Jump to ratings and reviews
Rate this book

في الشرفة

Rate this book
مجموعة قصصية

115 pages, Paperback

First published March 1, 2022

1 person want to read

About the author

عمرو عاطف رمضان

5 books5 followers

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (20%)
4 stars
2 (40%)
3 stars
1 (20%)
2 stars
1 (20%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 of 1 review
Profile Image for محمد عبادة.
Author 28 books251 followers
August 17, 2022
قراءتي الكاملة في المجموعة ضمن عدد تمُّوز/ يوليو 2022 من مجلة الثقافة الجديدة. العدد مُتاح للقراءة والتحميل من هذا الرابط
https://docdro.id/c3h1l9G
...................
على حافَةِ عالَمِ الشّهادة:
قراءة في المجموعة القصصية (في الشُّرفة) لعمرو عاطف رمضان
يفتتِح كاتبُنا مجموعتَه بالتناصّ مع خاتمة رواية (ثرثرة فوق النِّيل) لنجيب محفوظ، رابطًا مُنجزَه الذي بين أيدينا بإرث الكتابةِ القريبِ وهمومِه، وهو يتصرّف في الحوار الختاميّ بين (أنيس زكي) و(سمارَة) بطلَي رواية محفوظ، فيضع بين أيدينا ما يقولُه (أنيس) وحدَه، حاذفًا أسئلةَ (سمارة) التي تقرِّر أنّ (أنيسًا) لم يعُد معها، لينتهي مفتتحُ كاتبِنا/ خاتمةُ محفوظ بقولِ البطل عن القرد الماهر: "فقبضَ على غُصن شجرةٍ بيَدٍ وعلى حجَرٍ بيَدٍ، وتقدَّمَ وهو يمُدُّ بصرَه إلى طريقٍ لا نهاية له." وبذلك يهيّئُنا لتلقّي مغامرةِ الكتابة الماثلة بين دفَّتَي كتابِه باعتبارِها خوضًا في طريقٍ لا تُعرَفُ له غاية.
ولا ينتهي الرَّبطُ الواعي لمُنجَز كاتبِنا بإرثِ الفنّ عند الكتابةِ، وإنما يمتدُّ إلى الفنّ التشكيليّ والسينما من خلالِ إهداءاتِ قصصه، فلدينا إهداءاتٌ إلى رُوح ﭬان ﮔوخ ورُوح فريدا كاهلو من التشكيليِّين، وإلى (نيكوس كازانتزاكيس) من الأُدباء، و(كسيستوف كيشلوفسكي) و(لارس فون ترير) و(ستانلي كيوبرك) و(وودي آلن) و(جوزيبّي تورناتوري) من مُخرجي السينما، و(رِايتشل ﭬايس) و(ﭼين فوندا) من الممثّلات. ويُوقِعُنا هذا في ورطة محاولة فهم العلاقة التي تربط كُلّ قصّةٍ مُهداةٍ باسمِ مَن أُهدِيَت إليه، ولا ندري إن كان ثمّة علاقةٌ حقيقيّةٌ في ذهن الكاتبِ أم أنّ الأمرَ لا يعدو كونَه وليدَ لحظةِ الانتهاء من الكتابة أو الشروع فيها.
