أستاذ الأدب الألماني وباحثة في النقد الثقافي، مترجمة وأكاديمية مصرية حصلت على الدكتوراة في الأدب المقارن من "جامعة القاهرة"، قسم اللغة الألمانية، عام ١٩٩٦م، وعملت بتدريس الأدب الألماني والأدب المقارن في جامعة القاهرة حتى عام ٢٠١٣م، كما عملت بين ٢٠٠٣ و٢٠١٦م رئيسًا لـ"المؤسسة الثقافية السويسرية" في القاهرة.
صدر لها: •في التأليف - ديني ودين الناس: الدين والعلمانية والثورة (٢٠١٧) - ن النسوية (٢٠١٩).
•في الترجمة عن الألمانية - عصور الأدب الألماني: تحوّلات الواقع ومسارات التجديد (٢٠٠٢) لِباربارا باومان وبريجيت أوبرله - "نظرية الپارتيزان: استطراد حول مفهوم السياسي (٢٠٠٩) لِكارل شميت - مثلًا أخي (٢٠٠٥) لِأوفه تيم - حزن غير محتمل (٢٠٢٠) لِبيتر هاندكه تمرّد الفلاحين المصريين ١٩١٩: الصراع بين المجتمع الزراعي - الاستعمار في مصر ١٨٢٠ - ١٩١٩ (٢٠٢٠) لراينهارد شولتسه - سياسة الإذلال: مجالات القوة والعجز (٢٠٢١) لِأوتا فريفرت.
(لو مش هتقدر تقرا الكلام كله، أنا عايز اقول ان الكتاب حلو ولازم يتقرأ). فالكتاب وجبة دسمة.
(١) هل تاريخ الإنسان هو تاريخ قمعه؟ (طبعا يجوز، لأن دا كلام عم الناس هربرت ماركوز.) عموما، نقطة انطلاق القمع ومحوره هو اخضاع الإنسان ومن ثم هزيمته، واستسلامه. قديما، كان القمع يتمثل في عدة صور (قمع السيد، القبيلة، الحاكم، العقائد) فلا مهرب من الطاعة. جاءت حقبة التنوير و الحداثة لتعلن أن العقل هو الأداة الأنسب لكشف جوانب القمع وتميزه ومن ثم فهو الوحيد القادر علي محاربة القمع. فماذا لو تم تدجين العقل؟ ماذا لو كانت الطاعة هي أحدي مرتكزات الحداثة، فهل كتبت علينا الطاعة العمياء والخنوع الدائم؟
وعدتنا الحداثة بالعقلانية، والتقدم، بالعلم وحكم القانون كسبيل الخلاص. فأصبحت الحداثة ذاتها ديكتاتورنا الحديث، وتموضعت الطاعة ولكن تحت قناع أخر، أشد علينا مما سبق. أصبحت الطاعة قانون أخلاقي لأنها صادرة من نظام ديمقراطي! وتحت حكم القانون. سيجادلون أن العقد الاجتماعي يوجب ذلك، أو اننا ملتزمون أخلاقيا بطاعة قانون -نراه نحن جائر- لأننا وافقنا منذ البداية! فحتي سقراط شرب السم طائعا وهو يعلم أنه حكم ظالم (Fuck you my dearest Socrates) وكذا نظرية fair play عند جون رولز الذي يقول صراحة في كتابة العمدة -نظرية العدالة- " عموما، القانون الجائر لا يعطي أي سبب كافي لمخالفته." أي أننا طواعية! اخترنا العيش في تلك المجتمعات فهذا حق متبادل فلا تضر بالمجتمع، وطع الي النهاية. فماذا لو طاع مالكوم إكس أو مانديلا أو أي ثائر ضد القوانين الظالمة؟ ولماذا يعاقب أيخمان وغيره ممن أطاع القانون الحداثي بحذافيره؟ وهل بإطاعتنا لتلك القوانين نصبح جزء مشارك (أصليا) في الجرائم؟ و ما حدود المسئولية؟ (أتوجد المسئولية بدون حرية؟ أصلا؟) تغرقني تلك التساؤلات بالحيرة.
