ترصد هذه الرواية أحداث عام 1967 في مدينة بورسعيد من خلال طفل هو بطل الرواية يواجه الحرب وحيدا، إنها ليست عن الحرب تحديدا إنها عن نتائج الحروب وتأثيرها عى مجتمع الأطفال، إنها عن خيال الأطفال وكيف يتكون وطيف يتم تشويهه، إنها عني وعنك وعنكي إذا وقعت فريسة وحيدة في مدينة واسعةوليس هناك سواك يدعمك أبوللو الاله الإغريقي القديم حتى تراه أمام عينيك جثه هامده..فلم تترك الحرب أحدا دون أن تنال منه
روية لاتملك أمامها سوى أن تظل مشدودا حتى النهاية، لقد شعرت بالانتشاء حين انتهيت منها، تمنيت لو لم تنتهي، الرواية ليست عادي على الإطلاق، هناك سحر كامن فيها، الجميل أنها كلها يتم حكايتها على لسان طفل فين بقية روايت د.زين عبد الهادي
حين تقرأ عن بورسعيد تلك المدينة الساحلية الجميلة وقت النكسة عام 1976 لكن من وجهة نظر طفل لم يتخطى عامه العاشر, فأنت إذا أمام عمل تمتزج فيه الأحداث الواقعية بالأسطورية فى توازٍ بديع, و رغم بساطة الأسلوب فعمق الفكرة و البعد الفلسفى عنصران يظهران بشكل واضح جداً. دماء أبوللو هى أسم أحدث رواية للدكتور زين عبد الهادى والصادرة عن دار ميريت.
الرواية أستهلها الكاتب بجملة " الأسطورة كالماء..هى كل شئ" تقع فى 269 صفحة مقسمة إلى ثلاث مقاطع "عصر الجنيات"، "خيار هرقل", ثم "دماء أبوللو". كتبت تلك الرواية البديعة بشكل حلزونى يدعو القارئ إلى القراءة بتركيز.
فى "عصر الجنيات" أول مقاطع الرواية يأخذنا زين عبد الهادى لرؤية الحياة فى بورسعيد وقت الحرب بعيون طفل فى وصف دقيق للحالة التى عاشها, " كيف تحولت الجنة فى ساعات قلائل إلى جحيم", صافرة عربة الإسعاف التى تملأ الجبنات, و صراخ النساء الذى لايمكن تحديد مكانه, الموسيقى و الاغانى التى تحولت فجأة إلى أناشيد وطنية. بعد عدة صفحات يبدأ البطل الطفل الذى قرأ عن أبوللو إله الإغريق القديم و شاهد صورته فتعلق به و ربما للشبة بينه و بين جده لأمه الذى يحبه بشده و يذهب معه دائماً فى رحلات الصيد فى البحر. و فى نفس الوقت يشعر بأن ثمة شبة بين أبوللو و الرئيس جمال عبد الناصر.
و مع نبرة الحزن التى تسكن كلمات الطفل, تجد بين السطور ما يجعلك تبتسم مثل الحوارات الطفولية بينه و بين جدته التى كانت دون غيرها تتحمل أسئلة ذلك الطفل الفضولى الطواق لمعرفة الحياة و فهمها. فسؤاله مثلاً عن إختلاف لونيهما عن باقى أفراد الأسرة, فهما من ذوى البشرة السمراء أما جده فهو أبيض بعيون زرقاء. و حين تحكى له جدته انها سودانية الاصل و ان جده تركى الاصل يسألها ببراءة " طيب هو أبيض خالص و انت سوده خالص..اتجوزك أزاى.."
خيار هيرقل هو المقطع الثانى فى الرواية تبرز هنا فكرة الأختيار و هو ما يخص أسطورة هيرقل الإله الذى كان عليه ان يختار بين الخير و الشر, الفضيلة و الرزيلة و حيرتهُ بينهما ثم أختيار الخير فى النهاية. قارن الكاتب –على لسان البطل- بين احوال البشر فى مسألة الأختيار و بين اسطورة هيرقل ليصل فى النهاية لنتيجة واحدة " ان علينا نحن فقط اختيار الأفضل للجميع؟" باللإضافة إلى سؤال أخر مهم " هل أختيار أى أحد منا فى حياته لأى موقف, هل هو اختيار للفضيلة أم للرزيلة فى ظل عدم معرفتنا بالمستقبل".