تضمُّ المجموعةُ خمس عشرة قصّةً، تندرج الثلاثُ الأخيرةُ منها في ثالوثٍ سمّاه الكاتبُ ثالوثَ البيت والحديقة والصحراء. وتحضُر الشُّرفةُ بأشكالٍ متعددةٍ في القصص، فهي في القصة الأولى (الحياة) تمثّل محطّةً زمانيّةً اكتشف فيها البطَلان رغبتَهما في مطاردة المستحيل وحماسَهما لذلك، حيثُ يكرر الرجُل على مسامعِ حبيبتِه قولَه "أحبُّكِ سماءً في النهار، لكن حتى عند ذلك الحدّ أجد الأمرَ روتينيًّا تمامًا، وكأن السماءَ ليست إلا سورًا جميلًا لسجنٍ عظيم." فتُجيبُه "إذَن هذا سهل، سنطوي السماء" لتنبُت في عقلِها – وهي التشكيليّة الهاوية – فكرةُ لوحةٍ تسمّيها (انشقاق السماء). ونتابعُ عملَها المتقطّع على تلك اللوحةِ إلى أن تَقنَع في النهاية بما يتيسّر في لحظةٍ من رتوشٍ تضيفُها أخيرًا لتقرّر أنّ هذه نهاية اللوحة، ليكون ذلك هو المُعادِل الموضوعيّ لاسم القصّة (الحياة)، حيثُ نفتؤُ نطاردُ المستحيلَ في الحياةِ، لنقنعَ منها دائمًا بما يتيسّرُ في النهاية. أمّا في القصة التالية (بئر راكدة المياه) فتتحوّل الشُّرفة إلى نافذةِ شقّة البطلةِ (سلمَى) التي تُخايلُ أنوارُها الباهرةُ عينَي الرّاوي وخيالَه لكنّه يعجزُ عن فهمِ مصدرِها كما عجزَ عن فهم (سلمى) نفسِها – تلك الفتاة الغامضة الغاضبة التي تطلبُ منه اصطحابَها إلى معرضٍ للفنّ التشكيليّ، وحين يُعلنُ عدمَ فهمِه للوحةٍ سرياليّةٍ تقولُ إنها بصقةٌ على وجهِه! وينتهي الأمر بانتحار سلمى المفاجئ. هكذا يبدو أنّ الشرفة/ النافذة هنا غيبٌ يُخفي أكثرَ ممّا يُبدي، تقفُ أمامَه ملكاتُ العقل حائرةً إلى أن تأتي النهاية المأساويّة بالانتحار حَرقا. أضِف إلى ذلك حضور الفن التشكيليّ في القصّتين، وهو الآخَر يبدو بمثابة شُرفةٍ مجازيّةٍ يُطلُّ منها المستحيلُ (انشقاق السماء) أوّلًا، أو يُراوِدُ مَن يتأمّلُه عن ملَكاتِ عقلِه، علّه يفهمُ ما يدور في عقلِ رفيقتِه الغامضة، وفي الحالَين ينتهي الأمرُ بإحباطِ المطاردةِ أو المسعى العقلي.
في القصة الثالثة (حقائق كثيرةٌ لعقلٍ واحد) لا تظهرُ الشُّرفةُ إلا في الأسطُر الأخيرةِ، حيثُ تدخلُها فتاةٌ تبتسمُ للرّاوي الذي يحدّثُنا عن علاقتِه بسيقانِ الفتياتِ، تلك العلاقة التي بدأَت مع تكرار سماعِه لأحد أصدقائه يمتدِحُ من جسَد المرأةِ سيقانَها، وتطوّرَت إلى خيالاتٍ بشأن زميلتِه في العمل، ثُمّ داهمَه الواقعُ ممثّلًا في سيقان زميلاتِه العاريةِ في عملٍ ثانٍ انتقلَ إليه. والمهمُّ أنه قُربَ النهايةِ يُقنعُ نفسَه بأن يركّز في العملِ/ الواقع، لتخايِلَه الفتاةُ الداخلةُ إلى الشرفةِ لحظاتٍ قبلَ أن يقول "هززتُ كتفي مستسلِمًا وابتسمتُ وتابعتُ طريقي إلى داخلِ الحفل!" مُعرضًا عن الشُّرفةِ الماثلةِ كوَعدٍ بعالَمٍ مُفارِقٍ مُخايلٍ مُخاتلٍ ليستغرقَ في واقعِه الذي آثرَه على خيالِه.
أمّا في (الرحيل) التي يتتبّع فيها الكاتبُ احتدامَ الظُّلم في مدينتِه وقيامَ الثورةِ فيها وشُيوع الفوضى في جَنباتِها، فتبدو الشُّرفةُ مجازيّةً، حيثُ الرّاوي يحدّثُنا عن تفاصيلِ ما يراه حولَه دون أن يتدخّلَ فيه بأية طريقةٍ كأنه مُتفرّجٌ مُحايدٌ، حتى إنه في لحظةٍ بعينِها يرى شُرطِيَّين يضربان شابًّا فيشتمُهما فلا يسمعانه ولا يلتفتان إليه كأنه غير موجود، حتى حين يتشجّع بذلك ويبالغُ في سِبابِهما، لدرجةِ أنه يشكُّ في النهايةِ في أنه يتخيلُ كُلَّ هذا، لاسيّما أنّ الملِكَ قد رحلَ والشرطةَ باقيةٌ بلا مبرِّر! هكذا يبدو أنه يُطلُّ من شُرفتِه المجازيّة – تلك التي يمكننا اعتبارُها التعريفَ الغائبَ لموقفِه الوجوديّ – على انهيار مدينتِه، إلى أن يفقِدَ وجودَه بالفعلِ في حواسِّ الآخَرين الذين لا يرونه ولا يسمعونَه.
