يعتبر الحديث عن الحب شيقاً يستحي الكثير من الناس الكلام عنه علناً، وأنك لترى الناس لا يتكلمون عنه ولا يتناقشون فيه إلا سراً وكأنه من المحذورات والسبب يعود ببساطة لأن الكثير يرونه من الجانب المظلم له، فكانت ردة الفعل موازية لزاوية النظر التي سقطت عليه. لكن هذا العمل، "سلوة العاشق" أعلن فيه المؤلف ثورة إيجابية تطالب بالتسامي بعاطفة الحب التي أوشك أن يخبو وميضها مع صخب الأحداث التي يمر بها العالم الحديث. عاطفة الحب، العاطفة التي تغير مجرى حياة كل إنسان بمجرد وقوعه فيها، وتقتحم عليه فجأة وتغير كل ما اعتاد عليه في حياته اليومية. عاطفة الحب التي تضع في كل إنسان بمجرد وقوعه فيها رغبة عارمة في البوح، رغبة في إخراج كلمات بسيطة لمن حوله، يقول لهم وبكل صراحة يا ناس، أنا أحب ولي حبيب يعشقني!
ضم فيه المؤلف قصصاً رائقة، وأحاديث محبين، جمع فيها بين الحديث والقديم وجعل من هذا العمل "سلوة العاشق" فسيفساء أدبية، يستمتع القارئ بمجرد مشاهدته لها، استخدم فيها طرحاً علمية دقيقاً باستقراءات من أناس متخصصين، وتجارب آخرين، ليخبرك أن ما تعيشه مع نفسك من حالة عاطفية طرأت عليك للتو، قد ذاقها الأولون بجميع صفاتها، وأنه يوجد من حولك من يخفي عنك أيضاً ما تعانيه لنفس السبب الذي جعلك تخفي مشاعرك أنت فلا تتكلم عنها!
قالت عجوز حكيم تصف الحب: "هو مرض يا بني، لا أذاقك الله إياه، يسري من الألحاظ ويسلك طريقه في الألحاظ .. ثم يتخذ مستقره في القلوب، هو في أول أمره رعدة في المشاعر، ودقات بين ألواح الصدر، وتلون ملامح الوجه. فإذا نما وترعرع فهو برق يستعر وميضه في الأحشاء، تتلظى الجوانح بناره من غير لهب، ويشوي الفؤاد في وهجه من غير جمر، فإذا استقر وتمكن فهو نهش وفتك لسويداء القلب، يجرحه بلا مبضع، ويمزعه من غير سنان. فهناك يشحب دمه منهمراً من العينين، ويذوب الجسم بين بوتقة الحشا وزفرات الصدر، وهناك لا يُغني الطبيب ولا عقاقيره، ولا يجدي سوى ان تتضام الروح وتطفأ النار ببرد الوصال"
Review طالما أردت أن أُحِب وأُحَب، أن يسمو الحب فيني إلى أبعد حد، فطفقت أقرأ في الحب وعن الحب ما استطعت وما حوت الكتب، حتى حفظت كتاب ابن حزم "طوق الحمامة" عن ظهر قلب ثم انشغلت بالحياة عن الحب حتى شاء الإله ثم شاءت الأقدار أن أتعرف على كتاب اليوم فاشتعلت جذوة ذلك الشعور الأول من جديد وهبت نسمات الحب الخجلى على غير ميعاد. انتهيت منذ دقائق من قراءة كتاب "سلوة العاشق" للمرة الثانية، وهي عادة أمارسها مع كل كتاب. فالمرة الأولى للاستمتاع والاستطلاع والمرة الثانية للنقد والتمحيص، وفي كلا المرتين استمتعت وتعلمت واستنكرت أحيانا. وتألمت. كتاب سلوة العاشق لعايض القحطاني كتاب "رقيق" فيه من الشفافية المنتقاة ما يجعله في مصاف الكتب التي أحترم كثيرا وأقدّر، وإن حاول الكاتب في أحايين كثيرة التزام الحياد كيلا يظهر بشكل الموجّه المرشد، على الأقل ليس بالشكل المباشر. أحببت في الكتاب تقسيماته، فهو مبوّب ولكل باب عنوان يختصر محتوى ذلك الباب فهناك باب "الوفاء" وباب "الخيانة" وباب "المصارحة" وآخر عن "الكتمان". الأبواب كثيرة ويمكنك البدء بقراءة أيا منها دونما مراعاة لترتيب أو محتوى الباب السابق، وتلك ميزة لمن يبحث في موضوع معين، فيسهل عليه الوصول إلى ذلك الموضوع دون حاجة لقراءة الكتاب بأكمله. لكن ما لاحظته هو تقديم الكاتب لما هو مؤلم أو جارح على ما هو جميل، فتجده يتحدث عن الخيانة قبل الوفاء وعن الفراق قبل الوصال وعن جنون الحب ثم عن دوائه. لا أدري إن كان الأمر متعمدا لكن تأجيل الحديث عن الوفاء والوصال ودواء الحب كان ناسخا لما قبله، بلسما ينسيك ما ذُكر من تلويع وفراق. لستُ أدري إن كان ذلك مقصودا أم لا، لكن حتما من يقرأ الكتاب سيشعر بحزن وضيق عند