أعترف بأني وقعت أسيرا في فنون القراءة المعاصرة، عشت في هذا الأسر عامين لم ينشغل فيهما ذهني بشيء كما انشغل بالقراءة المعاصرة وأفكارها. ولا أستطيع أن أخفي انجذابي لسحر الأسلوب الدمشقي الذي يختص به الدكتور محمد شحرور في حديث وتأليفه، قرأت كتبه مرات بعد مرات... تتبعت مقالاته وحواراته، ولا أحصي عدد الليالي التي أختم فيها عملي بوضع السماعات في أذني لأستمع إلى محاضراته المصورة المنشورة. وفي نهاية الأمر رأيت أن أقدم بين يدي القراء الكرام تفاعلا معاصرا مع القراءة المعاصرة. هذا الكتاب ليس نقدا تراثيا، بل هو قراءة معاصرة تلتزم بالأدوات المعرفية التي حددها الدكتور محمد شحرور وقد وجدت في هذه الأدوات المعرفية قاسما مشتركا بمكن أن نتحاكم إليه في قراءة هذا الجهد البشري الواسع، فلا نحتج في قراءتنا بالتراث أو الروايات التي لا يعترف د. شحرور بحجيتها، ولا نثبت الترادف، ولا نهمل نظرية النظم.0 بهذه الكلمات؛ يوضح المؤلف منهجه العلمي الصارم في النقد، وتتشرف دار الفكر بتقديمه لقراءها، نموذجا للقراءة الواعية التي تدرك مواطن القوة والضعف فيما تقرأ، وتخضعها للحوار؛ بعيدا عن المواقف المسبقة من التسليم السطحي أو الرفض المطلق.
لا أستطيع أن أقول أنني حقاً قد انتهيت من قراءة هذا الكتاب؛ لأنني حتماً سأعيد قراءته مرة أخرى إن شاء الله وقدر، سواءً كانت قراءتي للكتاب نفسه أو لما قمت بتلخيصه. حين شرعت بقراءة هذا الكتاب كنت تائهاً بين الموضوعات والعناوين الكثيرة التي يتناولها، وقد ازداد تشتتي بعد أن فرغت من قراءة ربع الكتاب تقريباً الأمر الذي أدى بي إلى إعادة قراءة الكتاب من أوله، هذه المرة في حضرة القلم والأوراق لأكتب ملخصاً لما أقرأه، وقد أتى هذا الفعل بثماره ولله الحمد. لقد كانت رحلة مرهقة مع هذا الكتاب لكنها ممتعة وشيقة، تعلمت منها الكثير وطالعت على شرفها بعض الكتب الأخرى التي لم أكن لأعلم عنها لولا هذا الكتاب. يتناول الكتاب القراءة التي يقدمها محمد شحرور لنصوص القرآن الكريم من ناحية أصولها وأسسها وقواعدها ومفاهيمها ومصطلحاتها ومنهجها، وكيف أنها لم تلتزم بذلك كله، مع بيان الإشكالات والتناقضات الداخلية في صلب وبنيان قراءة محمد شحرور لنصوص القرآن الكريم. في رأيي كان يمكن لتنسيق الكتاب أن يكون أفضل من ذلك وبخاصة في نقاطه الفرعية التي يتناولها تحت عناوينه الرئيسية، كما أنني لم أجد فائدة من فصل الكتاب الخامس؛ ففيه إعادة سرد للنقاط التي سبق وأن طرحت في فصول الكتاب السابقة، كما أنه يحيل القاريء في أكثر من موضع إلى إصدارات أخرى لم تنشر بعد، فكان من الممكن الاستغناء عن ذلك الفصل.