وكنت أعي أن الدخول إلى عالم " لويس عوض" مسألة محفوفة بالمخاطر والمحاذير، فقد مثَّل في حياته مركز قوة خطيرًا منذ عهد الدولة الناصرية الأولى في الستينيات حتى رحيله في عهد الدولة الناصرية الثانية في التسعينيات، ولا أدعي بطولة حين أقول إنني بالرغم من كل المخاطر والمحاذير اقتربت من لويس عوض أدبًا وفكرًا ، وقدَّمت ما أعتقد من آراء دون ميل أو هوى
أستاذ النقد و البلاغة بقسم اللغة العربية - كلية الآداب جامعة طنطا
من مواليد قرية المجد في محافظة البحيرة، جمهورية مصر العربية سنة 1946م.
* عمل رئيساً لقسم اللغة العربية بكلية الآداب ـ جامعة طنطا (2000-2004م). * عَمِلَ أستاذاً مشاركاً بكلية المعلمين بالرياض (1989 ـ 1994م). * عضو هيئة التدريس في كلية الآداب بجامعة طنطا (قسم اللغة العربية). * حصل على شهادة الدكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن من كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة عام 1984.
مؤلفاته
* له العديد من المؤلفات المطبوعة في الإسلاميات والأدب والعلوم، منها:
في الإسلاميات
1. مسلمون لا نخجل. 2. حراس العقيدة. 3. الحرب الصليبية العاشرة. 4. العودة إلى الينابيع. 5. الصلح الأسود: رؤية إسلامية لمبادرة السادات والطريق إلى القدس. 6. ثورة المساجد.. حجارة من سجيل. 7. الاقصي في مواجهة افيال أبرهة. 8. معركة الحجاب والصراع الحضاري. 9. هتلر الشرق. 10. جاهلية صدام وزلزال الخليج. 11. أهل الفن وتجارة الغرائز. 12. النظام العسكري في الجزائر.. ما زال يخطط لاغتيال الارادة الإسلامية. 13. .. واسلمي يا مصر. 14. حفنة سطور. 15. التنوير: رؤية إسلامية. 16. دفاعاً عن الإسلام والحرية. 17. واحد من سبعة (قصة للاطفال)
في الإعلام
1. الصحافة المُهاجرة.
في الأدب والنقد
1. الغروب المستحيل (سيرة الروائي محمد عبد الحليم عبد الله). 2. رائحة الحبيب (مجموعة قصصية). 3. الحب يأتي مُصادفة (رواية). 4. مدرسة البيان في النثر الحديث. 5. موسم البحث عن هوية (دراسات في القصة والرواية) 6. محمد في الشعر العربي الحديث. 7. القصائد الإسلامية الطوال في الشعر الحديث. 8. الرواية التاريخية في أدبنا الحديث: دراسة تطبيقية. 9. الحداثة تعود. 10. الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر. 11. لويس عوض: الأسطورة والحقيقة. 12. الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني. 13. الرواية الإسلامية المعاصرة: دراسة تطبيقية. 14. حوار حول الرواية في مصر وسورية. 15. تيسير علم المعاني. 16. النقد الأدبي الحديث بداياته وتطوراته. 17. إنسانية الأدب الإسلامي. 18. الوعي والغيبوبة دراسات في الرواية المعاصرة. 19. الأدب الإسلامي الفكرة والتطبيق. 20. مدخل الي البلاغة القرءانية.
