ألف هذا الكتاب الفخر الرازي في علم أصول الدين والذي يمثل عصارة فكر الرازي ونضوجه الثقافي وخلاصة بحوثه الكلامية المنصبة على مبحث لذات تقديساً وبرهاناً، إلا أنه لم يتمكن من اتمامه حيث وافته المنية قبل انجاز ما وعد به في أول الكتاب. فلا غرو أن يكون هذا الكتاب أعظم كتاب ألف في بابه ولا نغالي إذا قلنا أنه كتاب أحرز قصب السبق على باقي الكتب المؤلفة في هذا الموضوع وليس هناك كتاب يبلغ شأوه دقة وعمقاً ورصانة في التوجيه وحصافة في الرأي، فلقد صب ما درسه من العلوم الإسلامية ووعاه في عمره الطويل خلال البحث والتحقيق والتدقيق في هذا الكتاب العلمي الغزير بالمادة والعميق في الفكر والأسلوب.
محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي التيمي البكري (من بني تيم من قريش يلتقي مع أبي بكر الصديق به) الرازي المعروف بفخر الدين الرازي الطبرستانی أو ابن خطيب الري. وهو إمام مفسر شافعي، عالم موسوعي امتدت بحوثه ودراساته ومؤلفاته من العلوم الإنسانية اللغوية والعقلية إلى العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب، الفلك. ولد في الريّ. قرشي النسب، أصله من طبرستان. رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان. وأقبل الناس على كتبه يدرسونها، وكان يحسن الفارسية. كان قائما لنصرة الأشاعرة، ويرد على الفلاسفة والمعتزلة، وكان إذا ركب يمشى حوله ثلاث مئة تلميذ من الفقهاء، ولقب بشيخ الإسلام. له تصانيف كثيرة ومفيدة في كل فن من أهمها: التفسير الكبير الذي سماه "مفاتيح الغيب"، وقد جمع فيه ما لايوجد في غيره من التفاسير، وله "المحصول" في علم الأصول، و"المطالب العالية" في علم الكلام، "ونهاية الإجاز في دراية الإعجاز" في البلاغة، و"الأربعين في أصول الدين"، وكتاب الهندسة. وقد اتصل الرازى بالسلطان محمد بن تكشي الملقب بخوارزم شاه ونال الحظوة لديه. توفي الرازي في مدينة هراة سنة 606 هـ.
كثيرون يدعون أن تاريخ التراث الإسلامي هو تاريخ تقليد محض يخلو من أي إبداع إلا في بداياته ويخلو من أي نزعات نقدية تالية إلا في قليل، وأن أصحاب النزعة النقدية هؤلاء قد صاروا غرضا لسهام المتعصبين المقلدين! ولكن بقراءة كتاب كهذا يدرك المرء مدى عمق النظرة النقدية ومدى الجرأة على نقد تفاسير قرآنية سابقة لعدم ارتكازها على أي أدلة ترجحها، بل ومدى القدرة على تجديد النظر في تفسير القرآن وفقا لنمو وإمكانات العقل في تلك الفترة.
كما يتضح لنا من الكتاب مدى إحاطة الإمام بعلوم عصره غير الشرعية من فلك وطب وأحياء وغيره، مما جعل هذا الكتاب أشبه بما صار يطلق عليه مؤخرا ... التفسير العلمي للقرآن .. ولكن يختلف هذا التفسير في أنه لم يلجأ إلى لي ذراع النص ليوافق العلوم، بل جاء تفسيرا مستقيما - في أغلب الأحوال - وغير ملتويا.
لم يكن هذا الكتاب إلا مشهيا لقراءة التفسير الكبير للإمام والذي أطلب من الله أن يمد لي في عمري ويبارك لي فيه لأتمكن من قراءة هذا الكتاب.
النسخة التي قرأتها هي بتحقيق أحمد حجازي السقا، وهي حوالي 140 صفحة، تناول فيها الإمام الفخر الكلام في مجمل الكتاب البحث في معاني "لا إله إلا الله"، وختم بفصل في قصور العقول عن إدراك كنه الله تعالى. فيبدو أن النسخة التي عندي مختلفة عن التي هنا، لكنها بنفس الاسم .. فبعرفش شو الحكاية.