نأتي إلى الخامسة التي تحملُ المجموعةُ عنوانَها (في الشُّرفة). تعودُ الشُّرفةُ حقيقةً ملموسةً تدورُ فيها أحداثُ القصّةِ بالكامل تقريبا. ويبدو لي أنّ موقعَ هذه القصّة بعدَ ما سبقَها لا يخلو من دلالةٍ، فبعدَ انتهاء (الرحيل) بعودةِ الملِك وسخرية الراوي المريرةِ اليائسةِ من مراقبةِ العالَم، نجدُ الرّاوي هنا فتاةً تقضي جُلَّ وقتِها في شُرفةِ بيتِ أبوَيها، تراقبُ الطَّيرَ وتتخيل قلبَها يطيرُ ثُمّ تجترحُ علاقاتٍ بكائناتِ الشُّرفةِ، فتثيرُ نفسَها جنسيًّا بحبلِ القفص (السبَت) بعد أن تتعرّى تمامًا ولا تعبأ بتطلُّع الجيرانِ إليها من النافذة المقابلة، مُقنِعةً نفسَها بأنها تصنعُ حبيبَها بنفسِها. وتنتهي القصّة بسُقوطِها وراء هلاوسِها من الشُرفةِ ليتلقّاها أبوها في حِجرِه ويصعدَ بها إلى البيت في اعتيادٍ، بما يَشي بتكرار هذا الأمر. والشاهدُ أنّ الشُّرفةَ هنا مساحةٌ للعكوفِ على الذّاتِ واكتشافِها بعدَ اليأسِ من مراقبةِ العالَم فيما سبق. وجديرٌ بالملاحظةِ هنا أنّ الفنّ لم يعُد مُغوِيًا، فليس له حُضورٌ، وإنما تتعامل البطلةُ مع ممكِنات واقعِها مِن سَبَتٍ وحبلٍ وطَيرٍ باعتبارِها ممكناتٍ فنّيّةً، فتُبدِعُ منها حبيبًا طائرًا يُغويها بالسقوط. فالسُّلطتان الأبويّة والمجتمعيةُ تحاولان سَجنَها في الواقعِ، لكنّها تفتأُ تحنُّ إلى الشُّرفةِ بعد أن تُحرمَ دُخولَها في النهاية. هنا لا يوجد بطلٌ رجُلٌ، وإنما ذاتٌ قُدِّرَ لها أن تكونَ أنثى، ربّما تماهيًا مع أنوثة مُطلَق لفظ (الذات)، وربّما إمعانًا في التمرُّد على مُواضَعات المجتمَع وجدران الواقع، وهو ما يتحقَّقُ أكثرَ حين تخلعُ فتاةٌ – لا فتًى – ملابسَها في الشُّرفة.
في (مؤتمر سائقي الدرّاجات النارية) المُهداةِ إلى (ستانلي كيوبرِك) نلمحُ ذلك العالمَ الشبابيّ المتمرّدَ الذي يذكّرُنا بفِلم (البرتقالة الآليّة A Clockwork Orange) الذي بناهُ المُخرجُ العظيم على رواية (أنتوني بورجس) التي تحملُ الاسمَ نفسَه، حيثُ الأبطالُ جانِحون يلتذُّون بالاغتصابِ ويتطوّر بهم الأمر إلى القتل، وتنتهي القصّة التي تقعُ أحداثُها على كوبري القناطر التاريخيّ العتيق – وهو ما لا نعرفُه إلّا في السطر الأخير – بأن يُلقيَ واحدٌ من هؤلاء الجانِحين المنبوذين نفسَه في النيل من فوق الجسر ويحتدمَ الصراع بين رفاقِه ويستحرَّ فيهم القتل. وكأننا على هذا الجسر إزاءَ شُرفةٍ أخرى – وإن كانت شُرفةً عامّةً كبيرةً مهجورةً – عشَّشَ فيها المنبوذون لينتقموا من مجتمعِهم ممثَّلًا في نسائه الجميلات. وفي تقديري أنّ الإشارةَ الختاميّة إلى مكانٍ واقعيٍّ مرتبطٍ في الوعي الجمعيِّ بالجَمال المعماريّ العتيقِ هي إشارةٌ مقصودةٌ إلى أنّ شُرُفاتِنا ينبغي أن تظلَّ معمورةً وأن يُسمحَ للجميعِ بالإطلالِ منها كُلَّ حِينِ على عالَم الخيال، وإلّا فسيكونُ مصيرُها ومصيرُ مُرتادِيها المنبوذِين كما في القصّة!
