلى منه واكرم --------------- ان الرجل الذي يفكر في الانتقام يبقى جراحه مفتوحة دامية وهي لولا ذلك أحرى أن تندمل وتبرأ --------------- قد يموت الرجل وليس بشجاع او بائس .. انما يموت سآمة من حياة يكرر فيها الشيء بعد الشيء مرات عدة --------------- الواجب ان تقسم بين حب النفس و حقوق المجتمع قسمة رشيدة وليكن من صدق اخلاصك لنفسك الا تكون غاشاً لغيرك ولا سيما الملك و الوطن ---------------- انه لمن أعسر الامور إذا كان مدار الحديث بين اثنين ان تعرف من منهما المبدئ به و من المعيد ----------------- على الناس أن يسألوا الله السلامة كلما اضطربت دعامة من دعائم الدولة الأربع وهي الدين والقضاء والمشورة والخزانة ------------------ الرجال في مناصبهم الرفيعة خدم .. خدم لملك الدولة وخدم للسمعة وخدم للعمل والمصلحة فلا حرية لهم في انفسهم ولا في اعمالهم ولا في اوقاتهم ------------------ عليك في تصريف اعمالك ان تتخذ القدوة لأنها هداية .. ثم تتخذ نفسك مقياساً لك بعد فترة من الزمن لترى هل كان صنيعك في البداية خيراً من ذاك .. ولا تنس امثلة الذين أساءوا الصنيع في مثل مكانك لتجتنب الاساءة لا لتنحى باللائمة عليها ----------------- كن مصلحاً بغير زهو ولا ملامة للأزمنة السابقة او الرجال السابقين وليكن همك ان تنشئ السوابق الحسنة لمن يليك كما تتبع السوابق الحسنة ممن تقدم عليك ------------------ ارجع بالأمور الى اصولها لتنظر كيف حاق بها النقص والادبار واقتبس العبرة من كلا الزمنين .. من الزمن السابق فيما هو الاكمل .. ومن الزمن الاخير فيما هو الاصلح والاوفق والميسور بالقياس ------------------ اجعل عملك على وتيرة واحدة منتظمة ليعرف الناس سلفاً ما يترقبون منك .. ولكن لا تلتزم الجزم والجمود على حال وحسبك اذا انحرفت عن جادتك ان تحسن الإبانة عن علة هذا الانحراف ------------------- لا تأكل قلبك بهمومك ------------------- ان افضاء الرجل الى صديقه بسريرة فؤاده يأتي بالنقيضين .. فيضاعف السرور ضعفين ويشطر الحزن شطرين .. وما من صديق يبث صديقه مسراته إلا ازداد سروراً على سروره .. وما من صديق يبث صديقه حزنه الا قل حزنه بعد بثه إياه ------------------ كم من الاخطاء الجسام والسخافات البالغات يقع فيها الكثيرون - ولا سيما العظماء - من جراء فقدان الصديق الذي ينبهم إليها ----------------- الغضب لا ريب نقص في الخليقة لأنه لا يظهر على اكثرهم الا في الضعفاء كالأطفال والنساء والشيوخ .. وخليق بالشيوخ ان غضبوا ان يجعلوا غضبهم الى السخر اقرب منه الى الخوف .. حتى يبدو عليهم انهم فوق الاساءة لا دونها .. ولا يصعب ذلك على الانسان اذا راض بنفس على ضبط عنانه ------------------ طرق الحياة كطرق المكان .. اقصرها كثيراً ما يكون اقذرها .. وليس اجملها بالقريب منك في كل حين ----------------- الثروة خادمة جميلة .. ولكنها اقبح سيدة ----------------- الصمت فضيلة الحمقى ------------------- تتفق الالوان جميعاً في الظلام ------------------- من أشبع غيره منه رخص ! ---------------- ان العامي يلوم غيره في كل خطأ يصيبه .. وطالب الحكمة يلوم نفسه .. واما الحكيم الواصل فلا يلوم نفسه ولا يلوم الاخرين ----------------
راقت لي سيرة فيلسوف العلم الحديث فرانسيس باكون وأحد رواد المنهج التجريبي. استغربت حقيقةً بأنه كان قاضياً متهماً بأخذ الرشوة وطُرد من منصبه لهذا السبب ولكن العقاد ذكر بأنه كان يأخذ الرشوة كعادة قضاة ذلك الزمان في أخذ الرشاوى والهدايا لكن لم تثبت عليه أنه بدل حكمه لصالح صاحب الهدية وهذا ملحظ ذكي من العقاد وغريب. الفصل الثاني جميل حيث أنه مجموعة مقالات لفرانسيس باكون نفسه تستشفي خلف كلماته عبقريته الفذة.
عجبنى تعليق عباس العقاد عليه فى االاول وانه كان مرتشى وبيبقبل الهدايا فى النظر فى القضايا وفيه قول انه كان بيحكم بالعدل بالرغم من ده و��نه كان بيتلقى الهدايا بس ومش بيبنى عليها احاكمه *واحلى جزء فى الكتاب الجزء الاخير المقتطفات من كتاب Collection of Apophthegms جميلة اوى..احلى حاجة فى الكتاب كله
يقول العقاد إن شكسبير في رواياته غاص في اعماق النفس البشرية.. وكذلك كرستوفر مارلو كان روائيا بحسب العقاد! أما تسمية الصليبيين فهي كارثية وعحباً كيف يمكن لكاتب معاصر أن يتكلم بهذا المسميات.. ويسمي بيكون باكون ويسمي فاوست فوست وقد أفرد العقاد فصلاً كاملاً عن أخلاق بيكون!