في الفترات العصيبة تظهر معادنُ النفوسِ، وتتمثَّل على حقيقتها بلا مواربة ولا تجمُّل، نفوس تتصارع من أجل السُّلطة لنزواتها الشخصية، وأخرى تجعل السُّلطة في صالح أمتها .. ليس ما يحدث هنا سجالًا بين السيوف بقدر ما هو سجال بين النفوس، بل وفي داخل النفس الواحدة تتمثَّل التناقضات بعد أن انفرط العقد هناك عند قلعة جعبر .. حيث قُتل عماد الدين زنكي، وحيث بدأ ربيع أيوب في نسج ملحمةٍ تاريخية مؤلمة؛ فقد جمعت الرواية بين صور العزة والمجد والهزيمة والقهر، وقد كانت عاطفة الرِّوائي قوية دافقة تنبص بالإيمان وتشع بالأمل كما في الإهداء الذي صدَّر به الرواية.
يستطيع الفن الروائي أن يُقلِّل من جفاف السيرة، فهذه رواية تدور في فترة الحروب الصليبية عقب مقتل زنكي مباشرة ..تاريخيًا هناك خطوط كثيرة .. صراعات ..شبكة تحالفات مختلِفة ومتغيّرة، أستطيع أن أزعم أنَّ الروائي صاغ كل ذلك في حلقة واحدة مُتَّصلة دون الشعور بحفاف المادة التاريخية، فهناك على طول الرواية جبهتان رئيسيتان وهما: جبهة نور الدين محمود وجبهة الصليبيين في بيت المقدس وما حولها من إقطاعيات، فالأمر ليس فقط رصد الصراع بين الجبهتين، ولكن أيضًا في التصدعات الداخلية داخل كلٍ منهما، وفي ذلك تبرز شخصيتان على جانب كبير من الثراء النفسي وهما شخصيتي" علم الدين" و " برناردو"، فبداخلهما مساحات درامية و أطماع وتقلبات نفسية وعقد سيكولوجية محرِّكة لكل منهما لتحقيق مصالحه الشخصية.
في المقابل اختفى العمق اللازم من شخصية محورية مثل " نور الدين محمود"، فرغم مركزيته إلا أنَّ حضوره لم يكن طاغيًا، والتعمُّق بداخل نفسه لم يكن بالقدر اللازم، ومثل ذلك يمكن أن نقوله على شخصية " شيركوه" و الملك الصبي " بلدوين" وأمه الملكة " مليزندا"، فهذه شخصيات كان يُمكن بلاشك نسج مسارات نفسية بل واجتماعية من خلالها، مثلًا ليس هناك تفصيلات عن حياة نور الدين محمود الشخصية، ولا عن طبيعة و حقيقة خطيئة مليزندا وأثرها عليها، أعتقد مثل تلك الأشياء تُثري الرواية أدبيًا، ولا تفسير عندي لذلك سوى أنَّ الطبيعة السردية للعمل كانت مهتمَّة بالحدث السياسي والعسكري نفسه كبطل للعمل.
ورغم أنَّ الرواية حدَثِيَّة من هذا المنظور، إلا أنَّ الوصف جاء مناسبًا، والسرد في الرواية سلس مطواع ويتناغم مع الفنية الروائية، ولم ينزلق إلى الاستطراد الذي لا لزوم له، ومن هنا نقول أنَّ الديالوج بوصفه فنيًّا يندرج تحت مطلق السرد كما يرى بعض النقاد، فقد كان من الأعمدة الرئيسة في الرواية، ممتع وشيق لاسيما ديالوج " برناردو" و " مليزندا"، كما جاءت حبكة الرواية محكمة، وقام الروائي بتطعيمها بخطوط سردية من ابتكاره لم يُحسم أمرها تاريخيًا مثل من قاتل زنكي، فالرواية لها اختيار لن نحرقه، ومنه صنعت مسارًا حول تتبع نور الدين لذلك القاتل، مما أضفى بُعدًا ممتعًا آخر أكمل به الروائي الفراغات التاريخية بروح أدبية محضة .
لا تنته الرواية فعليًا إلا بقدر ما تبدأ .. فما كان مقتل زنكي عند جعبر وصراع نور الدين مع ريمون وجوسلين واصطكاك السيوف إلا مجرد شرارة البداية ..شرارة وضع فيها حدًّا للأطماع الصليبية بعد موت زنكي، كما قضى على الخيانات في حلب، لكن مازالت الجبهة ممزَّقة وشرايين الأمة مفتوحة، فانتهت الرواية لكن لم تنته القضية .. فكما قال نور الدين " البقية تأتي" .
رواية ممعتة من إصدارات دار إشراقة .
#قراءة_2022