في (منتصف الليل في القاهرة) نجدُ أنفُسَنا في جَوٍّ حُلميٍّ ومشهَدٍ مُقتَطَعٍ من كُلِّ سياقٍ، حيثُ البطلُ الراوي جالسٌ على رصيفٍ وفي يدِه كتابٌ لا يعرفُ ما هو، ويتطوّر الأمرُ سريعًا ليكتشفَ أنّه عضوٌ مُختارٌ في تنظيمٍ سرّيٍّ ليليٍّ، كأنّه الوجهُ الحُلميُّ لتنظيم سائقي الدرّاجات النارية (الواقعيّ) في القصة السابقة. في القصّتَين تُعاني طائفةٌ من الشبابِ التهميشَ، ونكتشفُ في ثنايا القصة الحالية عالَمًا عدائيًّا (ديستوﭘيا) دأَبَت فيه الحكومةُ على تطعيم الأطفال بمَصلِ يقتلُ فيهم حاسّةَ الفنّ، ولم يَنجُ منه إلّا قِلّةٌ بفعلِ مناعةٍ غير مفهومةٍ، هم أعضاءُ هذا التنظيم. ونَجِدُ أنّ المكانَين الحاضِرَين هنا هما سينما ريـﭭولي القديمةُ حيثُ اجتماعُ التنظيم، وقمّة المبنى المقابلِ لها، تلك التي يطيرُ إليها الرّاوي في النهايةِ بخِفّةٍ حُلميّةٍ ليضيءَ، وهو ما يُنذِرُ حسبَ مقدّماتِ القصّة بقُربِ نهايتِه. والشاهدُ أنّنا إن سمَحنا لأنفُسِنا بممارسةِ ضَربٍ من الإكراهِ القرائيِّ على هذَين المكانَين، فرُبّما نرى فيهما تجلِّيَين للشُّرفة، أحدُهما مكانٌ واعدٌ بلِقاءِ مَن يشبهوننا في احتفائهم بالخَيال، والآخَرُ مكانٌ يُغرِينا بالطّيرانِ إليه لنفقدَ فيه فرادتَنا ونسقُطَ فريسةً في أيدي أعداء الخَيال!
في (الهدهد) لا نَعدَمُ أن نرى الشُّرفةَ وقد أصبحَت نافذةً في بيتٍ مهجورٍ يعشِّشُ فيها هدهدٌ يراهُ البطلُ/ الراوي كُلّ يومٍ لدى خروجِه من بيتِه، ويطيرُ مبتعِدًا فورَ أن يراه. هنا تلعبُ النافذةُ (الشّرفةُ) نفسَ دورِها المتكرّر في معظم القصص الأولى، فهي مكانٌ يُشرِفُ منه البطلُ على عالَمٍ داخِلَه كان يظنُّه قد انتهى، هو عالَمُ الكتابة، فيكونُ ظهورُ الهدهد هو المُثيرَ الذي يدفعُه إلى إنجازِ رواية (الإنسان الطائر) غيرَ عابئٍ بفُقدانِ وظيفتِه التي تقتلُ الخيالَ، شأنُها شأنُ الحكومةِ التي لا تسعى إلّا إلى زيادة الإنتاجِ في (منتصف الليل في القاهرة) والمجتمَع ككُلٍّ في (الدراجات النارية) والسُّلطة الأبوية في (في الشُّرفة) والحياة نفسِها في القصة الافتتاحيّة!