هذه الدراسة كاشفة بما لا يدع مجالًا للشك لنموذج المثقف المُتغرِّب أسير مفاهيم " التقدم" و " الاستنارة" في صيغتها الغربية، فتنكَّر لهوية الأمة وسخر من ثراثها معتمدًا على التلفيق والتزوير والتضليل، وقد كان " لويس عوض" نموذجًا لذلك المثقف. وطوال هذه الدراسة الماتعة الممتعة التي كتبها الدكتور " حلمي محمد القاعود" لن تفتأ تسأل نفسك ما هي الدوافع المُحرِّكة للويس عوض في تبنِّيه لكل الآراء التي سوف يذكرها الكتاب وينقدها ويُفنّدها، هل هي دوافع مسيحية محضة؟ أم هي دوافع ليبرالية محضة؟ أم هي دوافع قومية محضة؟. والحقيقة – بتصوري- أنّه لا يُمكن حصر لويس عوض في أي خانة من تلك الخانات بشكل منفرد، فهو مزيج من هذا كله، فبرغم ديانته المسيحية، لم يكن مسيحيًا متدينًا ولا كان أبوه- الخمورجي كما يحكي عنه عوض- له أي ولاء عقدي للمسيحية، بل كان أقرب للإلحاد، وكذا كان لويس أقرب للإلحاد ولا تُشكِّل المسيحية له إلا مجرد إرث ثقافي لم يتخلص منه بالكلية، ويظهر هذا الإرث أوضح ما يظهر في معالجته للقضايا والمواقف الإسلامية، أما ليبراليته فهي سقف أوسع يضم تحته هويته المسيحية ولا أدريته وقوميته في مقابل كل ما هو إسلامي أو رجعي كما يصفه الدكتور لويس عوض.
يُقدِّم الدكتور القاعود هنا دراسة أراها موضوعية لفكر الدكتور لويس عوض، دراسة تقترب من المنهجية العلمية وتبعد عن الشتم والتهجم والبذاءة والسخرية التي كانت أدوات الدكتور لويس في الهجوم على غيره من الإسلاميين أو خصومه عمومًا، حافظ الدكتور القاعود على اتزانه المعرفي وهو يُفصِّل وينقد ويُمحِّص مواقف وآراء الدكتور لويس عوض، ففي البداية يُحلِّل السيرة الذاتية للدكتور لويس عوض من خلال ما كتبه في " أوراق العمر" مُستعرضًا النشأة والعلاقة مع الآخر والمكونات والمرجعية= كأدوات للولوج لشخصية الدكتور لويس عوض، فهو - أي عوض- تكلَّم عن أخته وأخيه بأسلوب سيء، وكان تعامله مع الآخر مرتبطًا بتحقيق مصالحة وطموحاته، وتميّزت شخصيته بنرجسية عجيبة جعلته يتعالى فوق نقد خصومه. وعلى المستوى الشخصي يكشف لويس عن طبيعة تأثير " سلامة موسى" المباشر عليه، ويُلاحظ القاعود أنَّ لويس استقى التناقض في تفكيره أساسًا من التناقض الذي يُمثِّله سلامة موسى ( الاشتراكي، الزنديق، المثقف المسيحي، اللاديني، الفرعوني، القبطي..)، مع وراثة الكراهية لكل ما يتعلق بالإسلام.
جانب من جوانب هذا التناقض هو مناداته بالحرية المطلقة في الوقت الذي يستعدي الدولة على غلق مجلات وجرائد خصومه من الإسلاميين أو الناقدين لفكره، فرغم أنَّه اعتُقِل لمدة عام واحد في العهد الناصري إلا أنَّه خرج بعدها ليكون "الماركسي التائب" الدائر في فلك النظام عبر رعاية الصحفي الشهير "محمد حسنين هيكل" له في الأهرام، وهو لم ينقد عبد الناصر إلا بعد موته، أما في حياة ناصر فكتب عنه بوصفه الرئيس العظيم، لكن هذا التلون أعطاه حماية نوعية من السلطة ومن زمرة المثقفين الحاملين للمباخر السلطوية، ومن ثم يرى القاعود أنَّ الفريق الذي احتضنه لويس على صفحات الأدب في جريدتي الجمهورية والأهرام أيام كان مشرفًا على القسم الأدبي فيهما، كان غالبًا من الأدباء الشيوعيين أو اللادينين، وبواسطة السلطة استطاع غلق المجلات التي كانت ترد على ترهاته، مثل مجلة الرسالة والثقافة التي تصدت لترهاته حول أبي العلاء المعري، وبدلًا من أن يرد على محمود شاكر ومحمد جلال كشك استعدى الاتحاد الاشتراكي حتى تم غلق المجلات كلها، وسمى لويس عملية الإغلاق هذه بـ " معجزة صيف 1965".