(٢) تعتمد الكاتبة منهج النقد الثقافي (مما قرأت لها: ن النسوية/ ديني ودين الناس/ ليست كل طاعة فضيلة)، وهو نهج يعمل علي أن تصل الفكرة من خلال الممارسات الثقافية ذاتها (بمعني أنه يدرس النص في علاقته بالأيدولوجية، وتدمج النظرية مع التطبيق)، تحاول الكاتبة البعد عن جفاف النظريات الأكاديمية، وإن كانت تُشرح ويتم تطبيقها علي أمثلة من المنتوج الثقافي والحياة اليومية (روايات، مسلسلات، خطاب إعلامي، مقولات سائدة شعبية). صعوبة هذا الفن هو ضرورة هضم النظريات وتفكيك المنتج الثقافي وهذا يتطلب مقدرة علي كشف التقطعات السياسية والفلسفية والاجتماعية بينهما.
في كتابها السابق ديني ودين الناس، تعرج علي مفهوم الحداثة ومآلتاها السلبية، ومن ثم حداثتنا المصرية المشوهة وظهور تجديد الخطاب الديني. ثم تحول الخطاب الديني الي خطاب يخدم السلطة ويبرر لها مقولاتها. أي أن الخطاب الديني (بعد مأسسته، والتخلي عن جوهره (الثوري) والتركيز علي الشكلي تم ضمه) أصبح أداة بيد السلطة ضد المقهورين. (التعبيرات الثقافية عديدة أفلام مثل: أفاتار، المصير، الإرهاب والكباب، الزوجة الثانية وروايات مثل : قواعد العشق الأربعون ثلاثية غرناطة، واحة الغروب. بالإضافة لأكثر من ٥٠ مرجع.
(٣) يبدأ الكتاب بالتأكيد علي أن القانون هو قانون الأقوى، لكن علاقات السلطة تتغير، فمن تطيعه الأن يخور غدا (صراع دائري مستمر). فهل تجب علينا الطاعة لكل قوي؟ هل كتب علينا الإذعان؟ يحلل الكتاب فيلم الجزيرة لإيصال فكرة أن الأصح هو قانون الأقوى. أقول: كمثال؛ علي أهمية النقد الثقافي أن فكرة القانون أداة في يد السلطة (الأقوى) لها صدي في العديد من النظريات. ماركس يؤمن أن القانون أداة في يد البرجوازية لقمع البروليتارية. والاقتصاديون يروا أن القانون أداة لزيادة الثورة. والنفعي يري أن القانون أداة لتحقيق أكبر قدر من السعادة. والنسوية تري أن القانون أداة لتعزيز سيادة وهيمنة الرجل. وغيرهم ممن ينظر للقانون من الناحية النقدية يروا أن القانون بمعطياته يعزز سياسة الطبقة الحاكمة. ما اقصده هنا مقدرة النقد الثقافي (مشهد شهير من فيلم الجزيرة) لتوصيل معلومة تأسيسية توضح معضلة وجوب طاعة القانون. فنسأل أنفسنا ما القانون أصلا؟
وفكرة العصيان مرتبطة بالإنسان منذ أن وعي. جزء من طبيعتنا. يؤكد الكتاب علي أن اختبار الحياة -نفسها- هو اختبار طاعة ضد معصية، تمرد ضد إذعان. ففي فيلم سماء فوق برلين يكتشف الملاك أن عظمة الإنسان في التجربة، وفي اختبار مشاعره. لكن تأتي الحياة لتجبرنا علي الطاعة. طاعة الأسرة، في المدرسة، الحكومة، القانون، العرف، الشيخ أو القس، كل من له سلطة نخضع له ولا نجوز أن نفكر لا أن نتجرأ ونعصي. كل يؤهلنا لطاعة أبدية.