أمّا في (عم محمد الإسكافي) فالمكانُ الفريدُ المركزيُّ في القصّةِ هو ورشةُ الإسكافيّ التي يشعرُ فيها البطلُ بالسكينة والرِّضا، وهما القيمتان النقيضتان لقيمةِ الإنجازِ التي تستلزمُ الإسراعَ وحثَّ الخُطَى، وهي التي يدورُ البطلُ في فَلَكِها خارجَ ورشة الإسكافي. وحين يعرفُ بموتِ الإسكافيِّ وإغلاق الورشةِ يصفُ سيطرةَ منظرِها على تفكيرِه أوصافًا تقرّبُها من الهاجسِ الوسواسيِّ، ويُخبرُنا بأنه يريدُ التخلُّصَ من هذا الهاجس، ثُمّ لا يلبثُ أن يمتلئَ خَوفًا حين يُبصِرُ في طريقِه بالورشةِ مفتوحةً وبالعمّ محمدٍ عاكفًا على عملِه فيها في هدوئه المعتاد، قائلًا: "كان الأمرُ لديَّ أشبهَ بأعجوبةٍ من عالَمٍ آخَر!" وهو كذلك بالفعل! أعني أنّي لا أتحرّج هنا من ممارسة ذلك الإكراه القرائيّ، وأجدُه مناسِبًا تمامًا لفهم النّصّ، بل نابعًا من سياقاتِه، فالورشةُ هنا هي شُرفةٌ هي الأخرى، مُطِلّةٌ على قيمةٍ لا تنتمي إلى هذا العالَم المحموم، بل إلى مملكةٍ (ليسَت من هذا العالَم). ولعلّ اختيارَ كاتبِنا لحِرفةِ الإسكافيّ تحديدًا يُفيدُ معنَى أوّليّة ذلك العالَم الآخَر على عالَمِنا المحموم، فالنِّعالُ التي نلبسُها ونستحثُّ خُطانا الهائجةَ بها تُصنَعُ عندض الإسكافيِّ ابتداءً، ولا سبيلَ إلى صيانتِها إلّا عندَه، ولا راحةَ من حُمّى الدُّنيا إلّا بأن يَخلعَ البطلُ/ الراوي نَعلَيه ويسلّمَهما لمحمدٍ مبعوثِ العالَم الآخَرِ هذا. هل نقولُ إنّ ثَمّةَ تناصًّا مُوحًى به – غيرَ مُتلَفَّظٍ به – في هذه القصّة مع الآيةِ 12 من سُورةِ طه "إنّي أنا رَبُّكَ فاخلَعْ نَعلَيكَ إنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى"؟ ربّما، وفي تلك الحالِ فإنّ دُكّانَ الإسكافيّ يقِفُ مُعادلًا مناسبًا للوادي المُقدَّس.
في (بلا أمَلٍ) نجدُ شكلًا من أشكال التجاوُبِ مع قصّة (في الشُّرفة)، فالبطلةُ فتاةٌ هنا كذلك، لكنّ الراوي لا يتلبّسُ بها. ومثلما ترقُبُ بطلةُ (الشُّرفة) الطَّيرَ وتسقُطُ وراءَ هلاوسِها حلفَ حبيبٍ طائرٍ صنعَته لنفسِها، تحلُمُ (ماريةُ) هنا برُكوبِ درّاجةٍ لا يوافقُ أبوها على شرائها لها، وهو حُلمٌ يكتنفُه اللونُ الأزرقُ الغامض! لدينا ذلك الأبُ الذي يستخدمُ القهرَ أساسًا في تربيةِ ابنتِه، ولدينا الحُلمُ الغريبُ الذي يمثّلُ مهرَبًا من الواقع اليوميّ، وحين تُهدَى درّاجةٌ إلى (مارية)، تقودُها إلى أن تسقُطَ بها في الماءِ وتغرق، لتنتهي القصّةُ بقَولِها "الآنَ أستطيعُ أن أصحُوَ أخيرًا من هذا الحُلم!" والخلاصةُ أنّ الحُلمَ المتكرّرَ كان أقربَ إلى شُرفةٍ مفتوحةٍ على العالَم الآخَر، حيث تتحرّرُ روحُ ماريةَ من قُيودِ جسدِها المادّيّ وجسدِها الأُسرِيِّ وجسدِها المجتمعيّ إن جازَت التسمية! ونلاحظُ أنّ القصّة مُهداةٌ إلى رُوحِ (فريدا كاهلو)، وهو إهداءٌ لا نَحارُ في فهمِ مغزاه، فهي تلك التشكيليّة المهروفةُ بثورتِها على الأنماطِ السائدةِ في الفنّ والمجتمع، ولوحاتُها تنطِقُ بشعورِها بأنّها منذورةٌ للموتِ كبطلة (بلا أمل). غيرَ أنّي لا أدري لِمَ سيطرَت على وعيي لوحاتُ (زينب سجيني) أثناءَ القراءة. بدَت لي فَتَياتُها السمراواتُ البريئاتُ - خاصّةً حِين يَقُدنَ الدرّاجةَ – قريباتِ الشَّبَهِ بمارية. ولو كنتُ مكانَ كاتبِنا لأهديتُها لزينب سجيني!