القراءة عن الخيانة مثلا لكن كلها مشاعر ستنجلي بمجرد الوصول لباب الوفاء، وأعدكم ذلك. كل باب يحوي شرح موجز وجميل وتفاصيل أحيانا مدعومة بقصص من التراث أو الواقع المعاصر وكان في ذلك التنقل محاولة لعقد المقارنات بين ما كان الحب عليه وما انتهى له في وقتنا الحالي ولكن أعلن عن مخالفتي لبعض أفكار الكاتب السوداوية عن الحب والمحبين في زماننا هذا واعتراضي على بعض تعميماته التي حاول التملص منها باختيار كلمات مثل "معظم" و "الكثير من"، فكانت مثل هذه العبارات وكأنها صفعات واقعية تردك متى شردت بعيدا وتهت في عالم الأحلام الوردية. وتقريبا هذه هي الصفة الغالبة على الكتاب، يجعلك تهيم على وجهك في عالم الحب ثم يوقظك بصفعة واقعية لا مفر منها. هو سهل ممتنع، وجميلٌ مُر. يلتزم الكاتب بعنوان الباب، فهو غالبا اختصار لمحتوى الباب إلا أنه أحيانا يسترسل في الطرح ويسهب كما هو الحال في باب "علامات العشق" فالكاتب يتحدث عن علامات العشق ثم يدخل في مدح وذم العشق وعلاقة الحب بجمال الهيئة وعلو الهمة وهي أمور ربما تكون ذات علاقة بعلامات العشق إلا أن تلك العلاقة حتما غابت عني. ومن جميل المحتوى تطعيم الحديث بالكثير من الأبيات الشعرية والقصص والعبارات المأثورة وهو أمر يوحي بسعة اطلاع الكاتب وقدرته على ربط المحتوى بمخزونه الأدبي. جرأة الكاتب كانت واضحة في مواضع عدة منها ما سطّر في باب "الحب والجنس" وفي حديثه عن تسليع الحب واختلاق مناسبات وأعياد كالفالنتاين للمتاجرة بالحب وفي باب "خدعكم أيضا نزار" وأجده بابا قاسيا وإن لم يجيء على لسان الكاتب نفسه إلا أني أنصح مريدي نزار قباني بأن يزوروا هذا الباب بصفة عاجلة. من أكثر الأبواب التي أحببت هو باب "كيف تجعل الآخرين يحبونك" وهو باب وإن كان يبدو عنوانه كأنه كتاب في التنمية البشرية أو الذاتية إلا أنه يسطر حقيقة لا تغيب على عاقل منا، فنحن نعيش في عصر منفتح نحتاج فيه إلى فضاءات ثقافية تتاح من خلالها فرصة الالتقاء بالآخر لطرح وتبادل أطراف الحديث بشكل محترم يضمن للطرفين حرية التواصل وفق ما هو مسموح به ومقبول شرعا وعرفا. من تعميمات الكاتب التي جعلتني أشعر أحيانا أنه في صف الرجل عبارات كتلك التي يتحدث فيها عن الخيانة وكيف أن خيانة المرأة تحطم الرجل في حين أن المرأة ممكن أن تغفر للرجل خيانته، قد يكون في الأمر شيئا من الصحة لكن خيانة الرجل فيها تحطيم لمشاعر المرأة أيضا وإن لم يكن مساويا لذاك الذي يشعر به الرجل فربما هو أعتى وأمر. ويعود الكاتب ليقول لنا أن "خيانة المرأة لها طابع خاص"، وفيه تنميط ذكوري آخر، فباعتقادي الخيانة لا تعرف جنس. باختصار، الكتاب جميل جدا لمن أراد أن يهرب من الواقع إلى عالم وردي لطيف يُنسيك مرارة الواقع، أجده تذكرة دخول إلى عالم الرجال وإلى تفسيرهم للحب وطرق تعاملهم معه، سيحتاجه الرجال كمرجع في حال وقعوا (أو قرروا الوقوع) في الحب، وفيه شرح مفصل للنساء ممن أردن سبر أغوار الرجال ومعرفة مشاعرهم وحقيقة أفكارهم تجاه الحب ومشتقاته. في الكتاب حقا سلوى وتعزية وتطبيب جراح غائرة وأخرى قادمة. هل أنصح بقراءة الكتاب؟ حتما، خاصة لمحبي كتاب طوق الحمامة لابن حزم، فما أشبه هذا بذاك مع فارق السنين والتجارب وأقسام المحبين. أختم حديثي هذا باقتباس من الكتاب أعجبني كثيرا لإيماني بحقيقته، يقول الكاتب " الحب لا يموت بعد الزواج، بل يختبئ وراء هموم الحياة ومشاقها، ووراء هموم تربية الأطفال ورعايتهم، يخرج هذا الحب من مكمنه متدفقا بقوة متى استدعيناه. الحب الحقيق لا يموت أبدا."
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ... وأدعو علي وعليكم بالحب طوعا لا كرها، فعسى أن تحبوا من يحبكم وأن يحبكم من أحببتم... هذا ونعوذ بالله من حب من طرف واحد وآخر أعمى الكل عليه شاهد