أستهل د. زين المقطع بعدة أسئلة طرحها البطل " هل كان عبد الناصر يعلم بما أنا فيه الأن؟ و هل بإمكانه إنقاذى مما وضعنى هو فيه؟ هل كان يعلم بكل ما سيحدث لى؟ و هل أستحق منه كل هذا؟ و هل دخول أبى السجن كان هو وراءه؟ و هل ذهاب عمى حامد للحرب هو المسئول عنه ايضا؟ و هل خطط لكل ذلك. بتلك الأسئلة أظهر الروائى زين عبد الهادى مشاعر الطفل تجاه الرئيس عبد الناصر, كانت مشاعره متخبطة بين الحب و البغض, بين الإجلال و الإحتقار. فرغم أنه كان يحب عبد الناصر لأن والده كان يحبه فأنه فى ذات الوقت يدين نظام عبد الناصر الذى كان سبباً فى إعتقال والده, و ذهاب حامد زوج خالته حنان إلى الحرب فى اليمن لتلد أبنتها البكرية فى غيابة, ثم عودته ليحارب فى سينا و يتركها حاملاً فى طفل ثان.
"وكأنه يسقط من كل تلك الأبراج التى صنعتها لهُ" حمل الطفل عبد الناصر كل ما حدث لهُ من فقدانه لأمه و أهله وقت التهجير, و قتل كرستينا تلك الراهبة الجريجية التى كان يحبها على يد اليهود, و بالطبع موت بورسعيد المدينة التى يعشقها.
اما المقطع الثالث و الاخير فهو "دماء أبولو" و عودة للأسئلة اللا نهائية التى يطرحها علينا الكاتب من خلال بطله الطفل حين تسائل عن القاتل الذى يقتل جميع ضحاياه ثم يمتلك العالم و يعتلى عرشه لكن يكون فى تلك اللحظة بمفرده؟ و ظل يتابع تلك الأسئلة حول اختلاف البيئة و إختلاف الكائنات, و كيف ان ابوللو يمتلك جسد بشر و له قدرة على الطيران..ظل يتسائل و يتسائل حول تلك الالهة الإغريقية حتى توصل الى انهم قادرون على الطيران بينما الجن و العفاريت قادرة على التخفى و هكذا تجرى الامور فى عالمنا هذا.
دماء أبوللو رواية تمتلىء بالرسائل و الأفكار مثل فكرة الوحده الوطنية و التعايش بين أصحاب الديانات المختلفة فى نسيج واحد لا يعكره اى خلافات عصبية او طائفية و قد برزت تلك الفكرة بشكل واضح فى عدة مواضع من الرواية مثل علاقة خضير بيانى الرجل اليونانى المسيحى الذى تزوج أم هدى ليستر عليها. كذلك حين سأل البطل والده عن ما هي الكنيسة فرد عليها بأنها كلها بيوت الله و أننا جميعاً إخوة مهما أختلف الدين. و علاقة كرستينا الراهبة بعائلة الطفل عوض و تعلقها بهم و تعلق الطفل بها.
الموروث الثقافى و الشعبى كان لهُ نصيب فى رواية د. زين عبد الهادى خاصة فى إجابات الجدة على حفيدها فى مسائل تخص عالم الجن و العفاريت- العون كما كانت تردد- و إعتبارها ان حفيدها ممسوس لأنه كثير الأسئلة بشكل تظنهُ غير عادى.
التضليل الإعلامى الذى حدث وقت النكسة أشار إليه الكاتب بعدة طرق أبرزها " حين حانت منى التفاته إلى أحد الأركان فوجدت تلك اللوحات التى أذكر جيدا أن يانى كان يضعها على حامل فى مدخل العمارة لتبين عدد الطائرات الإسرائيلية التى سقطت أثناء الحرب, كان الامر كله خدعة, خدعة لعينة".
الرئيس عبد الناصر كان أحد المناطق التى شدد عليها الكاتب فى الرواية, أظهر جميع الجوانب سواء فى حب الشعب له و شخصيته التى اعتبرها البطل تقترب كثيراً من ألهة الجريك, إلى أخطاء نظامه الذى ألحق خسائر فادحة بمصر و شعبها. و فى النهاية يتغلب حب عبد الناصر على كل سلبياته حين ذكر البطل تلك المقارنه بين الإله أبوللو و عبد الناصر فى الصفحة قبل الاخيرة من الرواية " كانت دماء أبوللو المتناثرة توحى لى بأن هذه دماء عبد الناصر أيضاً, إذا لقد نالت الهزيمة من الأثنين أخيراً, كنت أعتقد أن الحياة ستعطيهم كل شيء لكن الحياة هكذا تأخذ بقدر ما تعطى".
ينهى زين عبد الهادى روايته بحكمة تماماً كما بدئها "هكذا الحياة يموت فيها الانسان و الآلهة و المدن كل يوم, لكنهم فى مكان آخر من جديد يخلقون".