أقول: أحدي أهم مقولات ماركس هي -إعادة انتاج شروط الإنتاج- كمسلمة. يجب الانتباه لها لتأمين الشروط المادية والتشكيلات الاجتماعية السائدة. بمعني أن المجتمع البرجوازي مجبر علي الحفاظ علي بنيته التحتية والفوقية فيعيد انتاج ذات الظروف والتشكيلات اذا أراد إتمام السيطرة. في كتابة الأيديولوجية وأجهزة الدولة الأيديولوجية، تلقف لويس ألتوسير هذه الفكرة وأخبرنا أنه القمع لا يصدر فقط من الأجهزة القمعية للدولة (تشريع، جيش، شرطة، قضاء)، بل أن الدولة تؤدلج كل مؤسساتها لتخدم هيمنتها وتخدم مصالحها، فيتم أدلجة المدرسة، الأسرة، النقابات، الجهاز البيروقراطي، الخطاب الديني، الخطاب القومي (حب الوطن والشعور بالمسئولية). أي أن كل خطاب هو خطاب أيديولوجي بالأساس. وأيضا فوكو يجادل في كل كتبه ليشير إلي الهيمنة غير المسبوقة في كل القطاعات : السجن، المصنع، المستشفى، الجنسانية، المنتوج الثقافي وغيرها. نحن نعيش تحت هيمنة حداثية قمعية يري فوكو أن لا مجال لتجاوزها وأقصي ما بمكن فعله هو تفكيكها. (لا أعلم ما فائدة استطرادي هنا) ولكن لتشريح الطاعة يجب تفكيك دور كل مؤسسة: فعلي سبيل المثال المدرسة.هي أداة تعلمنا الطاعة والخضوع منذ البداية. تحقق لنا الانضباط المطلوب من ناحية، يقول عمانويل كانط أن الانضباط يرفع الإنسان من مرتبته الحيوانية فتتحقق انسانيتنا، يري (نبي التنوير وعمهم كانط) أن الطاعة شرط الإنسانية! (ويقول "ندرب كلاب وخيول، ونستطيع أيضا أن ندرب البشر."). ومن ناحية أخري تشكل المدرسة (أو تشوه) وعينا لنلعب دورنا في عالم رأسمالي. تغير القيم ومعاير النجاح والسعادة لنندمج في عالم خالي من المعني (نطيع ونستهلك). والخطاب الديني يلعب علي الشكل ويتناسي أن دور كل الأنبياء كان التمرد والثورة ضد الظلم السائد، بنية الخطاب تدفعنا لطاعة أولي الأمر ولو جلد ظهرك وأخد مالك وكأن شرف الحرية ليس غاية البشرية، بل الخضوع والاستكانة. وكذا ندرب علي الطاعة، طاعة طاعة طاعة.
ولا ننسي المصنع، صورة العالم الحقيقي، نصبح جزء من خط الإنتاج. ترس صغير في ماكينة عملاقة. تلك الطاعة -منذ البداية- في كل مكان ومجال تصيغنا لطاعة عمياء لأي سلطة سياسية (ديمقراطية أو شمولية) خاصة وأن لاح العقاب والنبذ والاذلال في الأفق. كينونتنا مجبورة علي عدم الإذعان الأعمى، علي أن نتمرد، أو علي الأقل نتساءل لما ولمن نطيع؟
(٤) إذن، يؤكد الكتاب علي خطورة تربية الأفراد علي الطاعة. الطاعة ستضعنا لا محالة أمام خيار الاختيار بين القانون والكود الأخلاقي. فاذا كان القانون يعارض الاخلاق فماذا نتبع؟ مخالفة القانون الظالم توجب العقاب؟ أما مخالفة الكود الأخلاقي لا توجب العقاب؟ هنا تضعنا المؤلفة في مواجهة سؤال (حفظنا الله من تلك الاختبارات) فعن طريق رواية القارئ (أتسائل هل هانا -بطلة الرواية- خاطئة لالتزامها بالقانون وقتلها للأخر، علي الهامش/ ما دور الموظف العادي البعيد عن الواجهة كالمحاسب أو الطبيب أو السائق أو حتي من عمل في مصانع تساعد النظام النازي ) وكذا ايخمان (القاتل النازي المعروف، الذي هندس نقل اليهود الي محرقتهم، فأجاب في محاكمة في القدس أنه محرد موظف بيروقراطي يطيع الأوامر، وكتبت حنا أرندت كتابها عن المحاكمة فأثارت سخط عالي لأنها لم تجد وحشا قاسيا كما تصورت، بل مجرد موظف تافه يتبع القوانين. فهل كنا نطيع لو كنا مكانه؟)
