إن الهدف الرئيس لهذا البحـث تربوي ، كما هو منهج المؤلف في كل إصداراته ، لأنه لـيس من الـمقـبـول ولا المعـقـول أن تهان الأم وهي مربـية الأجيال وصانعة المـستـقـبل والآمال ! كـيـف لها أن تـقـوم بـمهـنـتها الأصلـية ورسالـتها الـتـربوية وهـي تـتـعـرض لـلأذى أمام أطـفـالـهـا ؟ ومن باب أنه لا يحـق لأحـد أن يـنـفـذ القانون ، أو يـقـتص لـنـفـسه ، أو أن يجعـل من نـفـسه السلطة الـتـنـفـيـذية ، فـإن الـدولـة الحـديـثة يجـب أن تصنـف الـقضايـا والأحكام وتــثــقـف الـناس بـذلـك لـتـسـود دولـة الـعـدل والـقـانـون . ولـو نـظرنا إلى الآية الكـريـمة لـفهـمـنا بوضوح أنها لـم تـنـص على أن يقـوم الزوج بتـنـفـيـذ ما ورد فـيـها من أحكام ، لأن الخـطاب في الـقـرآن الـكـريـم مـوجـه إلى جـماعـة المسلـمـين (المجـتمع والـدولة) بصيـغـة الجـمع كسياسة عامة، كما هو الحال في (اقــطـعــوا ، اجـلــدوا ، اضربـوا ، اعــدلـوا ، أقـسـطـوا . . . الخ ) وهـذا يــؤيــد الاتـجـاه الـعـام لـمـحــتـوى هـذا الـبـحـث ، وهـو اتــفـاق الـفــقـهـاء الـمـتــقــدمـيـن والـمجـتـهـديـن الـمـتـأخـريـن والمعاصرين عـلى عــدم الـلـجــوء إلى الـعــنــف بـكل أشــكالـه لأن الـخـيارات الـبـديـلة كـثـيـرة ومـتـعــددة ، ولـقـد حـددت الآيـة الـكـريـمة رقم 34 مـن سـورة الـنـساء بـعـضاً مـنـها وحـثـت عـلى الــتــدرج فـي حــل الـخـلافـات الــزوجــيـة . وتــبــيـن مـن خــلال الــبـحــث أن الـعــنــف الأســري لا عــلاقــة لـلآيــة الــكـريــمـة بــه لا مـن قـــريـب ولا مـن بــعــيــد ، والــدلــيـل وجـــوده فـي كــل مـجــتـمـعـات الـعـالـم ، مــتـحــضـرهـا ومـتــخــلــفـهـا عـلى حـــدٍ ســـواء ، مــؤمــنــيــن ومـشـركـيـن ومـلـحــديـن .
يناقش هذا الكتاب منطوق الآية الكريمة ، يـقـول تعالى : الـرجـال قــوامـون عـلى الـنساء بـمـا فـضـل الـلـه بـعــضهـم عـلى بـعـض وبـمـا أنـفـقـوا من أمـوالـهـم فـالصالحات قانـتات حافـظات للغـيب بما حـفـظ الله واللاتي تخافـون نشوزهـن فعـظـوهن واهجـروهن في المـضاجع واضربـوهـن فإن أطـعـنـكم فلا تبغـوا عـليهن سبـيلا إن الله كان عليا كبـيرا. (سورة النساء 34) ويورد ما احتوته أغلب تفاسير هذه الآية ، ويجمع بين رأي المتقدمين والمتأخرين ، ويكاد رأيهم يتفق على أن لا يلجأ إلى استعمال العنف حيال حل المشكلات الأسرية ، حتى أن الرسول عليه السلام قال : ولا يفعل ذلك خياركم . ويقترح المؤلف في الفصل الثالث رأياً جديداً يأخذ في عين الإعتبار دور الزوجة ( الأم ) في الأسرة ، وهي مربية الأجيال وصانعة المستقبل ، وأنه يجب أن تعامل بأسلوبٍ راقٍ يليق بمكانتها الاجتماعية ودورها التربوي ، ويورد الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة ما يؤيد توجهه ويدعم موقفه . كما يخصص فصلاً لمناقشة عقد النكاح الذي يعتقد أنه يجب أن يرقي لمستوى المسؤولية العظيمة في بناء الأسرة ، ويعتقد أن الفجوات الموجودة في عقود النكاح هي المصدر الرئيس لارتفاع معدلات الطلاق الذي يزلزل كيان الأسرة ويضعف تماسكها . الخلاصة التي يخرج بها المؤلف من معنى كلمة ( واضربوهن ) الواردة في الآية الكريمة هي أن معناها ( الإضراب ، وليس الضرب ) بمعنى أنه إذا لم تنفع العظة وجهود الوساطة بين الزوجين ، فإن الحل الأخير والأنسب هو الإفتراق لفترة معينة يراجع خلالها كلا الطرفين نفسه ، ويتأمل في أفضل الحلول للم شمل الأسرة من جديد .