جاء الصباح فكنت كأنني لا أزال نائماً، وكأن الرؤيا مستمرة، وكأن الكون الصامت، والقرية الصامتة، والحوائط الصغيرة المنحنية والمنازل المتناهية في تواضعها حلم يرتبط بحلمي، كأن الصباح الذي أشرق لتوه هو نفسه الصبـاح الـذي رأيته في الصحراء عندما كانت العيس رابضة، والخيام جاثمة، ونحـن ننظر إلى الشمس المبهرة فوقنا، ننظر إلى الصباح الذي لم يظهر أبداً، وإنما ظهر كجزء من الليل عندما نزل جزء من الشمس بيننا، وأذكر جيداً أن أحدهم قد عد الساعات في الحلم وصاح بيننا أن وقت الصبح لم يحن بعد. عندما غمرت الشمس نصف القرية، وامتلأ نصفها بالظلال، توجهت إلى دكان ود المبروك، وجهتي الأولى لأعوام، وود المبروك هو الاسم الآخر لقريتنا، كبارنا يسمونها ود المنسي ونحن نسميها ود المبروك، وود المبروك أيضاً اسم لأحد دكاكينها الموغلة في القدم والنسيان، كان قائماً منذ أن كانت الحياة هنا مليئة بصمت الرجال، وضاجة بصخب الطيور، وأصوات البهائم، كان قائماً منذ أن كانت ود المنسي صغيرة جداً يحييها ماء المطر الذي لم يكن ينقطع أبداً، فتنبت كل الأرض حولها، وتهاجر إليها الطيور من أوطان قتر الله أرزاقها، فتجر معها للرجال الذكريات وللنساء مشاعر التوق والحنين.