في صفحات عديدة يرصد القاعود كيف نجح لويس عوض [الماركسي التائب] في فرض هيمنته على الساحة الثقافية، وكيف قام بتدجين مجموعة من المثقفين من أمثال " محمود السعدني" و " أحمد عبد المعطي حجازي" و " علاء الديب" و " غالي شكري" وغيرهم، فقد نجح في السيطرة على البيئة الثقافية التي كانت بطبيعة الحال مستعِدَّة لتقبُّل أراءه وتصوراته الأدبية التي كانت مثالًا للاستهتار بالقيم اللغوية والتقاليد الفنية، ومن ثم ينقد القاعود تهجُّم لويس عوض على اللغة وعلى الأدب العربي، ويرصد من جهة أخرى أعماله الإنشائية ( رواية، وشعرًا، ومسرحية وما يشبهها)، ويراها أعمالًا محدودة القيمة، تحمل أيديولوجيا تؤول إلى تقرير هوية التبعية الذليلة في بناء فني ضعيف، ترتفع فيه النبرة الخطابية المسرحية.
بطبيعة الحال كانت القوى السياسية المُحتفى بها عند لويس عوض هي الوفد والأحرار الدستوريين والماركسيين، والقوى التي يصب عليها هجومه هي الإخوان و مصر الفتاة و الحزب الوطني ( حزب مصطفى كامل)، وهو نقد ليس موضوعيًا بحال، هنا يقف الكتاب على ملمح مهم وهو أنّ المُستهدَف من نقد لويس هو الهوية الإسلامية بشكل عام، لا مجرد نقد جماعات وأحزاب يراها متطرفة، فهو مثلًا يحاول نزع تاج الشرف والريادة عن الأمة الإسلامية ونسبته للغرب، ومن ثم رأي أنَّ هوية المعري وابن خلدون و الطهطاوي صاغها الفكر الغربي، والقاعود هنا يُقدم نقدًا مكثّفًا لتلك الآراء مبيّنًا عدم موضوعية لويس عوض، خصوصًا في هجومه على جمال الدين الأفغاني، ولكن المهم هنا أنَّ القاعود ذكر سرقة لويس عوض للأطروحة النقدية للمستشرقة الأمريكية " نيكي كيدي" التي هاجمت فيها جمال الدين الأفغاني بلا موضوعية جاعلة منه عميلًا للإنجليز (!!).
بالمقابل روّج لويس عوض للقومية المصرية في صيغتها المتطرفة، واحتفى بنابليون مُفجِّر التنوير في مصر كما يزعم، و يحتفي بالخونة مثل المعلم القبطي " يعقوب"، ومن هنا كان من البدهي أن يُهاجم العرب والعروبة والوحدة العربية، بل من امتدحهم سابقًا مثل "عباس محمود العقاد" عاد وانتقدهم لمجرد أنَّهم كتبوا في الإسلاميات. الحق أنَّ ما طرحه الدكتور القاعود أكبر من مجرد عملية نقدية لمثقف مُنبَطِح، فهو يُلقي الضوء من خلال لويس عوض على حالة ثقافية مُهترِئة تحكَّم فيها العلمانيون والماركسيون والليبراليون و اللادينيون، وهو تحكُّم لم يتم عبر ظهورهم من خلال النقاش والحوار، فالمناخ الذي صنعه هؤلاء هو مناخ " الاستبداد" و " القمع" الفكري لمخالفيهم تحت مزاعم محاربة الرجعية والظلام وفكر القرون الوسطى، فلويس عوض وأفكاره هي مدرسة مستمرة وممتدة، ومن ثم تأتي أهمية هذه الدراسة، كونها لا تتعلق بمثقف من الماضي، بل بظاهرة ممتدة من الماضي إلى الحاضر، يُفرَض فيها الفكر بالقمع والاستحواذ على المنابر وشيطَنة الخصوم ونزع الوطنية عنهم ورميهم بالتطرف والإرهاب، هي دراسة لابد أن تُقرأ ..لا مرة واحدة، بل مرات عديدة.