أمّا (أفراس) فتذكِّرُني بقصّة كافكا الفريدة (تساؤلاتُ كَلب Investigations of a Dog)، فالبطلُ الرّاوي حصانٌ يركضُ وسط أُسرتِه من الخيل ويحكي لنا عمّا يقابلونه من أماكنَ وعن اختلافات شخصيّات أفرادِ تلك العائلة. عَمَدَ كاتبُنا إلى الأوصافِ العربيّة الثريّة القديمةِ للخَيل ليشخّصَ أبطالَه على أساسِها، فهناك (الوَردُ) والأمهقُ والأشهَبُ والبَحرُ والبشيرُ والظَّليمُ والأشقر والصَّموت. وبعد أن يجولَ بنا الكاتبُ في أحداثِ فترةٍ قصيرةٍ من حياةِ هذه الأُسرةِ يُنهيها بلسانِ الرّاوي: "أقرِّرُ أن أتقدَّمَهم جميعًا فأحثُّ خُطايَ... أركضُ أركضُ أركض.." كأنّه يتجاوبُ ومفهومَ الإنسان عن انتفاء الغائيّةِ عن نشاطِ الحيوان، فهو لا يعرفُ إلّا أنه يريدُ أن يركُض، لكنّ ذلك يُعيدُنا إلى عِدّة أمورٍ في هذه المجموعة، منها قيمةُ الإنجازِ وحثّ الخُطى في (عم محمد الإسكافي)، لكنّ هذه القصّة تُطلِعُنا على أنّ حثّ الخُطى لا يبلُغُ بنا أيّةَ غايةٍ، وإنما هو مجرّدُ غريزةٍ مركوزةٍ فينا لا نختلفُ فيها عن البطلِ الحصان! ومنها مُفتتحُ المجموعةِ المُتناصُّ مع (محفوظ)، حيثُ يقرر القردُ خوضَ مغامرتِه الاستكشافيّةِ وهو لا يعرفُ غايةً، وكذلك الحصان وأُسرتُه كلُّها! ويبدو لي أنّ الوصفَ الافتتاحيَّ هنا "نحنُ تسعةُ أفراسٍ عربيةٍ" قد يُغري القارئَ بمحاولةِ اكتناهِ إسقاطٍ سياسيٍّ على القصّة، وهو إغراءٌ أرى ضرورةَ التحذيرِ منه، وأعتبرُه شكلًا من أشكال خيانةِ النّصّ! وذلك أنّ هذه القصّة تحقِّقُ أقصى ما في أحلامِ شُرفةِ كاتبِنا (مُخيِّلَتِه) من غرابةٍ، حتى إنها لَتُسقِطُ عن كواهِلِ أبطالِها أثقالَ الإنسانيّةِ، ولا تُسنِدُ إليهم في النهايةِ فعلًا إنسانيًّا كما تفعلُ قصص الحيواناتِ لدى الأطفالِ مثَلًا، وإنّما تتخلّصُ في شُخوصِهم من عبءِ المُواضَعات البشريّةِ للبُطولةِ برُمّتِها، بوصفِها السُّلطةَ الأعلى التي قد تمارسُ قهرًا على المُخيِّلةِ تسعى المجموعةُ بتَمامِها إلى مقاومتِه.