ففي حادثة تشرنوبل تصدر الأوامر المهلكة وبسبب الطاعة الحرفية للأوامر واللوائح تجد طريقها للنفاذ. فلا مفر من الطاعة. كان هناك من يعلم بخطورة اتباع تلك الأوامر. لكن العقل المشكل المدبوغ بالطاعة لا يجرؤ ان يعصي. ففاق انفجار المفاعل خطورة القنابل النووية. ثم نتساءل ماذا لو احترمنا قوانين العنصرية (جيم كرو) التي سادت حتي الستينات في أمريكا، هل كان في الامكان تغيرها؟ ماذا لو كانت للطاعة خطورة ظاهرة، فهل أيضا نطيع؟ أقول: كما قال هوارد زن أن المشكلة الحقيقية ليست في العصيان بل في الطاعة. الطاعة في عصرنا الحداثي أشد خطورة لصعوبة تميزها. يفرق مالكوم اكس بين نوعين من العبيد: عبيد المنازل وعبيد الحقول. فعبيد المنازل يعيشون في بدروم المنزل بجانب سيدهم، يأكلون بقايا طعامه، يرتدون المستعمل من ثيابه. لا يري عبيد المنزل نفسه الا تحت اسمه سيده وبرعايته. أما عبيد الحقل فهم غير مرتبطين بالسيد يعانون بعيدا في الحقول يعملون سويا علي الحرية. يذكرنا مالكوم أنه حين يمرض السيد سيرفع عبد المنزل يده بالدعاء له أما عبد الحقل فسيدعو عليه (خلاصهم مختلف) واذا احترق منزل السيد سيسارع عبد المنزل لاطفائه اما عبد الحقل فيساعد في اشتعاله. فعبد المنزل لا يتصور العيش بعيدا عن السيد، أما عبد الحقل يعرف أن حريته في الخلاص من السيد. هنا النظام الحداثي، يريدنا كعبيد المنزل. فكيف؟
" أننا لسنا واعيين تماماً أن الطاعة ،التي تعتبر في نسق القيم الإنسانية " فضيلة ' تثير الإعجاب ، تجعلنا في الواقع عبيدا لمن يتوقعونها منا "
جذب انتباهي عنوان الكتاب و انا أتجول في أحدي قاعات معرض القاهرة الدولي للكتاب من النظرة الأولي تخيلت أنه كتاب عن النسوية فغمرتني الحماسة لكي اجرب و اغامر بكتاب لست متأكدة من محتواه أو عما يتحدث ، و لكنني لم ألتقي بكتاب نسوي فقط لقد التقيت بقلم كاتبة صور اشكال الطاعة بصورة مذهله لم أكن في خضم تجربة تحكي عن النسوية فقط كنت في خضم تجربة تحكي عن البرجوازية الديموقراطية و الليبرالية و الثورة و التمرد و آدم و حواء و الفن المصري و الفن الأمريكي و العقاب و السجن رأيتني داخل مجموعة من المعلومات الدسمه التي اتأملها بأنبهار ، فكيف يمكن أن يكون فيلم مثل " عسل أسود " له علاقة بكل هذا أو سلسله أفلام " باتمان" أو الچوكر ، نظرات فلسفيه عميقة و تسائلات طرحت لأفلام شاهدتها عديد المرات و لم ألحظ اي شئ ، لا أنكر أن هذا جعلني امقت مستوي ذكائي لوهله غيرة م�� أن هناك أمرآه شاهدت ما شهادته انا للتو و استنتجت هي كل تلك النظريات و انا لم أكتسب شئ عدا ٢ كجم من كثرة أكل الفشار .
"أليست ألسنة هذا المجتمع و تعددها هي ما يشكل المادة الخام ( اللغة ) التي استخدمها ، و أصنع منها مأدبة لشخصين : أنا و القارئ فلماذا أعاقب إذن علي استخدام لغة هذا المجتمع "
لا احب المبالغة و لكنني وجدت نفسي أمام عمل منمق و منسق مقالات تعرض بها التساؤلات و الشكوك دون أي تحفظات ، فلسفه حره دون أي قيود لأجل أن تجاوب علي سؤال واحد ، هل كل طاعة فضيلة ؟ هل كل تمرد معصية ؟