ولا يخرُجُ الثالوثُ الأخيرُ (البيت والحديقة والصحراء) كثيرًا عن هموم المجموعة، فالسُّلطةُ الأبويّة (للأخ الأكبر) في (البيت)، وسُلطةُ الغنيّ أو الإقطاعيّ في (الحديقة)، وسُلطةُ الحياةِ نفسِها في (الصحراء) هي الحدودُ التي يجدُ أبطالُ هذه القصص أنفُسَهم مُضطَرّين إلى مقاومةِ حضورِها الكثيف.
وقبلَ النهاية، لابُدَّ أن نُشيرَ إلى لُغةِ كاتبِنا المُحتفيةِ بالفصاحةِ لدرجةِ إنطاقِ الجميعِ في حِوارِهم بالمستوى اللغويّ نفسِه تقريبًا، وهو أمرٌ نراهُ ضدّ واقعيّة (محفوظ) الذي تناصَّ معه كاتبُنا في المفتتح ليفارقَه في الممارسة في مَتن قَصَصه. غيرَ أنّ الأمرَ يبدو مُبرَّرًا حين تتجلّى لنا الطبيعةُ الحُلميّةُ لهذا القَصَص، وهي حاضرةٌ دائمًا وإن تفاوتَت حظوظُ القِصص المنفردة منها بالطَّبع. وفي رأيي أنّ هذا الاتّفاقَ الألسُنيَّ الظاهرَ لا يُخالفُ تمامًا مبدأ (الاختلاف الألسُنيّ heteroglossia) الذي قدَّسَه (باختين) في السَّرد واعتبرَه ميزةَ فنون السَّردِ على الشِّعر، فالاختلافُ مُوحًى به هنا من طرَفٍ خفيٍّ، ينطِقُ به وصفُ الشخصيّات واختلافِ مسالِكِها، وإن كانت وحدةُ المستوى اللغويّ تقرّبُنا بالتأكيدِ من الشِّعر، ولا مناصَ من ذلك ونحنُ غارقون مع كاتبِنا في لُجَجِ أحلامِ أبطالِه!
انتهاءً، لا تفوتُنا التناصّاتُ القرآنيّةُ المنتشرة في المجموعة، تلك التي تبلُغُ أقصى مَداها في (الهدهد) حيثُ يُورِدُ آياتِ سورةِ النمل المتمحورة حول قصّةِ سليمان والهدهد وملكةِ سبأ على رؤوس الفقرات. لكنّ الملاحَظَ – بعيدًا عن (الهدهد) – أنّها تأتي تناصّاتٍ مُنذِرةً بالنهاية وملوِّحةً بها. ففي (الحياة) تقولُ البطلة "سنطوي السماء" وتقول للبطل "تفتأ تذكُرُ النهاياتِ حتى تكونَ حَرَضًا أو تكونَ من الهالِكين" وفي (الرحيل) يقولُ الراوي عن حالِ الناسِ في مدينتِه المنهارة "لا نموتُ فيها ولا نحيا". ويبدو لي أنّ كاتبَنا المنطلِقَ من ثقافةٍ قرآنيّةٍ ترى في القرآنِ سقفَ الفصاحةِ المُعجِزَ يلجأُ إلى النصّ المقدَّس وهو مسكونٌ بقَناعةٍ مُفادُها أنّه نَصٌّ يمثّلُ أعلى ما في الشّرُفاتِ، يطلُّ من خلالِه على ذلك العالَم الآخَر الذي يُخايلُ أبطالَ قصصِه، والذي يبدو أزرقَ حُلميًّا لـ(مارية) أو رهيبًا لا وسيلةَ لإدراكِ طبيعتِه كما في دُكّان (عم محمد الإسكافي) أو غير ذلك. وكما كان حريصًا على تفصيحِ الحِوارِ طيلةَ المجموعةِ خالقًا ذلك الجوَّ الحُلُميَّ، تركَ لتراكيبِ القرآنِ أن تملأ متنَ قصصِه بإيحاءاتِ الوقوفِ على حافةِ عالَم الشهادةِ والإطلالِ على عالَم الغيبِ الحُلُميّ هو الآخَر.
.....................
محمد سالم عبادة
9 أبريل 2022
Displaying 1 of 1 review

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.